ميدان سفير.. حين تستعيد الذاكرة مدينةً لم تعد كما كانت
ليست الذاكرة عند الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مجرد استعادة لأحداث مضت، ولا محاولة للعودة إلى زمن الطفولة بوصفه مرحلة شخصية من العمر، وإنما تبدو أقرب إلى فعل فني يعيد من خلاله تشكيل عالم كامل بتفاصيله وأشخاصه وأمكنته ومشاعره. ففي كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر عن دار الشروق في القاهرة، يستعيد فؤاد سنوات النشأة من نافذة شقته المطلة على الميدان، ليقدم صورة بانورامية لزمن كان الجمال فيه جزءًا من الحياة اليومية، قبل أن تتبدل ملامح المكان ويعلو صخب المدينة على هدوئها القديم.
من الشرفة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يطل الفنان على «ميدان سفير» في مصر الجديدة، لا باعتباره مجرد موقع جغرافي، وإنما باعتباره نقطة ارتكاز لذاكرة كاملة. فالمكان، في روايته، يحمل وجوه الناس وأصوات الشوارع وروائح الحدائق وأضواء المحال وحركة المترو ودور السينما، كما يحمل في الوقت نفسه آثار التحولات التي طرأت على المدينة والمجتمع.
كان الشارع، في تلك الذاكرة، مساحة مفتوحة للأطفال، وكانت وسائل المواصلات تمنحهم فرصة لاكتشاف المدينة دون الإحساس بالخوف الذي يطبع علاقة الأجيال اللاحقة بالفضاء العام. وكانت السينما أكثر من شاشة تعرض الأفلام؛ إذ كانت طقسًا اجتماعيًا يجتمع حوله أفراد الأسرة، ومناسبة للترفيه واللقاء، وجزءًا من إيقاع الحياة في القاهرة.
لكن هذه الصورة ليست حنينًا رومانسيًا منفصلًا عن التاريخ. فالذاكرة التي يستعيدها فؤاد لا تخلو من لحظات الاضطراب والعنف، وفي مقدمتها أحداث عام 1952، حين اندلع حريق القاهرة في يناير، ثم جاءت ثورة الضباط الأحرار في يوليو، لتدخل مصر مرحلة تاريخية جديدة تركت آثارها العميقة في المجتمع وفي صورة المدينة نفسها.
حين اشتعلت القاهرة
من أكثر مشاهد الكتاب كثافة تلك اللحظة التي عاد فيها والد سمير فؤاد من عمله مبكرًا على غير عادته، وقال لأسرة البيت: «إنهم يحرقون وسط البلد!».
لم يكن الصبي في ذلك الوقت قادرًا على استيعاب حجم الحدث، لكن المشهد انطبع في ذاكرته، خصوصًا مع توالي الأخبار عن احتراق دور السينما والفنادق والمحلات التجارية في قلب القاهرة. كان الأب منشغلًا بالاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» وعلى محله في شارع عماد الدين، ولا سيما أن اسم المحل يحمل كلمة «دانش»، بما قد يوحي بأن صاحبه من الأجانب الذين ارتبطت بهم بعض الأهداف خلال الأحداث.
بعد الحريق، فرضت الأحكام العرفية وأغلقت المحال أبوابها، كما توقف المترو عن العمل بعد غروب الشمس، بينما ظل الخروج متاحًا للأفراد. لكن ما بقي في ذاكرة الأب لم يكن الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما مشهد وسط البلد الذي عرفه وعاش فيه سنوات طويلة وقد تبدلت ملامحه فجأة.
كان حزينًا على فندق «شبرد» الذي دُمّر، وعلى «جروبي» في شارع عدلي، وهو المكان الذي اعتاد ارتياده، لكن حزنه الأكبر كان على سينما «ريفولي»، التي ارتبطت بذكريات الأسرة الشتوية. لم تكن السينما بالنسبة إليه مجرد مبنى تعرض فيه الأفلام، بل جزءًا من حياة اجتماعية كاملة؛ مكانًا يجتمع فيه أفراد الأسرة، ثم يجلسون في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الطابق الأول.
وهنا تبدو إحدى الأفكار المركزية في الكتاب: الأمكنة لا تختفي حين تُهدم مبانيها فقط، وإنما تختفي أيضًا حين تنقطع علاقتنا بها وبالذكريات التي جعلتها جزءًا من حياتنا.
ليلة العدوان الثلاثي
بعد سنوات قليلة، جاءت تجربة أخرى ستظل محفورة في ذاكرة الفنان: العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عقب تأميم قناة السويس.
كان المناخ العام مشحونًا بالحماس والتعبئة. الإذاعة والصحف تتابعان التطورات باستنفار مستمر، وكان والد فؤاد من المتحمسين لجمال عبد الناصر وموقفه في مواجهة بريطانيا. أما الصبية فكانوا يتلقون الحدث بدرجات متفاوتة من الوعي؛ بعضهم منشغل بحياته اليومية، وبعضهم ينساق مع الحماس العام الذي ملأ الشوارع والبيوت.
لكن الحرب تحولت بالنسبة إلى سمير فؤاد من خبر يُسمع في الإذاعة إلى تجربة حسية كاملة في ليلة الهجوم.
كانت ابنة خالته «رجاء بكري» تزور الأسرة، والجميع يجلس في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير. كان الخريف قد حل، وانتهى موسم دور السينما الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، فيما بدا الميدان هادئًا تحت أضواء المحال المتناثرة.
ثم انقطعت السكينة فجأة.
دوّت صفارات الإنذار، ثم ظهرت أصوات الطائرات، وتلتها طلقات المدفعية المضادة للطائرات. وبعد ذلك امتلأت السماء بأضواء القنابل المضيئة التي ألقتها الطائرات، قبل أن تهتز أرجاء المنزل تحت وقع الانفجارات.
كان مطار ألماظة، القريب من المنطقة، من بين الأهداف الرئيسية للهجوم، ولذلك بدا مصدر الانفجارات للعائلة قريبًا بصورة مخيفة. أضاءت السماء الميدان للحظات مثل ومضات برق متتالية، ثم جاء دوي الانفجار، فاهتز المنزل بعنف وكأن جدرانه نفسها باتت مهددة بالسقوط.
في مثل هذه اللحظات، لا تعود الحرب حدثًا سياسيًا مجردًا. إنها تصبح صوتًا وضوءًا واهتزازًا وخوفًا، وتتحول إلى صورة لا تغادر الذاكرة حتى بعد مرور عقود.
مدرسة صنعت الذائقة
لكن «ميدان سفير» ليس كتابًا عن الحروب والأحداث السياسية فقط. فالأهم في ذاكرة سمير فؤاد ربما يكمن في الحياة اليومية التي صنعت تكوينه الثقافي والفني.
يتذكر مدارس شغلت قصورًا تاريخية، ومعلمين لم يكونوا مجرد ناقلين للمعلومات، وإنما شخصيات أسهمت في تشكيل ذائقة الطلاب وفتح نوافذ جديدة أمامهم.
كان مدرس الرسم قادرًا على اكتشاف المواهب الناشئة وتشجيعها، وفتح الطريق أمامها للتعرف إلى الفن العالمي. وكان مدرس اللغة قادرًا على توسيع أفق الطالب الثقافي إلى حد دفعه إلى صالون عباس العقاد. أما مدرس الموسيقى، فكانت حصته تتجاوز تعليم النوتة والألحان لتصبح جزءًا من التكوين الوجداني للطلاب.
وهذا الجانب من المذكرات يلفت النظر إلى دور المدرسة بوصفها مؤسسة لصناعة الشخصية، لا مجرد مكان للتعليم. فالمعلم الذي يمتلك الثقافة والقدرة على الإلهام قد يغير مسار حياة طالب بأكملها، حتى لو لم يدرك في لحظته حجم الأثر الذي تركه.
القاهرة التي كانت
في صفحات الكتاب، تظهر مصر الجديدة بوصفها نموذجًا لمدينة مختلفة في تفاصيلها. عمارة «الآرت ديكو»، وقصر البارون، والحدائق، والشوارع، ودور السينما، والمتاجر، كلها تشكل لوحة واحدة لأسلوب حياة كان أكثر هدوءًا واتزانًا في نظر صاحب المذكرات.
غير أن قيمة هذه التفاصيل لا تكمن في تسجيل جمال معماري أو اجتماعي فحسب، وإنما في المقارنة الضمنية بين صورتين للمدينة: صورة عاشها الفنان في طفولته وصباه، وصورة يراها في حاضره وقد أصابتها تحولات عمرانية واجتماعية وثقافية عميقة.
ومن هنا يصبح استدعاء الماضي نوعًا من مقاومة النسيان. فحين تتغير الأماكن بسرعة، يمكن للذاكرة أن تصبح أرشيفًا بديلًا يحفظ ما لا تستطيع المباني وحدها الاحتفاظ به.
العقاد في قلب الذاكرة
ربما يكون لقاء سمير فؤاد بعباس العقاد واحدًا من أكثر فصول الكتاب دلالة على طبيعة البيئة الثقافية التي نشأ فيها.
كان فؤاد قد انفتح في سنوات المراهقة على مجالات متعددة من القراءة، من العلوم والفلسفة إلى الأدب، لكن العقاد احتل مكانة خاصة في هذه المرحلة. جذبه أسلوبه وقدرته على توظيف المنطق في الدفاع عن آرائه، حتى أتاحت له الظروف، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، أن يشارك في ندوته الأسبوعية وهو لا يزال طالبًا في المرحلة الثانوية.
كان الفضل في ذلك لأستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري، الذي أدرك شغف تلميذه بكتابات العقاد. لم يكتفِ الأستاذ بمناقشة قراءاته معه، وإنما وعده باصطحابه إلى الندوة الأسبوعية صباح الجمعة.
زاد حماس الصبي للزيارة بعدما قرأ كتاب العقاد «في بيتي»، الذي يتحدث فيه الكاتب عن منزله وكتبه ولوحاته. كان يريد أن يرى بعينيه المكان الذي قرأ عنه، وأن يقارن بين الصورة التي رسمها العقاد بالكلمات وبين الواقع.
ذهب مع أستاذه إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان روكسي، في عمارة جميلة ما زالت قائمة، وإن كانت تعاني الإهمال بدلًا من أن تتحول إلى متحف أو مزار ثقافي يخلد صاحبها.
كان العقاد يشغل الطابق الأول بأكمله. دخل الصبي مع أستاذه إلى صالة واسعة، وعلى يمينها غرفة الاستقبال التي جلس العقاد في صدرها. صافحهما الرجل دون أن يبدو عليه استغراب من حداثة سن الزائر الجديد، بينما جلس عدد من مريديه وتدور المناقشات في موضوعات مختلفة.
كانت الزيارة، بالنسبة إلى فؤاد، تجربة استثنائية. فقد كان يرى الكاتب الذي طالما قرأه أمامه، داخل عالمه الخاص، محاطًا بالكتب واللوحات والأشخاص الذين يشاركونه النقاش.
وفي إحدى الزيارات، أخذ معه إحدى لوحاته ليعرضها على العقاد، باعتباره صاحب اهتمام بالنقد الفني، وإن كان لا يتذكر الآن تفاصيل التعليق الذي تلقاه، ولا يبقى في ذاكرته منه سوى أنه كان حديثًا عامًا.
لكن ما أثار فضوله أكثر كان منزل العقاد نفسه. فقد كان يستطيع التجول بحرية بين أرجائه، حيث تنتشر أرفف الكتب في كل مكان. ويتساءل في مذكراته عن الكيفية التي كان العقاد يعثر بها على الكتاب الذي يريده وسط هذه الكثرة، خصوصًا أنه لم ير علامات واضحة تشير إلى نظام تصنيف.
وعلى الجدران كانت تتوزع مجموعة من اللوحات، من بينها صورتان للعقاد بريشة صلاح طاهر، إحداهما زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. كما لفتت انتباهه لوحة تصور قطعة من التورتة تقف عليها ذبابة، وهي لوحة ارتبطت، بحسب ما يذكر العقاد في كتابه، بقصة عاطفية فاشلة مع الفنانة مديحة يسري، ومنها استلهم روايته الوحيدة «سارة».
الكتاب بوصفه فعل مقاومة
في النهاية، لا تبدو مذكرات سمير فؤاد مجرد استعادة شخصية لسنوات الطفولة والصبا، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة بناء عالم من خلال التفاصيل الصغيرة التي عادة ما تسقط من الروايات الكبرى للتاريخ.
فالتاريخ الرسمي يتوقف عند الثورات والحروب والقرارات السياسية، بينما تحفظ الذاكرة الفردية ما هو أكثر حميمية: سينما اعتادت الأسرة الذهاب إليها، متجر في شارع قديم، أستاذ اكتشف موهبة، كتاب قاد صاحبه إلى ندوة ثقافية، شرفة تطل على ميدان، أو ليلة حرب مزقت هدوء الخريف.
ومن هذه التفاصيل تتشكل صورة القاهرة كما عاشها جيل كامل، لا كما تسجلها كتب التاريخ وحدها.
لذلك يصبح استدعاء الماضي لدى فؤاد أكثر من حنين. إنه محاولة لحماية الذاكرة من التآكل، وللإمساك بما تبقى من مدينة تتغير باستمرار. والفنان الذي يحوّل العالم إلى لوحات يجد في الكتابة وسيلة أخرى للرسم؛ يرسم بالكلمات الأماكن التي تغيرت، والوجوه التي غابت، والأصوات التي خفتت، ويمنحها فرصة أخرى للبقاء.
إن «ميدان سفير» في هذا المعنى ليس مجرد ميدان في القاهرة، ولا مجرد عنوان لكتاب عن طفولة فنان. إنه نقطة تلتقي عندها ذاكرة الفرد بذاكرة المدينة، وتتحول فيها المذكرات الشخصية إلى شهادة على زمن كامل.
وحين يستعيد سمير فؤاد ذلك العالم، فإنه لا يقول إن الماضي كان كاملًا أو خاليًا من الأزمات، وإنما يذكّر بأن للمدن أرواحًا تتشكل من تفاصيل الحياة اليومية، وأن فقدان هذه التفاصيل لا يقل أهمية عن فقدان المباني ذاتها.
لهذا تبدو الكتابة هنا فعلًا من أفعال المقاومة: مقاومة النسيان، ومقاومة تسطيح التاريخ، ومحاولة لترميم صورة مدينة لا تزال حاضرة في الذاكرة، حتى وإن تغيرت ملامحها على الأرض.
