لماذا تراجعت واشنطن عن تغيير النظام في إيران؟ مقاربة جديدة لتوازنات الشرق الأوسط
كتب. د. طه علي أحمد
تشير التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين أميركيين إلى تحول لافت في مقاربة الولايات المتحدة تجاه إيران، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لكلفة تغيير الأنظمة بالقوة، واستحضارًا لتجارب إقليمية أثبتت فشلها في تحقيق الاستقرار. فقد أكد السفير الأميركي لدى حلف الناتو ماثيو ويتاكر، أن واشنطن لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني، محذرًا من تكرار "سيناريو ليبيا"، في إشارة واضحة إلى التداعيات الكارثية التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011. وهو التحول الذي يعكس قناعة داخل دوائر صنع القرار الأميركي بأن الفوضى الناتجة عن انهيار الدول باتت أكثر تهديدًا للمصالح الغربية من استمرار أنظمة معادية ولكن يمكن احتواؤها.
في الوقت نفسه، تسير إدارة الرئيس دونالد ترامب باتجاه تفضيل المسار التفاوضي مع إيران وذلك في محاولة لتجنب مواجهة عسكرية واسعة الكلفة وغير مضمونة النتائج. ورغم الخطاب المُعلن حول منع طهران من امتلاك سلاح نووي، فإن المؤشرات الواردة في المقال توحي بأن أي اتفاق محتمل سيكون أقرب إلى تسوية سياسية رمزية منه إلى ترتيبات رقابية صارمة، خصوصًا في ظل رفض إيران المتوقع لتوسيع صلاحيات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتزداد الصورة تعقيدًا مع احتمال لعب فلاديمير بوتين دور الوسيط، ما يمنح موسكو نفوذًا إضافيًا في واحدة من أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية.
أحد التحولات البارزة في هذا السياق يكشف عنه تراجع الضغط الأميركي على الأنشطة الإقليمية لإيران، سواء فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية أو بدعم الجماعات المسلحة في المنطقة، فواشنطن لم تعد تطرح علنًا ملفات تسليح حزب الله في لبنان، أو حماس أو الميليشيات الموالية لطهران في العراق وسوريا فضلًا عن الحوثيين في اليمن، الأمر الذي يعني "عمليًا" قبولًا غير مباشر بتوسّع النفوذ الإيراني في الإقليم مقابل خفض احتمالات الصدام المباشر.
في هذا السياق، ربما تتمثل المرجعية التي تستند إليها الإدارة الأميركية في تبرير هذا التحول في التجربة الليبية، حيث أدى إسقاط النظام إلى تفكك الدولة، وصعود الجماعات المتطرفة، وتحول البلاد إلى ساحة صراع دولي مفتوح. وقد استثمرت روسيا هذا الفراغ عبر دعم قوات المشير خليفة حفتر، وتوسيع حضورها العسكري بإشراف قيادات بارزة مثل سيرجي سوروفيكين، في مقابل دعم غربي للحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس. وبالنسبة لواشنطن، فقد شكّل هذا النموذج دليلًا على أن إسقاط الأنظمة دون خطط انتقالية محكمة يفتح الباب أمام نفوذ الخصوم بدل تعزيز الاستقرار. بل إنه رغم وجود شخصيات معارضة بارزة مثل رضا بهلوي، لم تُبدِ إدارة ترامب استعدادًا فعليًا لدعم مسار تغيير سياسي داخلي. ورغم أن بعض الأصوات داخل المؤسسة الأميركية، مثل ماركو روبيو، أبدت انفتاحًا أكبر على هذا الخيار، فإن مركز القرار بقي متمسكًا بمقاربة التفاوض والاحتواء.
بشكل عام، تكشف هذه المقاربة الأميركية الجديدة عن انتقالٍ واضح من سياسة إسقاط الأنظمة المعادية إلى سياسة إدارة الخصوم واحتواء نفوذهم، حتى وإن جاء ذلك على حساب ملفات حقوق الإنسان، أو التوسع الإقليمي، أو الطموحات النووية طويلة المدى. غير أن هذا الخيار، رغم خفضه لمخاطر الحرب المباشرة، ربما يحمل في طياته ثمنًا استراتيجيًا يتمثل في ترسيخ النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وإضعاف الردع الأميركي التقليدي بالإضافة إلى إبقاء إيران على مسافة قصيرة من العتبة النووية.
بعبارة أخرى، فإن واشنطن لم تعد ترى في تغيير النظام الإيراني حلًا، بل خطرًا يفوق بآثاره استمرار النظام نفسه، وهي سياسة تقوم على "الاحتواء المُرهِق" بدل "الصدام المكلف"، لكنها قد تؤسس لاختلال توازن طويل الأمد في الإقليم.
في ضوء التحول الأميركي من سياسة تغيير النظام إلى نهج الاحتواء التفاوضي، يبدو أن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران يتجه نحو مسار يقوم على إدارة التوتر بدل حسمه، ليتمثل السيناريو الأرجح على المدى القريب في التوصل إلى تفاهم سياسي محدود يركّز على الملف النووي دون التطرق الجاد إلى برنامج الصواريخ أو الدور الإقليمي لطهران. ومن شأن هذا الاتفاق، في حال تحققه، أن أن يؤدي إلى تهدئة مؤقتة لكنه سيبقى هشًا، خصوصًا في ظل ضعف آليات الرقابة الدولية التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يمنح إيران هامشًا واسعًا للمناورة وتعزيز قدراتها الاستراتيجية تدريجيًا. ويكمن الخطر الأساسي في هذا السيناريو في تكريس نفوذ إيراني متصاعد مقابل تراجع فعالية الردع الأميركي.
في المقابل، يظل احتمال فشل المفاوضات قائمًا، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة من التصعيد غير الشامل، تقوم على ضربات محدودة وعمليات غير مباشرة، سواء عبر أدوات سيبرانية أو من خلال حلفاء إقليميين لطهران. لكن هذا النمط من المواجهة لا يصل إلى حرب مفتوحة، بل إنه يرسّخ حالة من عدم الاستقرار المزمن في الشرق الأوسط، ويزيد من حدة النزاعات بالوكالة، مع تداعيات مباشرة على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي. ورغم أن هذا المسار يسمح للطرفين بتجنب الانفجار الكبير، فإنه يحمل في طياته خطر الانزلاق غير المقصود نحو مواجهة أوسع نتيجة سوء تقدير أو تصعيد مفاجئ.
أما السيناريو الأكثر خطورة، ففي إطار سياسات الردع التصاعدي Escalatory Deterrence التي يمارسها الرئيس الأمريكي، يمكن إدراج التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة بوصفها أداة ضغط محسوبة تهدف إلى منع طهران من تجاوز الخطوط الحمراء والحيلولة دون الانزلاق المباشر إلى الحرب. فقيام الولايات المتحدة بنقل سفينة حربية متقدمة إلى الشرق الأوسط لا يعكس استعدادًا فورياً للمواجهة، بقدر ما يشكّل رسالة استراتيجية متعددة المستويات مفادها أن أي تصعيد إيراني سيقابل بردّ أسرع وأوسع نطاقًا. فهذا النمط من الردع لا يقوم على الضربة الوقائية، بل على رفع كُلفة السلوك العدائي تدريجيًا، وخلق بيئة عسكرية تجعل خيارات التصعيد أقل جاذبية لطهران.
غير أن الردع التصاعدي، رُغم فعاليته في كبح الانفجارات السريعة، يحمل في طياته مخاطر كامنة، أبرزها زيادة كثافة الاحتكاك العسكري في مسارح عمليات حساسة، ما يرفع احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود. فكل تعزيز عسكري جديد يهدف إلى الردع قد يُفسَّر من الطرف المقابل كاستعداد للهجوم، الأمر الذي يدفعه بدوره إلى تعزيز قدراته الدفاعية أو الهجومية، في حلقة تصاعدية يصعب التحكم بمآلاتها.
وبالتالي، فإن التحركات العسكرية الأميركية، وإن كانت تهدف إلى منع الحرب، قد تسهم، عبر منطق الوكالةparadoxically في زيادة هشاشة البيئة الاستراتيجية إذا لم تُقرن بمسار سياسي واضح لتخفيف التوترات.
الخلاصة أن الردع التصاعدي الأميركي في الشرق الأوسط ينجح حتى الآن في تأجيل الانفجار الكبير، لكنه لا يعالج جذور الصراع، بل يديره عبر موازنة دقيقة بين القوة والاحتواء، وهي معادلة قابلة للاختلال في أي لحظة تحت وطأة خطأ حسابي أو تصعيد مفاجئ، ما يجعل الاستقرار الإقليمي مؤقتًا بطبيعته لا مستدامًا.
