الصفقة النووية الأمريكية-السعودية وسياسة الاستثناءات الاستراتيجية
في 22 يوليو/تموز 2026، وقّعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية اتفاقية للتعاون النووي المدني بموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي، إلى جانب وثيقة ثنائية مرافقة للضمانات النووية.[1] وقدّمت واشنطن الاتفاقية باعتبارها الأساس القانوني لشراكة تمتد 30 عامًا وتبلغ قيمتها مليارات الدولارات، تتولى بموجبها الشركات الأمريكية بناء البنية التحتية النووية للمملكة.[2] غير أن أهمية الاتفاقية تكمن بدرجة أقل في ما تسمح به، وبدرجة أكبر في ما تستبعده.
فعلى خلاف اتفاقية عام 2009 مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أرست المعيار الإقليمي، لا تُلزم الاتفاقية الرياض بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم وإعادة المعالجة، كما أنها لا تشترط عليها الانضمام إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبالنسبة إلى منطقة تراقبها الهند عن كثب لأسباب تتعلق بأمن الطاقة ورفاه جاليتها الكبيرة فيها، فإن الصفقة تمثل تحولًا مهمًا في الشروط التي أصبحت الولايات المتحدة مستعدة بموجبها لدعم التعاون النووي الحساس.
ولا تحسم الاتفاقية مسألة التخصيب التي قسمت الحكومتين لأكثر من عقد؛ بل تؤجل حسمها. إذ ستُجرى دراسة مشتركة لمدة عامين لتقييم ما إذا كان تخصيب اليورانيوم داخل السعودية مبررًا من الناحية التجارية. فإذا خلصت الدراسة إلى تأييد ذلك، ستقوم الشركات الأمريكية ببناء المنشأة وفق ترتيبات تُعرف باسم «الصندوق الأسود» (Black Box)، بحيث تدير المملكة المنشأة دون أن تحصل على التكنولوجيا الحساسة؛ أما إذا قررت واشنطن رفض الأمر، فسيُحظر على الرياض لمدة عشر سنوات السعي إلى التخصيب بصورة مستقلة أو بالتعاون مع أي مورد آخر.[3]
وهذه الآلية ليست جديدة ولا يمكن التعويل عليها بصورة كاملة. فقد سمح كونسورتيوم Eurodif في سبعينيات القرن الماضي لإيران في عهد الشاه بالاستثمار في مجال التخصيب من دون امتلاك التكنولوجيا، قبل أن ينهار الترتيب بعد الثورة؛ كما أن تصميمات أجهزة الطرد المركزي التي حصل عليها عبد القدير خان لاحقًا، والتي أسهمت في إطلاق برامج في باكستان وليبيا وإيران وكوريا الشمالية، خرجت من داخل كونسورتيوم URENCO.[4] وتفصل مثل هذه الترتيبات بين الملكية والسيطرة فقط بقدر ما تسمح به الحوكمة والرقابة المستدامة.
وبعد يوم واحد من توقيع الاتفاقية، أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه لن يكون هناك تخصيب، وأن الاتفاقية تقتصر على الاستخدامات غير العسكرية، وأن الصفقة أصبحت مشروطة بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام وإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل؛ وهي شروط لم تكن مطروحة عند الكشف عن الاتفاقية، كما أن الرياض رفضتها باستمرار في غياب مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية.[5] ولا يزال يتعين إحالة الاتفاقية إلى الكونغرس، الذي يملك مهلة 90 يومًا من جلسات الانعقاد المتواصلة لمراجعتها؛ ويتطلب إلغاؤها إصدار قرار مشترك بالرفض يحظى بأغلبية الثلثين القادرة على تجاوز الفيتو الرئاسي.[6]
تراجع عن «المعيار الذهبي»
المعيار الذي تُقاس الاتفاقية في ضوئه هو اتفاقية التعاون النووي الأمريكية-الإماراتية لعام 2009، التي اعتُبرت طويلًا «المعيار الذهبي». فقد تخلت أبوظبي صراحة عن التخصيب وإعادة المعالجة، وقبلت البروتوكول الإضافي، كما احتفظت واشنطن بحق إنهاء التعاون إذا قامت الإمارات في أي وقت بتخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود على أراضيها.[7]
وقد تأكدت جدوى ذلك النموذج عمليًا؛ إذ توفر محطة براكة المكونة من أربع وحدات الآن نحو ربع احتياجات الإمارات من الكهرباء، بما يبرهن على إمكانية تشغيل برنامج نووي مدني واسع النطاق بالكامل باستخدام الوقود المستورد.[8]
أما السعودية فقد سلكت المسار المعاكس. إذ رفضت باستمرار «المعيار الذهبي»، وألغت بروتوكول الكميات الصغيرة الخاص بها في عام 2024، وتطبق اتفاقية الضمانات الشاملة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها لا تطبق البروتوكول الإضافي، كما أن الاتفاقية الجديدة لا تشترط عليها ذلك.[9]
وبدلًا من ذلك، تفاوضت الحكومتان على ترتيب ثنائي للضمانات يُقال إنه يغطي فقط المنشآت المشاركة في التعاون الحساس. وهذا يتعارض أيضًا مع تفضيل الكونغرس نفسه، إذ ربطت اعتمادات مالية أمريكية متعاقبة منذ عام 2020 دعم صادرات التكنولوجيا النووية إلى الرياض بإبرام اتفاقية بموجب المادة 123 تتخلى عن التخصيب وإعادة المعالجة وتتضمن اعتماد البروتوكول الإضافي.[10]
وما يوفره البروتوكول الإضافي، وما يزيله غيابه، يمثل عنصرًا أساسيًا في تقييم الاتفاقية. فالبروتوكول يوسّع نطاق وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى ما هو أبعد من المواد النووية المعلنة، بما يسمح باكتشاف المنشآت والأنشطة غير المعلنة، وقد جرى الترويج له منذ تسعينيات القرن الماضي باعتباره معيار الثقة في سلمية أي برنامج نووي.
أما ترتيب الضمانات الثنائي الذي تتفاوض عليه حكومتان، حتى لو كان لا يزال يتطلب موافقة مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فهو أداة أضيق نطاقًا، ومصممة لمنشآت محددة بدلًا من أن تشمل البرنامج بأكمله. وبالقياس إلى سابقة الإمارات وشروط الكونغرس، تستبدل الاتفاقية بذلك الترتيب الأضيق، الخاص بمنشآت بعينها، بالمعيار متعدد الأطراف الذي كانت واشنطن تروّج له. وبعبارة أخرى، لقد تغير المعيار المرجعي من حيث الجوهر.
المنطق الاستراتيجي والتداعيات الإقليمية
يساعد توقيت الاتفاقية على تفسير هذا التحول. فقد أُبرمت الاتفاقية خلال أشهر من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، عندما شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية هجمات واسعة على إيران، أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وسعت، من بين أهداف أخرى، إلى منع إيران من امتلاك القدرة على التخصيب، قبل التوصل إلى وقف مشروط لإطلاق النار في 8 أبريل/نيسان.[11]
وقد امتدت الردود الإيرانية إلى أنحاء الخليج، كاشفة مدى محدودية قدرة الملكيات العربية على حماية نفسها من مواجهة تجري إلى حد كبير فوق رؤوسها ومن دون أن تكون صاحبة القرار فيها.
وكانت الملكيات العربية، في جميع الأحوال، قد أُبقيت على هامش الدبلوماسية التي سبقت الحرب وتلتها، إذ جاءت تفضيلاتها في مرتبة أدنى من الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، حتى في الوقت الذي كانت أراضيها تتلقى تداعيات الضربات الانتقامية.
وفي ضوء ذلك السياق، يمثل الانفتاح النووي جزئيًا شكلًا من أشكال الطمأنة الاستراتيجية، وعلامة ملموسة على الشراكة تقدمها واشنطن إلى الرياض في لحظة اهتزت فيها الثقة بالضمانات الأمريكية. ولا يمكن إثبات هذا الدافع بصورة مباشرة، لكن تسلسل الأحداث يوحي به.
وتتجاوز تداعيات الاتفاقية العلاقة الثنائية بكثير. إذ يجري الإبقاء على مسار نحو التخصيب داخل دولة ربطت قيادتها علنًا طموحاتها بما تفعله إيران. ففي عام 2018، قال ولي العهد محمد بن سلمان إن الرياض ستقوم بـ«اتباع النهج نفسه في أقرب وقت ممكن» إذا تمكنت إيران من صنع قنبلة، كما حذّر وزير الخارجية السعودي لاحقًا من أن السياسة السعودية ستتغير جذريًا إذا تجاوزت طهران العتبة النووية.[12]
وبالنسبة إلى إيران، التي تحملت العقوبات وأعمال التخريب والحرب بسبب برنامج أصرت على أنه مدني، فإن رؤية منافسها يحصل على خيار مستقبلي للتخصيب تضعف الحجة الأوسع المؤيدة لضبط النفس.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، التي استند تفوقها الإقليمي على مدى نصف قرن إلى احتكار نووي، فإن تحرك كل من الخليج والهضبة الإيرانية نحو امتلاك قدرة كامنة يمكن أن يزيد الحوافز للقيام بعمل وقائي في المستقبل.
لكن الصورة على المدى القريب أكثر محدودية؛ إذ لا توجد في أي مكان في المنطقة قدرة على تصنيع الوقود النووي، وبالتالي فإن المواد التي قد يجري تخصيبها في المملكة ستظل بحاجة إلى المعالجة في الخارج، كما أن التخصيب المحلي لا يمنح برنامجًا ناشئًا ميزة فورية كبيرة.[13]
وتتمثل المخاوف الأساسية في القدرة الكامنة والمرونة المستقبلية، وفي تخفيف القيود السياسية المفروضة عليهما. وستقرأ دول لطالما درست طموحاتها الخاصة في مجال دورة الوقود النووي، من مصر إلى تركيا، هذه السابقة بعناية.
وفي الوقت نفسه، أظهر الصراع الأخير أن المنشآت النووية لم تعد بمنأى عن الحرب؛ فقد تعرضت المواقع الإيرانية ومحطة براكة الإماراتية لهجمات خلال القتال في عام 2026.[14]
مسألة الاتساق
يصعب الدفاع عن الاتفاقية بدرجة أكبر عندما يتعلق الأمر بالاتساق. فعلى مدى عقدين، جادلت واشنطن بأن إيران يجب ألا تحتفظ بقدرة غير مقيدة على التخصيب، لأن التكنولوجيا التي توفر الوقود للمفاعل يمكن أن تُستخدم أيضًا لإنتاج اليورانيوم الصالح لصنع الأسلحة، كما أخضعت نوايا طهران لتدقيق شديد.
وقد أكدت الحرب نفسها هذه النقطة، إذ خيضت جزئيًا بهدف حرمان إيران من قدرة تُعرض الآن على الرياض، بصورة مشروطة.
أما التدقيق المطبق على المملكة، التي تمتلك بعضًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم وبعضًا من أفضل موارد الطاقة الشمسية، والتي تستطيع تلبية احتياجاتها من الكهرباء من دون تخصيب محلي، فهو أقل بكثير.
والتفسير هو أن منع الانتشار النووي لم يكن يومًا العامل الوحيد المحدد للتعاون النووي الأمريكي؛ فقد شكلت العلاقات الاستراتيجية والأمن الإقليمي والمنافسة التجارية، بما في ذلك الرغبة في إحياء صناعة نووية أمريكية خسرت عقودًا أمام الموردين الروس والصينيين، عوامل مؤثرة فيه على الدوام.
ومن هذه الزاوية، يمكن الدفاع عن الاتفاقية. أما من منظور عدم الانتشار النووي، فإن سياسة تدقق في نوايا عاصمة بعينها بينما تسرّع حصول عاصمة أخرى على القدرة نفسها تبدو بصورة متزايدة مشروطة بدرجة التوافق الاستراتيجي.
رهانات الهند
بالنسبة إلى الهند، يكتسب هذا التطور أهمية على أكثر من مستوى. فالخليج يوفر نسبة كبيرة من واردات الهند من النفط الخام، ويضم أكبر تجمع للمواطنين الهنود خارج البلاد، ولذلك فإن عدم الاستقرار هناك يتحول سريعًا إلى تعرض اقتصادي وبشري داخل الهند؛ كما أن نيودلهي تعمل على تعميق شراكتها الدفاعية مع الإمارات.
ومن ثم، فإن للهند مصلحة مباشرة في ضبط الانتشار النووي والاستقرار الإقليمي. كما أن وضعها النووي الخاص يجعل هذه المصلحة أكثر أهمية.
فقد حصلت الهند على التعاون النووي المدني من خلال الاتفاقية الهندية-الأمريكية لعام 2008، وعلى ترتيب خاص للضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بفضل إعفاء استثنائي لمرة واحدة من مجموعة موردي المواد النووية (NSG). ومنذ ذلك الحين، سعت الهند دون نجاح إلى الحصول على عضوية كاملة في المجموعة، بينما شاركت في حوكمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك عضوية مجلس محافظيها خلال فترات مختلفة.
كما انضمت إلى أنظمة الرقابة الرئيسية على الصادرات، بما في ذلك نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ (MTCR)، وترتيب واسنار (Wassenaar Arrangement)، ومجموعة أستراليا (Australia Group). وقد قدمت نفسها باعتبارها مساهمًا في نظام عدم الانتشار النووي، وليس متحديًا له.
وتستند هذه المكانة، باعتبار الهند قوة نووية مسؤولة تعمل خارج معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لكنها في الوقت نفسه تخضع لإطار ضمانات مصمم خصيصًا لها، إلى حجج تقوم على ضبط النفس والسلوك المسؤول وحسن إدارة القدرات النووية.
ومن ثم، فإن نشوء نظام نووي في غرب آسيا تتراجع فيه معايير التخصيب، وتظهر فيه قدرة سعودية على دورة الوقود النووي في ظل شروط أقل صرامة، سيكون أمرًا لا ينسجم بسهولة مع الصورة التي تقدم بها نيودلهي نفسها، كما سيعقد عملية الموازنة التي تمارسها بالفعل بين الرياض وأبوظبي وطهران، وكل منها شريك مهم للهند في مجالات الطاقة أو الأمن أو الاتصال الجيوسياسي.
وسواء دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في نهاية المطاف أم لا، فإن نصها لا يزال غير منشور، بينما تستمر المهلة المحددة للكونغرس والشرط المتعلق بالتطبيع مع إسرائيل؛ ومع ذلك، فقد غيرت الاتفاقية بالفعل التوقعات بشأن الشروط التي ستدعم الولايات المتحدة بموجبها التعاون النووي الحساس.
وقد يكون هذا الأثر الإشاري أكثر أهمية من الاتفاقية نفسها. فالدبلوماسية النووية المستقبلية في غرب آسيا ستُقاس بصورة متزايدة على أساس معيار أصبح أكثر مرونة مما كان عليه من قبل، وهو ما ينقل عبء الحجة من أولئك الذين يسعون إلى امتلاك القدرات النووية الحساسة إلى أولئك الذين يريدون فرض قيود عليها.
وبالنسبة إلى منطقة تمثل أهمية مركزية لأمن الطاقة الهندي وامتدادها الاستراتيجي، فإن هذا تحول يستحق المراقبة عن كثب.
