وستمنستر بين تآكل الرقابة البرلمانية وصعود الدولة التنفيذية
تشهد الحياة السياسية البريطانية في السنوات الأخيرة تحولاً تدريجياً في طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وهو تحول لم يعد يقتصر على خلافات إجرائية داخل مجلس العموم، بل بات يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الحكم وآليات صناعة القرار داخل الدولة البريطانية. فمع حكومة Keir Starmer العمالية، تتزايد المؤشرات على صعود دور السلطة التنفيذية ممثلة في «وايتهول»، مقابل تراجع نسبي لدور البرلمان التقليدي بوصفه الساحة الأولى للمحاسبة والإعلان السياسي.
هذا التحول برز بصورة واضحة خلال عطلة البرلمان الأخيرة، حين استمرت الحكومة في إعلان سياساتها الاقتصادية والتجارية عبر المؤتمرات الصحافية والتسريبات الإعلامية، بينما ظل مجلس العموم غائباً عن المشهد الفعلي لصناعة القرار. ورغم أن العطل البرلمانية تُعد جزءاً طبيعياً من النظام السياسي البريطاني، فإن الإشكالية لم تكن في توقف الجلسات التشريعية بحد ذاتها، بل في الكيفية التي باتت تُدار بها السياسة العامة خارج الأطر البرلمانية التقليدية.
وقد تجسد ذلك بوضوح في الجدل الذي أثاره رئيس مجلس العموم السير Lindsay Hoyle، حين انتقد إعلان الحكومة عن سياساتها الاقتصادية عبر وسائل الإعلام قبل عرضها رسمياً أمام النواب. هذا الانتقاد لم يكن مجرد دفاع عن الأعراف البرلمانية، بل كان تعبيراً عن مخاوف متزايدة داخل المؤسسة التشريعية من تهميش دور البرلمان لصالح إدارة سياسية وإعلامية أكثر مركزية وتحكماً.
صعود «سياسة الصورة» على حساب النقاش البرلماني
تُظهر حكومة ستارمر ميلاً واضحاً نحو إدارة السياسة عبر أدوات الاتصال الجماهيري الحديثة؛ من مؤتمرات صحافية محسوبة، وتسريبات مدروسة، وإحاطات إعلامية دقيقة، مع تركيز كبير على التحكم بالسردية السياسية وصورة الحكومة أمام الرأي العام. وبذلك، باتت السياسة البريطانية أقرب إلى نموذج «الإدارة الإعلامية للسلطة»، حيث تصبح السيطرة على توقيت الإعلان وشكل الرسالة السياسية أولوية تتقدم أحياناً على مبدأ الشفافية البرلمانية التقليدية.
هذا الاتجاه لا يمثل قطيعة كاملة مع التقاليد البريطانية، فالصراع بين «وايتهول» و«وستمنستر» قديم ومتجذر في بنية النظام السياسي البريطاني نفسه. فالسلطة التنفيذية تميل دائماً إلى السرعة والكفاءة وتقليل الاحتكاك السياسي، بينما يتمثل الدور الجوهري للبرلمان في الرقابة والمساءلة وإبطاء القرارات بما يسمح بمناقشتها علناً.
لكن الفارق اليوم يتمثل في أن أدوات الإعلام الحديثة ومنطق الاتصال السياسي السريع منحت الحكومات قدرة غير مسبوقة على تجاوز البرلمان عملياً دون المساس الشكلي بمكانته الدستورية. فالبرلمان ما زال قانونياً مركز السيادة والتشريع، إلا أن إدارة السياسة اليومية باتت تجري بصورة متزايدة في فضاءات إعلامية واتصالية خارج قاعة مجلس العموم.
اتفاقية الخليج نموذجاً لإدارة السياسة خارج البرلمان
مثّلت طريقة تعامل حكومة ستارمر مع اتفاقية التجارة الحرة مع Gulf Cooperation Council مثالاً واضحاً على هذا التحول. فرغم أهمية الاتفاقية بوصفها إحدى أكبر الاتفاقيات التجارية البريطانية بعد Brexit، وما يُتوقع أن تضيفه من مليارات الجنيهات للاقتصاد البريطاني، فإن الإعلان عنها جرى بصورة تعكس أولوية الاعتبارات الإعلامية على الاعتبارات البرلمانية.
فالحكومة فضلت إدارة توقيت الإعلان بعناية شديدة، مع إبقاء المعلومات الأساسية بعيدة عن النقاش البرلماني المباشر حتى اللحظة الأخيرة، وهو ما عزز الانطباع بأن السلطة التنفيذية باتت ترى البرلمان في كثير من الأحيان باعتباره منصة لاحقة للمصادقة والتبرير، لا ساحة أولى للنقاش وصناعة القرار.
الأزمة الأعمق: فجوة الثقة داخل المجتمع البريطاني
غير أن القضية لا تتعلق فقط بتوازنات المؤسسات، بل ترتبط أيضاً بأزمة ثقة متنامية داخل المجتمع البريطاني نفسه. فبينما تتحدث الحكومة عن مؤشرات نمو واستثمارات واتفاقيات تجارية جديدة، يشعر قطاع واسع من البريطانيين بأن واقعهم اليومي يسير في اتجاه مختلف تماماً.
ارتفاع الدين العام، وزيادة الاقتراض الحكومي، وتراجع الخدمات العامة، وارتفاع تكاليف المعيشة، كلها عوامل خلقت فجوة متزايدة بين «بريطانيا الرسمية» التي تتحدث بلغة الأسواق والنمو، و«بريطانيا اليومية» التي تعيش ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متصاعدة.
وفي هذا السياق، يصبح تراجع الدور البرلماني أكثر خطورة، لأن البرلمان تاريخياً لم يكن مجرد مؤسسة تشريعية، بل كان أيضاً أداة لربط المزاج الشعبي بمراكز القرار السياسي. وكلما تراجع هذا الدور لصالح الإدارة الإعلامية للسياسة، تزايد شعور المواطنين بأن النخب الحاكمة باتت تدير الدولة من فوق، بعيداً عن الرقابة الشعبية المباشرة.
نحو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع
تعكس التطورات الحالية في بريطانيا تحولات أوسع تشهدها الديمقراطيات الغربية عموماً، حيث تتراجع السياسة البرلمانية التقليدية أمام صعود «الدولة التنفيذية» المدعومة بآليات الإعلام الحديث وإدارة البيانات وصناعة الرأي العام.
غير أن استمرار هذا المسار يحمل مخاطر بعيدة المدى، أبرزها إضعاف الثقة بالمؤسسات التمثيلية، وتغذية الحركات الشعبوية التي تقدم نفسها باعتبارها صوت «المجتمع الحقيقي» في مواجهة النخب السياسية والإدارية.
ولهذا، فإن التحدي الأكبر أمام حكومة ستارمر لا يتمثل فقط في تحسين المؤشرات الاقتصادية أو توقيع اتفاقيات تجارية جديدة، بل في استعادة التوازن بين الكفاءة التنفيذية والشرعية الديمقراطية، وبين إدارة الدولة الحديثة والحفاظ على الدور التاريخي للبرلمان بوصفه القلب السياسي للنظام البريطاني.
