بث تجريبي

لقاء شي–ترامب: كيف نجحت الصين في الاستحواذ على زمام السردية وصياغة الأجندة؟

تقدير موقف - تابان بهاردواج
تابان بهاردواج
باحث أول في برنامج أبحاث الصين (CRP) التابع لمعهد الدراسات والسلام والصراع (IPCS).

شكّلت الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين خلال الفترة من 13 إلى 15 مايو، والتي اعتبرها كثيرون غنية بالرمزية وفقيرة في النتائج الملموسة، محطة حملت في طياتها رسائل مهمة للعالم. فقد أشارت الزيارة إلى بداية مرحلة لإعادة ضبط العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والصين، وإن لم تخلُ من التحديات. كما مثلت إنجازًا جديدًا في دبلوماسية الرئيس الصيني شي جين بينغ القائمة على استثمار ميزة "الملعب الداخلي"، حيث نجحت بكين، إلى حد كبير، في التحكم بالمشهد البصري للزيارة، وصياغة أجندتها، وإدارة الرسائل الإعلامية المصاحبة لها، أكثر مما فعلت واشنطن.

وقد صُممت المشاهد البروتوكولية بعناية لتعكس صورة لقاء يجمع بين قوتين متكافئتين. فالإدارة الأمريكية حرصت على إبراز مبدأ الندية من خلال الترويج لفكرة "مجموعة الاثنين" (G-2)، أي ثنائية القيادة الأمريكية-الصينية للنظام الدولي. وفي المقابل، ورغم أن الصين تجنبت التعليق علنًا على هذا الطرح، فإنها وفرت استقبالًا رسميًا مهيبًا للوفد الأمريكي.

إلا أن التدقيق في مجريات الزيارة يكشف أن اللقاء جرى في إطار تسلسل هرمي غير معلن، بدا فيه أن الصين الصاعدة تمتلك اليد العليا في مواجهة الولايات المتحدة، القوة الراسخة ولكن الآخذة في التراجع النسبي. وبوجه عام، حملت المؤشرات التي أفرزتها الزيارة دلالات إيجابية على المستوى الدولي، ولا سيما في ظل ظهور بوادر لانفراج محتمل في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.

ويمكن فهم ديناميكيات الزيارة بصورة أفضل من خلال النظر إلى الظروف السياسية الداخلية التي دخل منها كل من الزعيمين إلى اللقاء.

فعند انعقاد القمة، كانت معدلات التأييد الشعبي للرئيس ترامب قد تراجعت إلى نحو 34%، فيما انخفضت نسبة الرضا عن أدائه الاقتصادي إلى حوالي 27%، ويرجع ذلك أساسًا إلى تدهور المؤشرات الاقتصادية الكلية المرتبط بتداعيات الحرب في إيران. كما واجه ترامب انتقادات متزايدة من دوائر الأعمال الأمريكية بسبب التداعيات السلبية للرسوم الجمركية على الاقتصاد الأمريكي.

في المقابل، بدا الرئيس شي جين بينغ وكأنه يدخل اللقاء من موقع أكثر قوة نسبيًا، رغم التحديات التي تواجه بلاده. فقد تباطأ النمو الاقتصادي الصيني إلى أحد أضعف مستوياته منذ عقود، كما أن الحرب التجارية فرضت بالفعل تكاليف اقتصادية ملموسة على كل من الصين والولايات المتحدة.

ومع ذلك، وللمرة الأولى، استطاعت الصين أن تقدم نفسها أمام العالم بوصفها الطرف الذي يمتلك موقعًا تفاوضيًا أكثر قوة من الولايات المتحدة. فقد امتنعت بكين عن تأكيد معظم الإعلانات التي صدرت عن واشنطن بشأن نتائج الزيارة، كما شددت موقفها تجاه قضية تايوان، في حين لم تتمكن الولايات المتحدة من تبني موقف حازم مماثل تجاه روسيا.

وفي هذا السياق، كشفت زيارة ترامب الرسمية إلى الصين عن حدود السياسة الخارجية الأمريكية في التعامل مع بكين، وأبرزت في الوقت نفسه تنامي قدرة الصين على ممارسة الضغوط على الدول الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة، في القضايا التي تعدها ذات أولوية قصوى، وعلى رأسها الاتفاقات الاقتصادية وملف تايوان.