حين يصبح الماضي معياراً للحاضر: في هيمنة القصيدة العمودية ومستقبل الشعر العربي
سواء كنت شاعراً يشارك في المهرجانات الشعرية العربية، أو قارئاً يجد متعته في حضور الأمسيات والفعاليات الأدبية، أو متابعاً للبرامج الإعلامية التي تتناول الشعر والثقافة، فلن يكون من الصعب أن تلاحظ الحضور الكثيف للقصيدة العمودية في جزء واسع من المشهد الشعري العربي المعاصر. غير أن الملاحظة الأكثر أهمية لا تتعلق بمجرد استمرار هذا الشكل الشعري، فوجود القصيدة العمودية في الثقافة العربية أمر طبيعي ومتوقع بالنظر إلى تاريخها الطويل وموقعها المركزي في الذاكرة الأدبية واللغوية، وإنما تتعلق بحجم هذا الحضور وطبيعة الامتياز الذي تحظى به بعض أشكال القصيدة التقليدية في المهرجانات والبرامج الإعلامية والجوائز والمؤسسات الثقافية. فالمسألة، في جوهرها، ليست صراعاً بين قصيدة موزونة وأخرى غير موزونة، وإنما سؤال يتعلق بكيفية إنتاج الشرعية الجمالية، ومن يملك حق تعريف الشعر، ومن يقرر أي الأشكال تستحق الضوء والاحتفاء والدعم.
وهنا نكون أمام قلب العلاقة التي أقامها العرب مع الشعر عبر تاريخهم الطويل. فالقصيدة العمودية ليست مجرد قالب فني؛ إنها جزء من الذاكرة الثقافية واللغوية، وارتبطت في الوعي العربي بمفهوم الفصاحة والبيان واستمرارية اللغة. ولذلك فإن استمرار المؤسسات الثقافية في رعاية هذا الشكل وإعادة تقديمه إلى الأجيال الجديدة لا يمكن النظر إليه باعتباره فعلاً سلبياً في ذاته. بل إن حفظ التراث الشعري وإعادة إحيائه يمثلان وظيفة ثقافية مشروعة، خصوصاً في زمن تتعرض فيه أنماط التعبير التقليدية لتحولات عميقة بفعل التكنولوجيا وتغير الذائقة وتحولات وسائل التواصل. لكن الإشكال يبدأ عندما ينتقل الأمر من حماية شكل من أشكال الذاكرة إلى تحويله، بصورة مباشرة أو ضمنية، إلى معيار نهائي للشعرية، بحيث يصبح القرب من القصيدة العمودية مصدراً إضافياً للاعتراف، بينما يحتاج الشعر الذي يخرج عن بنيتها إلى بذل جهد مضاعف لإثبات مشروعيته.
ولعل هذه المفارقة تكشف شيئاً أعمق في علاقتنا المعاصرة بالماضي. فعملية الإحياء الشعري التي عرفها الشعر العربي منذ بدايات النهضة الحديثة لم تكن مجرد عودة جمالية إلى القصيدة القديمة، وإنما كانت في جانب منها محاولة لإعادة بناء الهوية الثقافية في مواجهة لحظة تاريخية شعرت فيها المجتمعات العربية بأن جزءاً من ماضيها الحضاري قد أصبح مهدداً أمام التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية الكبرى. ومن هنا اكتسبت مدرسة الإحياء والبعث أهميتها، ثم ظهرت بعدها مدارس واتجاهات أخرى حاولت إعادة تعريف الشعر من داخل هذا التراث أو في حوار معه. وإذا كان الإحياء قد أعاد الاعتبار إلى النموذج الشعري العربي القديم، فإن الرومانسية وجماعة الديوان وأبولو وأدب المهجر والواقعية، ثم حركة الشعر الحر وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، جاءت كلها لتقول إن الشعر لا يعيش فقط في الماضي، وإنما يتحول كلما تحول الإنسان الذي يكتبه.
ومن هذه الزاوية يصبح تاريخ الشعر العربي الحديث تاريخاً لتحولات العلاقة بين الإنسان واللغة والمجتمع. فظهور مدرسة الإحياء والبعث في سياق النهضة العربية لم يكن حدثاً منفصلاً عن التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع العربي في القرن التاسع عشر، كما أن ظهور التفعيلة في أربعينيات القرن العشرين لم يكن مجرد تمرين على تغيير الموسيقى الشعرية. لقد كان، في جانب أساسي منه، استجابة لتحولات في الحساسية الجمالية وفي تصور الذات والمدينة والحرب والحب والمنفى والقلق والوجود. ولذلك ارتبط التحول الشعري في العراق، بصورة خاصة، بتجارب نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وغيرهما، في سياق أدبي اتسم بدرجة عالية من الانفتاح على التجريب. ومع قصيدة النثر اتخذت المسألة بعداً أكثر جذرية، إذ لم يعد السؤال يتعلق بإعادة توزيع الإيقاع داخل القصيدة فحسب، وإنما أصبح سؤالاً عن الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر وعن العناصر التي تجعل النص شعراً حتى في غياب الوزن التقليدي.
ومن الخطأ، لذلك، اختزال الحداثة الشعرية في محاولة للتمرد على الوزن أو القافية. فالقصيدة الحديثة لم تظهر لأنها تكره التراث، وإنما لأنها رأت أن تحولات الحياة تحتاج إلى أدوات تعبيرية جديدة. كما أن قصيدة التفعيلة نفسها لم تكن قطيعة مطلقة مع العروض العربي، وإنما أعادت تنظيم العلاقة بين الإيقاع والسطر والقصيدة. وحتى قصيدة النثر، التي تبدو في ظاهرها أكثر ابتعاداً عن النموذج الخليلـي، لم تكن خارج التاريخ العربي، وإنما جاءت في سياق طويل من إعادة التفكير في اللغة والشكل والإيقاع والصورة الشعرية. ومن ثم فإن الحداثة الشعرية ينبغي أن تُقرأ بوصفها مرحلة من مراحل تطور الشعر العربي، لا بوصفها خصماً للتراث.
المشكلة الحقيقية تظهر عندما ننظر إلى الطريقة التي تتوزع بها فرص الظهور والاعتراف بين هذه الأشكال. فالشرعية الثقافية لا تنتجها جودة النص وحدها، وإنما تشارك في إنتاجها منظومة واسعة من المؤسسات: الجائزة، والمهرجان، والناشر، والإعلام، والجامعة، والناقد، والمنصة الرقمية، والجمهور. وقد يستطيع نص شعري أن يكون بالغ القيمة من الناحية الفنية، لكنه يظل محدود الانتشار إذا لم يجد المؤسسة القادرة على تقديمه إلى الجمهور. وفي المقابل، يستطيع شكل شعري آخر أن يكتسب حضوراً واسعاً عندما تتوافر له منظومة متكاملة من التمويل والإنتاج والترويج والبث والتنافس والتصويت والجوائز.
وتقدم بعض التجارب العربية المعاصرة مثالاً واضحاً على قدرة الشعر التقليدي على التكيف مع الوسائط الحديثة. فبرنامج «شاعر المليون»، على سبيل المثال، لم يكتف بتقديم الشعر في صورته التقليدية، وإنما أعاد إنتاجه باعتباره منتجاً تلفزيونياً جماهيرياً يجمع بين المسابقة والتحكيم والتصويت والحضور الجماهيري والجوائز المالية الكبيرة. وقد تجاوز مجموع جوائز المراكز الستة الأولى في موسمه الثاني عشر 15 مليون درهم، فيما حصل الفائز على خمسة ملايين درهم، وأعلن البرنامج صراحة أن من أهدافه إعادة الشعر النبطي إلى مكانته في التراث والذاكرة الثقافية العربية. مكتب أبوظبي الإعلامي
وهنا حدث تحول مهم في علاقة التراث بالتكنولوجيا. فقد كان من الممكن تصور أن الوسائط الرقمية ستدفع نحو مزيد من التحرر من الأشكال التقليدية، لكن التجربة أثبتت أن التكنولوجيا يمكن أن تفعل العكس أيضاً؛ إذ تستطيع إعادة تقديم التراث بصورة أكثر جاذبية للأجيال الجديدة. لقد تحولت القصيدة التقليدية من نص أدبي إلى أداء وصورة ومنافسة وتفاعل وتصويت ومحتوى قابل للتداول على المنصات الرقمية. وبذلك لم يعد التراث مجرد مادة محفوظة في الكتب، وإنما أصبح قادراً على الدخول في اقتصاد الانتباه الحديث.
وهذا النجاح لا يمثل مشكلة في ذاته، بل ربما يكون أحد النماذج الناجحة لكيفية حماية التراث وإعادة تقديمه. المشكلة تبدأ عندما لا تقابل هذه القدرة المؤسسية والإعلامية على تقديم الشعر التقليدي جهود مماثلة لتقديم التجارب الشعرية الحديثة. فالشاعر الذي يكتب قصيدة النثر قد يمتلك نصاً شديد القوة، لكنه لا يجد بالضرورة المساحة الإعلامية نفسها التي تجعل تجربته قابلة للاكتشاف. والشاعر الذي يكتب التفعيلة قد يحصل على الاعتراف النقدي داخل الأوساط الأدبية، لكنه قد يظل بعيداً عن الجماهير الواسعة التي تصنعها البرامج والمسابقات الكبرى. ومن هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً من القول إن الجمهور العربي يفضل الشعر العمودي على الشعر الحديث؛ إذ ينبغي أن نسأل أولاً: هل أتيح للجمهور أن يختبر الأشكال المختلفة في ظروف متقاربة؟
إن هذه النقطة تقودنا إلى مفهوم مهم يمكن أن نطلق عليه «اقتصاديات الاكتشاف الثقافي». فالجمهور لا يختار بالضرورة من بين كل المنتجات الثقافية المتاحة له، وإنما يختار في كثير من الأحيان من بين ما تتيحه له المؤسسات والمنصات والخوارزميات. وما يصل إلى شاشة المشاهد بصورة متكررة، وما تمنحه المؤسسات جوائز كبيرة، وما تنتجه البرامج التلفزيونية في مواسم طويلة، وما تستثمر فيه المنصات الرقمية، تكون فرص اكتشافه أكبر بكثير من نص يبقى في كتاب محدود التوزيع أو أمسية ثقافية ضيقة الجمهور. ولذلك فإن الفارق في الانتشار لا يمكن تفسيره دائماً بالفارق في القيمة الجمالية؛ فقد يكون جزء منه ناتجاً عن الفارق في البنية التي تقف خلف المنتج الأدبي.
ولا يعني ذلك، بالطبع، أن القصيدة الحديثة تعاني غياباً كاملاً عن المؤسسات الثقافية العربية. فهناك جوائز ومهرجانات ومؤسسات أكاديمية ونقدية تحتفي بالشعر الحديث، كما توجد مبادرات تسعى إلى دراسة تحولات اللغة الشعرية وتطوراتها. وقد خصصت جائزة الشارقة لنقد الشعر العربي دورتها السادسة لموضوع «تحولات اللغة الشعرية في القصيدة العربية»، وهو ما يعكس اهتماماً مؤسسياً بتحليل التحولات التي عرفتها القصيدة العربية المعاصرة. جائزة الشارقة لنقد الشعر العربي كما أن جائزة البردة، في مجال الشعر، تتيح المشاركة في الشعر الفصيح الكلاسيكي والشعر النبطي والشعر الحر، بما يشير إلى وجود محاولات مؤسسية لاستيعاب بعض مظاهر التنوع الشعري. جائزة البردة
لكن وجود هذه المبادرات لا يلغي السؤال الأوسع حول التوازن في المشهد. فالمطلوب ليس أن ننتقل من تفضيل العمودي إلى تفضيل قصيدة النثر، ولا أن نستبدل مركزية شكل شعري بمركزية شكل آخر، وإنما أن نعيد النظر في مفهوم الاعتراف نفسه. فالجائزة ليست مجرد مبلغ مالي، والمهرجان ليس مجرد منصة للقراءة، والبرنامج التلفزيوني ليس مجرد مساحة للترفيه؛ هذه المؤسسات جميعاً تساهم في تشكيل الذائقة العامة وفي تحديد من يظهر ومن يختفي ومن يتحول إلى اسم معروف ومن يبقى داخل دائرة محدودة من القراء.
ولهذا فإن قضية الشعر العربي المعاصر يمكن أن تُقرأ من زاوية «العدالة الجمالية». والمقصود بهذا المفهوم ليس توزيع الجوائز والميزانيات بالتساوي الحسابي بين جميع الأشكال الشعرية، وإنما توفير بيئة ثقافية لا يكون فيها الشكل الشعري في حد ذاته سبباً للحصول على الاعتراف أو فقدانه. فالقصيدة العمودية تستحق الدعم لأنها جزء من التراث، لكن القصيدة الحديثة تستحق الدعم أيضاً لأنها جزء من الحاضر. وإذا كان حفظ الذاكرة وظيفة ثقافية أساسية، فإن إنتاج المستقبل الثقافي لا يقل أهمية عنها.
ومن هنا ينبغي أن نعيد النظر أيضاً في الطريقة التي نتعامل بها مع التكنولوجيا. فقد نجحت المؤسسات في استخدام التطبيقات والمنصات الحديثة للحفاظ على الأوزان والقوافي وتعليم العروض وإعادة تقديم الشعر التقليدي، وهو أمر مهم في ذاته. لكن السؤال الذي يستحق مزيداً من التفكير هو: لماذا لا تستخدم الأدوات الرقمية نفسها لتطوير منصات تساعد على اكتشاف جماليات الشعر الحديث، وتحليل بنيته، وأرشفة نصوصه، وربطه بالموسيقى والصورة والأداء، وإتاحة تجاربه لجمهور أوسع؟ ولماذا لا تصبح التكنولوجيا وسيلة لإنتاج أشكال جديدة من التفاعل مع القصيدة، بدلاً من أن تكون مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الشكل القديم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن تفتح الباب أمام سياسة ثقافية أكثر توازناً. فبدلاً من أن تكون المهرجانات الشعرية ساحات لتكريس شكل واحد، يمكن أن تصبح فضاءات للحوار بين الأشكال. وبدلاً من أن تتنافس القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر على إثبات شرعية بعضها ضد بعض، يمكن أن تقدم جميعها داخل سياق نقدي واحد يسمح للجمهور باكتشاف الاختلافات بينها. وبدلاً من أن تكون الجوائز وسيلة لترسيخ ذائقة واحدة، يمكن أن تصبح وسيلة لتحفيز التجريب والإبداع والتنافس الفني الحقيقي.
وهنا يصبح النقد الأدبي أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمشكلة ليست فقط في توزيع المال أو المنصات، وإنما في غياب النقاش النقدي القادر على التمييز بين التجديد الحقيقي والتجديد الشكلي. كما أن النقد لا ينبغي أن يكون حارساً للقصيدة العمودية ولا محامياً عن قصيدة النثر؛ وظيفته أن يضع النصوص أمام معيار فني ومعرفي يسمح باختبار قدرتها على إنتاج الدهشة والمعنى والتجربة الإنسانية. فليس كل شعر موزون شعراً عظيماً، وليس كل نص نثري حديث شعراً جيداً لمجرد أنه ينتمي إلى الحداثة. الشكل وحده لا يمنح النص قيمته، كما أن الخروج من الشكل التقليدي لا يكفي وحده لصناعة الشعر.
ومن هذه الزاوية، ربما يكون من المفيد تجاوز فكرة «الصراع بين القديم والجديد». فهذه الثنائية أصبحت عاجزة عن تفسير واقع الشعر العربي. القصيدة العمودية نفسها قادرة على التجدد، وقصيدة التفعيلة ليست قطيعة كاملة مع التراث، وقصيدة النثر ليست بالضرورة رفضاً للهوية. إن الأشكال الثلاثة تنتمي إلى تاريخ شعري واحد، وإن كانت تعبر عن أزمنة وحساسيات مختلفة. وكلما تغير الإنسان تغيرت حاجته إلى اللغة، وكلما تغيرت حاجته إلى اللغة تغيرت القصيدة.
إن الهوية الثقافية الحية لا تعني أن نبقى في الماضي، وإنما أن نمتلك القدرة على حمل الماضي معنا إلى المستقبل. والقصيدة العمودية جزء أساسي من هذه الذاكرة، لكن الحداثة الشعرية أصبحت بدورها جزءاً من تاريخنا الثقافي الحديث. وإذا كنا قد قبلنا منذ أكثر من قرن بأن الشعر العربي يمكن أن يستعيد القديم ويعيد صياغته، فعلينا أن نقبل أيضاً بأن الشعر قادر على اختراع الجديد وإعادة تعريف نفسه.
لهذا فإن القضية ليست في أن تنتصر القصيدة العمودية على قصيدة التفعيلة، أو أن تنتصر قصيدة النثر على القصيدة العمودية. فمثل هذا الانتصار، حتى لو تحقق، لن يكون انتصاراً للشعر. الشعر أكبر من أشكاله، وأوسع من بحوره، وأعمق من الخلاف حول الوزن والقافية. إن ما يحتاجه المشهد الشعري العربي هو بيئة تسمح للأشكال المختلفة بأن تتنافس على أساس القيمة الفنية، وأن يحصل النص على فرصته لأنّه يستحقها، لا لأنه ينتمي إلى قالب يحظى تاريخياً بامتياز أكبر.
وفي النهاية، فإن إحياء التراث ليس مشكلة، بل هو ضرورة حين يكون وسيلة للحفاظ على الذاكرة واللغة والهوية. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الإحياء إلى إيقاف للزمن الشعري، أو عندما يصبح الماضي معياراً وحيداً للحاضر والمستقبل. فالشعر الذي لا يتغير يتحول إلى أثر، بينما الشعر الذي يغير نفسه باستمرار يظل قادراً على ملامسة الإنسان.
ولعل أفضل ما يمكن أن نختم به هو أن الشعر لا يضره إحياء القديم، لكنه يزهر حين نصغي إلى قلبه الحي الذي يتجدد مع كل دورة من دورات الحياة.
