شبح سعيد مهران ومفهوم "الأشباح"

ثقافة - Foresight

تكتسب فكرة الأشباح في الرواية أهمية مركزية، ويمكن قراءتها في ضوء مفهوم «الشبحية» (hauntology) الذي ارتبط بصورة خاصة بالفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، حيث لا يكون الماضي غائباً بصورة كاملة، بل يستمر في الحضور من خلال آثاره، ويعود ليؤثر في الحاضر رغم انقضاء الزمن الذي أنتجه.

وفق هذا المنظور، لا يوجد في الرواية شبح واحد، وإنما سلسلة من الأشباح المتداخلة. فسعيد الرفاعي مهران مسكون بشبح سعيد مهران المحفوظي، ثم يصبح هو نفسه شبحاً يطارد أبناءه بعد أن يتحول إلى مصدر للعنف والخوف في حياتهما. كما يظل الأب الأول، الرفاعي مهران، حاضراً في وعي ابنه بوصفه مصدر المأساة، قبل أن يتحول الابن بدوره إلى مصدر للمأساة بالنسبة إلى الجيل التالي.

وبذلك تتشكل دائرة من الماضي الذي ينتج الحاضر، والحاضر الذي يتحول بدوره إلى ماضٍ يطارد المستقبل. ولا يعود الشبح مجرد صورة للموت أو الغياب، وإنما يصبح تمثيلاً للخبرة غير المحسومة، وللجروح التي لم تجد طريقاً إلى المصالحة.

الانتقام من الأب وإعادة إنتاج مأساة «اللص والكلاب»

يكتسب الصراع بين سعيد الرفاعي مهران وأبيه بعداً رمزياً يتجاوز الخلاف العائلي المباشر. فالأب هو الذي منحه الاسم الذي أصبح، في نظر الابن، مصدر معاناته. ولذلك يتحول الغضب من الاسم إلى غضب على الأب نفسه، ثم إلى رغبة في الانتقام منه.

وفي هذه النقطة تحديداً تتقاطع حياة البطل الحديث مع حياة سعيد مهران المحفوظي. فكما عاد بطل محفوظ إلى ماضيه محملاً بالرغبة في الانتقام من الذين رأى أنهم خانوه وظلموه، يسعى سعيد الرفاعي مهران إلى الانتقام من الأب الذي يحمّله مسؤولية المأساة التي عاشها.

لكن الرواية تعيد صياغة هذا الانتقام داخل سياق مختلف. فبدلاً من الاقتصار على الانتقام من الأشخاص، يوجه سعيد غضبه إلى عالم الأب نفسه؛ فيتجه إلى تدمير أرضه الزراعية، في مفارقة واضحة مع أب يحب الأرض والزرع واللون الأخضر. ويصبح تبوير الأرض فعلاً رمزياً لتدمير إرث الأب، وليس مجرد سلوك انتقامي عابر.

ومع مرور الوقت، يتسع التدمير ليشمل حياة سعيد ذاته. فهو ينخرط في عالم القمار وبيوت المتعة، ويتزوج «حكيمة» سراً، ثم يستخدم علاقته بها وبأبنائه لإعادة بناء صورة «سعيد مهران» التي التصقت به منذ طفولته. ويبلغ هذا التماهي ذروته حين يخاطب والده مؤكداً أنه أراد أن يجعله «سعيد مهران»، وأنه اختار بالفعل أن يسير في الطريق نفسه.

هنا تبلغ الرواية إحدى مفارقاتها الأساسية: محاولة الإفلات من المصير تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاجه. فسعيد الذي يرفض أن يكون نسخة من الشخصية المحفوظية ينتهي إلى استعادة عناصر من مصيرها، لا لأن الرواية تفترض حتمية قدرية، وإنما لأن الشخصية أصبحت عاجزة عن بناء ذاتها خارج النموذج الذي فُرض عليها منذ الطفولة.

من الضحية إلى الجلاد

تتسع دائرة العنف حين ينقل سعيد إرثه النفسي إلى الجيل التالي. فبعد أن كان ضحية للتنمر والنبذ والعنف الأبوي، يتحول إلى مصدر للعنف تجاه ابنه وابنته. يسمي ابنه «سعيد» أيضاً، ويطلق على ابنته «نور»، بما يضاعف حضور الإحالات إلى عالم «اللص والكلاب»، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج البنية التي صنعت مأساته.

وهنا تطرح الرواية سؤالاً يتجاوز شخصية سعيد: كيف يتحول الضحية إلى جلاد، وكيف تنتقل آثار العنف من جيل إلى آخر؟

سعيد ونور لا يرثان عن أبيهما الاسم فحسب، وإنما يرثان الخوف والكراهية والاضطراب. يعيش الطفلان تحت سلطة أب يمارس العنف والحبس والإذلال، ويصل الأمر إلى تزويج نور من صديق أبيها في إطار صفقة مرتبطة بمشروع اقتصادي. وبذلك تتحول الأسرة إلى فضاء لإعادة إنتاج علاقات القوة والقهر، بدلاً من أن تكون مجالاً للحماية والأمان.

ومن اللافت أن الرواية لا تقدم سعيد بوصفه جلاداً خالصاً أو ضحية خالصة. إنه شخصية تقع في المنطقة الرمادية بين الاثنين: ضحية لتاريخ لم يختره، ثم فاعل في إعادة إنتاج العنف الذي تعرض له. وهذه الازدواجية تمنح الشخصية بعداً تحليلياً مهماً، لأنها تضع المسؤولية الفردية داخل سياق أوسع من العلاقات التي تنتج العنف وتعيد تدويره.

الجثة العائدة: عودة الماضي لا عودة الميت

حين يصل خبر خروج الجثة من القبر إلى سعيد ونور، لا يمثل الأمر بالنسبة إليهما واقعة غرائبية فحسب، وإنما عودة مباشرة إلى مصدر الألم. فالأب الذي ظنا أنه غاب بالموت يعود، رمزياً ومادياً، ليعيد فتح الجروح التي لم تُغلق.

ولهذا فإن رحلة الابن والابنة إلى القرية لا تبدو مجرد بحث عن جثة، وإنما تتحول إلى رحلة في الذاكرة العائلية. فالزمن السردي القصير الذي يستغرقه البحث يتسع عبر الاسترجاع ليشمل عقوداً من تاريخ الأسرة، ويعود إلى الستينيات للكشف عن بدايات الأزمة ومصادرها وتحولاتها.

ومن خلال هذه البنية الزمنية، تربط الرواية بين الحدث الراهن وتاريخه البعيد. فالحاضر لا يمكن فهمه بمعزل عن الماضي، والماضي لا يظهر بوصفه أرشيفاً من الأحداث، وإنما بوصفه قوة ما زالت تعمل داخل الشخصيات.

دفن الجثة أم دفن اللعنة؟

تبلغ الرواية ذروة دلالتها الرمزية في العثور على جثة سعيد في فراش أبيه الأول، الرفاعي مهران. فالمكان لا يبدو اعتباطياً، وإنما يعيد الجثة إلى نقطة البداية: الأب الأول، والأرض، والأسرة، والمصدر الأصلي للصراع.

ويمكن قراءة هذا المشهد بوصفه محاولة لإعادة الماضي إلى موضعه الطبيعي، لا عبر إنكاره، وإنما عبر مواجهته. فالجثة التي ظلت تتنقل رمزياً بين أجيال الأسرة تعود أخيراً إلى الأب الذي بدأت عنده السلسلة.

وفي مقابل هذا المسار النفسي، يظهر مسار آخر داخل المجتمع المحلي، حيث يتعامل أهل القرية مع عودة سعيد باعتبارها عودة وليّ أو صاحب كرامة، ويستعدون لبناء ضريح له. وهنا تقابل الرواية بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية: ما يمثل لعائلة سعيد تاريخاً من العنف والاضطراب، قد يتحول في المخيال الجمعي إلى أسطورة وقداسة.

وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة؛ لأن المجتمع الذي ساهم في تشكيل صورة سعيد منذ طفولته، من خلال التنمر والوصم والربط بين اسمه وبين «اللص والكلاب»، يعيد في النهاية إنتاجه بصورة مختلفة بوصفه شخصية استثنائية تستحق التقديس. وهكذا لا يتوقف المجتمع عن إعادة تشكيل الشخصية وفق حاجاته الرمزية.

الرواية بوصفها نقداً لدائرة القهر

تتجاوز «البحث عن سعيد مهران» حدود إعادة كتابة شخصية محفوظية إلى مساءلة آليات أوسع تتعلق بالذاكرة والعنف والهوية وإعادة إنتاج القهر. فالعائلة في الرواية تبدو وكأنها مختبر مصغر تنتقل داخله آثار العنف من جيل إلى آخر: الأب يتأذى من الماضي، فيؤذي أبناءه؛ والأبناء يحملون آثار هذا الأذى معهم حتى بعد مغادرة المكان.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الرواية بوصفها استعارة عن مجتمعات تعجز عن تسوية حساباتها مع ماضيها، فتستمر في إعادة إنتاج أزماتها بأشكال مختلفة. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود ماضٍ مؤلم، وإنما في غياب آليات حقيقية لمعالجته وتحويله إلى ذاكرة قابلة للتعايش، بدلاً من بقائه قوةً موجهة للسلوك.

وتأتي عدم قدرة سعيد ونور على الإنجاب بعد زواجهما، في هذا السياق، بوصفها علامة رمزية محتملة على الرغبة في كسر سلسلة التوارث. فبعد أن تحولت الأسرة إلى وسيلة لانتقال العنف من جيل إلى آخر، يصبح توقف الإنجاب إشارة إلى توقف السلسلة نفسها، أو على الأقل إلى رفض إعادة إنتاجها.

وبذلك، فإن السؤال الذي تطرحه الرواية لا يتعلق فقط بمصير سعيد مهران، وإنما بمصير الإرث الذي تركه خلفه: هل يمكن دفن الماضي فعلاً، أم أن كل محاولة لدفنه من دون مواجهته ستؤدي إلى عودته في صورة جديدة؟

في النهاية، لا تبدو عملية البحث عن الجثة بحثاً عن ميت، بقدر ما تبدو بحثاً عن معنى الموت نفسه: متى ينتهي الماضي؟ ومتى يتوقف الميت عن ممارسة سلطته على الأحياء؟ وربما تكون الإجابة التي تقترحها الرواية أن الماضي لا يموت بمجرد انتهاء زمنه، بل يحتاج إلى مواجهة وتأويل ومصالحة حتى يفقد قدرته على إنتاج الحاضر.

من هنا تكتسب علاقة الرواية بـ«اللص والكلاب» دلالتها الأوسع. فإيمان أبو غزالة لا تستعيد شخصية سعيد مهران لمجرد الاحتفاء بتراث نجيب محفوظ، وإنما تستخدمها أداةً للكشف عن كيفية انتقال الشخصيات والأسماء والحكايات من جيل أدبي إلى جيل اجتماعي، وعن قدرة الأدب نفسه على أن يتحول إلى جزء من ذاكرة الشخصيات ومصائرها. وبين شبح سعيد مهران المحفوظي وشبح سعيد الرفاعي مهران، تتشكل رواية عن الماضي حين يرفض أن يبقى ماضياً، وعن الإنسان حين يحاول الانتقام من الجرح فيعيد إنتاجه، وعن الحاجة إلى كسر الدائرة قبل أن يتحول الألم الموروث إلى قدر جديد.