Non-profit organization

الطائرات الأمريكية فوق غزة: من المراقبة التقنية إلى التحكّم الميداني في اتفاق وقف إطلاق النار

Reports and files - شبكة الاستشراف

بدأت طائراتٌ مسيّرة أمريكية بالتحليق فوق قطاع غزة، في خطوةٍ متقدمةٍ تعكس تحوّلًا في الدور الأمريكي من وسيطٍ سياسي إلى طرفٍ مراقبٍ ميدانيٍّ لاتفاق وقف إطلاق النار بين حركة "حماس" و"إسرائيل".

ورغم غياب التفاصيل الرسمية حول مسارات هذه الطائرات أو قواعد انطلاقها، فإن ظهورها يثير تساؤلاتٍ حول أهداف واشنطن من هذه الخطوة، وما إذا كانت تمهيدًا لتدخّلٍ أمريكي أوسع لضمان استمرارية وقف النار.

ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عسكريين أمريكيين وإسرائيليين تأكيدهم استخدام الطائرات المسيّرة في مراقبة التطورات داخل غزة، بموافقة إسرائيلية رسمية. وأوضح المسؤولون أن مهام المراقبة تُنفّذ دعمًا لمركز التنسيق المدني–العسكري الجديد الذي أنشأته القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) في جنوب إسرائيل الأسبوع الماضي، للمشاركة في متابعة اتفاق وقف إطلاق النار.

وذكرت الصحيفة أن الجيش الأمريكي كان قد استخدم سابقًا طائراتٍ مسيّرة فوق غزة لتحديد مواقع الرهائن، لكن التحركات الحالية تشير إلى رغبة واشنطن في امتلاك رؤيةٍ مستقلةٍ لما يجري داخل القطاع، دون الاعتماد الكلي على الرواية الإسرائيلية أو تقارير الوسطاء.

وخلال الأيام الأخيرة، نفّذت الولايات المتحدة جسرًا جويًا إلى إسرائيل، ضمّ وفودًا رفيعة من المسؤولين الأمريكيين، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو.

ونقلت تقارير عن مسؤولين في إدارة ترامب أن هناك قلقًا داخل واشنطن من احتمال تراجع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن الالتزامات الواردة في الاتفاق.

وخلال زيارته إلى مركز التنسيق في إسرائيل، شدّد وزير الخارجية الأمريكي على أن وقف إطلاق النار يجب أن يصمد، وأن سكان غزة بحاجةٍ عاجلةٍ إلى تدفق المساعدات الإنسانية بصورةٍ منتظمة ومستدامة.

تحليل سياسي

يرى الكاتب والمحلل السياسي محمود حلمي أن تحليق الطائرات المسيّرة الأمريكية فوق غزة ليس مجرد خطوةٍ مراقبةٍ تقنية، بل تطوّرٌ سياسي يحمل دلالاتٍ استراتيجيةً عميقة، وقد يشكّل جزءًا من ترتيباتٍ دوليةٍ أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، في ظل هشاشة الاتفاق الحالي وكثرة الملفات العالقة.

وقال حلمي حسب تصريحه لـ"الخليج أونلاين":

"الخطوة تحمل رسالة ردعٍ مزدوجة، إذ تسعى واشنطن إلى توجيه إشارةٍ واضحة لكلٍّ من إسرائيل وحماس بأنها تراقب المشهد ميدانيًا، في محاولةٍ لردع أيّ تصعيدٍ مبكر".

وأضاف أن دخول الطائرات الأمريكية على خط المراقبة يعكس غياب الثقة الأمريكية بقدرة الأطراف المحلية أو الوسطاء الإقليميين على تنفيذ الاتفاق بمفردهم، مما يدفع واشنطن إلى مراقبة دقيقة ومستقلة للأحداث دون الاعتماد الكامل على التقارير الميدانية.

وأشار حلمي إلى أن هذه التطورات قد تمهّد الطريق نحو إشرافٍ دوليٍّ موسّع، وربما دعم فكرة نشر قوة مراقبة مستقبلية في غزة، خاصةً مع تصاعد النقاش حول هذا الخيار في الأوساط السياسية الغربية.

كما توقع أن تعزز واشنطن هذه الخطوة بضغطٍ دبلوماسي إضافي لإرساء آلياتٍ واضحةٍ ودائمة لوقف إطلاق النار، وربما تشارك لاحقًا في رعاية غرفة تنسيقٍ دولية تضمّ (إسرائيل) والوسطاء والمقاومة، مع إمكانية إدخال تقنياتٍ متقدمةٍ لرصد الخروقات وتقديم دعمٍ لوجستيٍّ للقوى الدولية إن تم تشكيلها.

مركز التنسيق المدني - العسكري (CMCC)

يقع مركز التنسيق المدني-العسكري في المنطقة الصناعية بمدينة كريات غات جنوب إسرائيل، داخل مجمّعٍ لوجستيٍّ كان مملوكًا سابقًا لشركةٍ تجاريةٍ خاصة، وتم تجهيزه في غضون أسبوعين فقط ليضمّ ثلاثة طوابق:

  • طابق للجانب الإسرائيلي،
  • وآخر للقوات الأمريكية،
  • وثالث للتنسيق المشترك بين الطرفين.

يضمّ المقر غرفة عملياتٍ مركزية لمتابعة التطورات الميدانية في غزة لحظةً بلحظة، إضافةً إلى مكاتب وقاعات اجتماعات للتواصل بين الأطراف المشاركة في إدارة الاتفاق.

وكشفت القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) أن افتتاح المركز يمثل الإطلاق الرسمي لمركز التنسيق الرئيس للمساعدات إلى غزة، وذلك بعد خمسة أيامٍ فقط من توقيع خطةٍ بوساطةٍ أمريكيةٍ لإنهاء الحرب بشكلٍ دائم.

وأوضحت القيادة أن المركز لن يشمل انتشارًا عسكريًا أمريكيًا داخل غزة، بل سيعمل على تسهيل تدفّق المساعدات الإنسانية واللوجستية والأمنية من الشركاء الدوليين إلى داخل القطاع.

وقال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية:

"جمع الأطراف المعنية التي تتشارك هدف تحقيق استقرارٍ ناجحٍ في غزة هو خطوة أساسية نحو انتقالٍ سلميٍّ مستدام".

وأضاف كوبر أن الأسابيع المقبلة ستشهد دمج ممثلين من الدول الشريكة والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص في مركز التنسيق.

كما أشار البيان الأمريكي إلى أن المركز سيشرف على مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار من خلال قاعة عملياتٍ متطورة تتيح تقييمًا لحظيًا للتطورات في غزة، وتعمل على تعزيز التخطيط المشترك بين القادة والممثلين وأعضاء الفرق المختلفة.

ويعمل في المركز نحو 200 من أفراد القوات الأمريكية المتخصصين في مجالات النقل والتخطيط والأمن واللوجستيات والهندسة، تحت قيادة الفريق باتريك فرانك، قائد القيادة المركزية لقوات الجيش الأمريكي.

التحركات الأمريكية الأخيرة فوق غزة، عبر الطائرات المسيّرة وإنشاء مركز التنسيق المدني–العسكري، تمثل تغييرًا نوعيًا في نمط الانخراط الأمريكي في الملف الفلسطيني – الإسرائيلي.

فهي تُكرّس واشنطن كـ طرفٍ ميدانيٍّ مراقبٍ وضامنٍ سياسيٍّ في آنٍ واحد، بما يعيد تشكيل ميزان القوى في مرحلة ما بعد الحرب، ويفتح الباب أمام مراقبةٍ دوليةٍ أكثر صرامةٍ لإدارة الوضع الإنساني والأمني في القطاع.