لماذا تريد دول الخليج الحفاظ على إيران... لا هزيمتها؟

دراسات وأبحاث - د. شهاب المكلحلة
د. شهاب المكلحلة
مستشار سياسي أول لعدد من الدول، ورئيس مركز Geostrategic Media Center الكندي، ومدير معهد الشرق الأوسط في الأردن.

تشهد دول الخليج العربي تحولًا تدريجيًا في مقاربتها تجاه إيران، إذ تنتقل من سياسة تقوم على المواجهة إلى نهج يقوم على الاحتواء الاستراتيجي، هدفه منع انهيار الدولة الإيرانية مع الحد في الوقت نفسه من نفوذها الإقليمي.

فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، جرى تصوير التنافس الاستراتيجي بين الملكيات العربية في الخليج والجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتباره صراعًا جيوسياسيًا صفريًا؛ إذ أدى دعم طهران للجماعات المسلحة غير الحكومية في أنحاء الشرق الأوسط، وتطويرها للقدرات الصاروخية الباليستية، وطموحاتها النووية، وتهديداتها المتكررة للبنية التحتية النفطية الخليجية، إلى اعتقاد واسع بأن حكومات الخليج سترحب بأي سيناريو يؤدي إلى إضعاف الدولة الإيرانية بصورة كبيرة.

غير أن التطورات الإقليمية الأخيرة تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا.

فدول الخليج العربية ما زالت تشعر بقلق بالغ إزاء القدرات العسكرية الإيرانية ونفوذها الإقليمي، لكنها أصبحت في الوقت ذاته تعارض بصورة متزايدة أي استراتيجية قد تؤدي إلى انهيار الدولة الإيرانية أو إشعال حرب إقليمية واسعة.

وبدلًا من السعي إلى هزيمة إيران، يبدو أن الحكومات الخليجية تتبنى هدفًا استراتيجيًا مختلفًا يتمثل في احتواء القوة الإيرانية داخل نظام إقليمي مستقر.

وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ فدول الخليج لا تتجه نحو مصالحة استراتيجية مع طهران، ولا تتخلى عن سياسة الردع، وإنما تتبنى نمطًا من البراغماتية السياسية يقوم على الاعتراف بأن إيران لاعب جيوسياسي دائم، وأن انهيارها قد يفضي إلى نتائج أكثر خطورة من استمرار وجودها.

وتؤكد الجهود الدبلوماسية الأخيرة هذا التحول؛ فقد دعت كل من السعودية والإمارات وقطر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكري ضد إيران، ولا سيما فيما يتعلق بمنشآتها النووية.

كما حذر وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان طهران من أن الانخراط في المسار الدبلوماسي أصبح ضرورة لتجنب اندلاع صراع إقليمي جديد ومدمر.

ولا يعكس هذا الموقف تعاطفًا مع الحكومة الإيرانية، بل يجسد تحولًا أوسع في التفكير الاستراتيجي الخليجي، حيث أصبح الاستقرار الإقليمي يُنظر إليه بوصفه أولوية للأمن القومي.

من تغيير النظام إلى الإدارة الاستراتيجية

لعقود طويلة، هيمنت المنافسة الأيديولوجية والمواجهة العسكرية على الحسابات الأمنية في الشرق الأوسط. فقد سعت الدول إلى إضعاف خصومها عبر الحروب بالوكالة، والضغوط السياسية، والعقوبات الاقتصادية، والتحالفات العسكرية.

أما اليوم، فقد أصبحت البيئة الجيوسياسية التي تواجهها دول الخليج مختلفة جذريًا.

فكل من السعودية، والإمارات، وقطر، وعُمان، والكويت، والبحرين تنفذ برامج تحول اقتصادي تاريخية، تعطي أولوية للاستثمار، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والربط الاقتصادي العالمي.

وتتطلب هذه الطموحات بيئة إقليمية مستقرة.

إن أي مواجهة عسكرية تؤدي إلى زعزعة استقرار إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها. فبحكم حجم إيران الجغرافي، وعدد سكانها، وقدراتها العسكرية، وشبكات نفوذها الإقليمية، فإن انهيار الدولة قد يخلق فراغًا أمنيًا يمتد أثره إلى العراق، والخليج، وآسيا الوسطى، والقوقاز، وبلاد الشام.

وقد شهدت دول الخليج تجارب مشابهة في أماكن أخرى؛ إذ أظهر انهيار العراق بعد عام 2003 كيف يمكن لتدمير مؤسسات الدولة أن يقود إلى حالة طويلة من عدم الاستقرار، مع صعود التنظيمات المتطرفة، وتصاعد الصراعات الطائفية، واتساع التدخلات الخارجية، بما حوّل العراق إلى أحد أبرز التحديات الأمنية في المنطقة.

كما أدى تفكك ليبيا بعد عام 2011 إلى انتشار شبكات تهريب السلاح في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، بينما أفضت الحرب الأهلية السورية إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.

ومن منظور صناع القرار في الخليج، تمثل إيران متغيرًا استراتيجيًا أكبر بكثير.

فانهيار مؤسسات الدولة الإيرانية بصورة مفاجئة قد يؤدي إلى:

  • موجات نزوح ولجوء واسعة.
  • انتشار غير منضبط للأسلحة.
  • تصاعد الحروب بالوكالة.
  • اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
  • تهديد أمن الملاحة في الخليج.
  • اشتداد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

ولهذا، لم يعد منع انهيار الدولة الإيرانية مجرد خيار سياسي، بل أصبح قضية تتعلق بإدارة المخاطر الاستراتيجية.

لتحول الاقتصادي أعاد تعريف مفهوم الأمن الخليجي

لا يمكن فهم السياسة الخليجية الجديدة تجاه إيران من خلال الحسابات العسكرية وحدها، إذ إن التحول الاقتصادي غيّر بصورة جوهرية الطريقة التي تُعرِّف بها دول الخليج مفهوم الأمن.

فخلال معظم القرن العشرين، انصبّ التركيز على الدفاع عن الأراضي، وضمان بقاء الأنظمة السياسية، وتعزيز الردع العسكري.

أما اليوم، فقد أصبحت الحكومات الخليجية تنظر إلى التحديث الاقتصادي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي.

ويُعد مشروع رؤية السعودية 2030 المثال الأوضح على هذا التحول؛ إذ يستهدف تقليل الاعتماد على النفط وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والابتكار.

وسارت دولة الإمارات العربية المتحدة في الاتجاه نفسه عبر تنويع اقتصادها، وتوسيع استثماراتها الدولية، وتعزيز ارتباطها بالاقتصاد العالمي، بينما استثمرت قطر عائدات الطاقة في بناء نفوذ عالمي في مجالات البنية التحتية والتمويل والدبلوماسية.

غير أن هذه التحولات الاقتصادية تحتاج قبل كل شيء إلى الاستقرار وقابلية التنبؤ.

فالمستثمرون الدوليون يترددون في ضخ رؤوس الأموال في مناطق معرضة للتصعيد العسكري المتكرر، كما تؤدي اضطرابات الملاحة البحرية إلى ارتفاع تكاليف النقل، وتشكل الهجمات الصاروخية تهديدًا مباشرًا للمناطق الصناعية والبنية التحتية للطاقة، بينما تؤدي الاضطرابات السياسية إلى ارتفاع تكاليف التأمين وتراجع ثقة المستثمرين.

وقد أكدت دراسات صادرة عن مؤسسات اقتصادية دولية كبرى وجود علاقة وثيقة بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، لم يعد تجنب الحرب مع إيران مجرد خيار دبلوماسي بالنسبة لقادة الخليج، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية.

الاحتواء لا يعني الاسترضاء

فسّر بعض المراقبين انفتاح دول الخليج دبلوماسيًا على إيران باعتباره دليلًا على تراجع مخاوفها من السياسات الإيرانية.

إلا أن هذا التفسير، بحسب الدراسة، يسيء فهم المنطق الاستراتيجي الذي يحكم السياسة الخليجية الجديدة.

فدول الخليج لم تتخلَّ عن سياسة الردع، وإنما أعادت تعريفها.

فبعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران بوساطة صينية عام 2023، دخل الطرفان مرحلة من التواصل الحذر، وهو ما لا يعني انتهاء التنافس الاستراتيجي، بل يمثل ما يسميه الباحثون "التعايش التنافسي"؛ أي الحفاظ على قنوات الاتصال مع الإبقاء على الجاهزية العسكرية.

ولهذا، تواصل السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت وعُمان الاستثمار بكثافة في:

  • أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة.
  • الدفاعات الصاروخية.
  • تحديث القوات البحرية.
  • التعاون الاستخباراتي.
  • الأمن السيبراني.
  • الشراكات الدفاعية مع القوى الكبرى.

وفي الوقت نفسه، تسعى هذه الدول إلى إنشاء آليات تحدّ من احتمالات التصعيد غير المقصود.

وتشبه هذه المقاربة التحول الذي تشهده نظريات العلاقات الدولية، من منطق المواجهة المباشرة إلى إدارة المخاطر؛ ففي عالم اقتصادي مترابط، بات حتى الخصوم بحاجة إلى قنوات اتصال تمنع تحول الأزمات إلى حروب لا يمكن السيطرة عليها.

وترتكز الاستراتيجية الخليجية الجديدة على ثلاثة أعمدة رئيسية:

  1. الردع عبر الحفاظ على قدرات عسكرية تمنع أي عدوان.
  2. الدبلوماسية من خلال الإبقاء على قنوات الاتصال لإدارة الخلافات.
  3. التكامل الاقتصادي بما يقلل دوافع الصراع طويل الأمد.

والهدف النهائي ليس انتصار إيران أو استسلام الخليج، وإنما تحقيق توازن استراتيجي مستقر.

المعضلة الاستراتيجية الإيرانية

في المقابل، وبينما أعادت دول الخليج صياغة مقاربتها تجاه إيران، ما تزال الرؤية الإيرانية للأمن القومي تستند إلى فلسفة مختلفة.

فقيادة طهران ترى أن نفوذها الإقليمي يمثل أحد المكونات الأساسية للدفاع الوطني، انطلاقًا من مفهوم "الدفاع الأمامي".

ووفقًا لهذه العقيدة، لا يتحقق أمن إيران من خلال الدفاع عن حدودها فقط، بل عبر بناء عمق استراتيجي خارجها من خلال شبكات النفوذ والشراكات في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وتنظر إيران إلى هذه العلاقات ليس باعتبارها تحالفات أيديولوجية فحسب، وإنما كجزء من منظومة ردع تهدف إلى منع تعرضها لضغوط أو هجمات عسكرية.

وهنا يظهر التباين الجوهري بين الرؤيتين الخليجية والإيرانية.

فبينما أصبحت دول الخليج تربط الأمن بالنمو الاقتصادي، والاستثمار، والربط الإقليمي، والتقدم التكنولوجي، واستقرار الملاحة البحرية، لا تزال قطاعات مؤثرة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية تعطي الأولوية لـ:

  • الحرب غير التقليدية.
  • شبكات الوكلاء.
  • القوة الصاروخية.
  • ممارسة الضغوط الاستراتيجية على الخصوم.

وقد أدى هذا الاختلاف في الرؤى إلى تكرار دوامات التصعيد خلال السنوات الماضية.

كما لوّح مسؤولون إيرانيون مرارًا بأن أي مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل قد تمتد إلى منشآت الطاقة الخليجية والقواعد العسكرية والممرات البحرية، انطلاقًا من اعتقادهم بأن هشاشة الاقتصاد الإقليمي يمكن أن تتحول إلى وسيلة ردع ضد أي عمل عسكري خارجي.

غير أن هذه التهديدات، من وجهة نظر دول الخليج، لا تؤدي إلا إلى تعزيز القناعة بضرورة احتواء السلوك الإقليمي الإيراني.

وتشير الدراسة إلى مفارقة مهمة؛ فدول الخليج تريد تقييد النفوذ الإيراني، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن إيران الضعيفة أو المنهارة قد تصبح مصدرًا لعدم استقرار أكبر بكثير من إيران القوية ولكن المنضبطة.

العراق وتركيا ومصر... ومعادلة التوازن الإقليمي الأوسع

لا يمكن فهم الاستراتيجية الخليجية تجاه إيران بمعزل عن ميزان القوى في الشرق الأوسط بأكمله.

فالعراق يظل الساحة الرئيسية التي تتقاطع فيها المصالح الأمنية العربية مع النفوذ الإيراني. فمنذ عام 2003، أصبح العراق في الوقت نفسه شريكًا وساحة تنافس بين رؤى إقليمية متباينة.

ومن منظور دول الخليج، فإن وجود عراق مستقر وذي سيادة يمثل حاجزًا استراتيجيًا يمنع تمدد النفوذ الإيراني بصورة مفرطة، وفي الوقت نفسه يحد من احتمالات المواجهة المباشرة بين القوى الإقليمية الكبرى.

ولهذا، كثفت السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى انخراطها الدبلوماسي والاقتصادي مع بغداد، سعيًا لدمج العراق في شبكات التعاون الاقتصادي العربي. والهدف ليس عزل إيران، وإنما بناء بيئة إقليمية لا تنفرد فيها أي قوة بالهيمنة.

أما تركيا، فتؤدي دورًا محوريًا هي الأخرى، إذ تجمع علاقتها بإيران بين التعاون الاقتصادي والمنافسة الاستراتيجية.

فالبلدان يتنافسان على النفوذ في العراق وسوريا والقوقاز وآسيا الوسطى، بينما يتعاونان في مجالات التجارة والطاقة. ويجسد هذا الواقع الطبيعة المعقدة للسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط، حيث يمكن للدول أن تكون خصومًا وشركاء اقتصاديين في آن واحد.

وفي المقابل، تتابع مصر بقلق أي تصعيد إقليمي قد يؤثر في أسواق الطاقة، وأمن الملاحة، والاستقرار السياسي. فالبحر الأحمر، وقناة السويس، وشرق البحر المتوسط، تربط الأمن الخليجي مباشرة بالمصالح الاستراتيجية المصرية.

وينطبق الأمر ذاته على اليمن، حيث أثبتت سنوات الحرب كيف يمكن للنزاعات المحلية أن تتحول إلى ساحات للتنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية.

ومن ثم، فإن بناء نظام إقليمي مستقر يقتضي معالجة هذه الأزمات بوصفها ملفات مترابطة، وليس أزمات منفصلة