المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران.. قراءة أولية في المسارات والتداعيات
لم يكن انطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل نحو مرحلة الحسم للمشهد المشهد الاستراتيجي المعقد في الشرق الأوسط، من خلال الضربات المنسقة التي استهدفت مواقع إيرانية مجرد عمليات تكتيكية، بل حملت رسالة سياسية تتعلق بالردع والمصداقية، وأكدت في الوقت نفسه حدود الدبلوماسية في بيئة جيوستراتيجية شديدة الاستقطاب.
فعمليتا "الأسد الهادر" الإسرائيلية و"الغضب العارم" الأمريكية قد صيغتا كأدوات لـ"الدبلوماسية القسرية" التي تقودها الوسائل العسكرية، بُغية إضعاف البنية التحتية النووية والصاروخية لإيران، وإعادة تثبيت نظام إقليمي آخذ في التآكل خلال الآونة الأخيرة. ومع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، قد بلغ الطرفان مرحلة "اللاعودة".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وصف الضربات بأنها "عمليات قتالية كبرى" ضد "تهديدات وشيكة"، في تأكيد لتحول واشنطن نحو أحادية أكثر حِدّة وصلابة. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فقد أدرج الهجوم ضمن عقيدة بلاده التقليدية القائمة على الضربات الاستباقية، معتبرًا أن اقتراب إيران من العتبة النووية يمثل تهديدًا وجوديًا لا يمكن احتواؤه، بل يجب تحييده.
وعلى هذا، فقد أفضى التلاقي بين النزعة الأمريكية المتشددة والهواجس الأمنية الإسرائيلية إلى لحظة تصعيد حاسمة. وفي صلب الأزمة يقف المسار النووي الإيراني؛ فالضربات التي وجهتها واشنطن وتل أبيب في يونيو 2025 ضد طهران ألحقت بالفعل أضرارًا بالمنشآت الاستراتيجية الإيرانية، لكنها لم تُنهِ قدرة طهران على إعادة البناء، حتى أن بعض التقارير قد أفادت عن عمليات ترميم وإعادة إصلاح سرية، إلى جانب مخاوف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأمر الذي عزز الشكوك الأمريكية والإسرائيلية بأن طهران قد بلغت مستوى تخصيب يلائم الاستخدامات العسكرية.
وهنا فإن إصرار الولايات المتحدة على حد الـ "صفر تخصيب" وتفكيك المنشآت بالكامل قد اصطدم بالخطوط الحمراء الإيرانية. ومن ثم لم يكن انهيار محادثات جنيف مجرد تعثر دبلوماسي، بل نتيجة حتمية لأهداف استراتيجية متناقضة لا يمكن التوفيق بينها.
ورغم أن البعد النووي يحتل مكانة مركزية في آتون هذه المواجهة، لكن ذلك ليس المتغير الوحيد. فالحسابات الأمنية الإسرائيلية تتشكل أيضًا بفعل الترسانة الصاروخية الإيرانية وشبكة الوكلاء الإقليميين، حتى وإن كانت قدرات "حزب الله" و"حماس" قد تراجعت، وسقط نظام الأسد في سوريا.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن عبور إيران العتبة النووية، حتى ولو بصورة رمزية، سيغير ميزان القوى الإقليمي بصورة لا رجعة فيها. وبالتالي فإن أشهرًا من التخطيط المشترك مع واشنطن قد عكست تقديرًا مشتركًا مفاده أن الردع إذا تآكل لا يُستعاد إلا بعمل جذري.
وكان سياسة "الضغط الأقصى" التي تبناها ترامب قد وفّرت الإطار الأوسع لهذه التقديرات. فبعد انتكاسات عام 2024 التي بدا أنها عزّزت ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، سعت الولايات المتحدة إلى استعادة زمام المبادرة الإقليمية، وكانت التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ يناير 2026 قد حملت العديد من إشارات ورسائل الردع، كما انطوت هذه التحركات على تحضيرات عملياتية في الوقت ذاته.
وعليه، يمكن القول بأن هذه التحركات والمؤشرات السابقة على الأحداث الأخيرة قد مزجت بين المنطق الوقائي وإدارة التحالفات وحسابات السمعة والمصداقية أيضًا.
وفي الداخل الإيراني، فإن الاحتجاجات الواسعة والمدفوعة بالظروف الاقتصادية المتردية منذ ديسمبر 2025 والقمع الأمني الذي قوبلت به من جانب السلطات الإيرانية، قد كشفت عن تصدعات هائلة في بنية الدولة الإيرانية عزَّزتها دعوة ترامب الصريحة للإيرانيين لتغيير نظام الحكم، الأمر الذي كشف عن هشاشة أثارت شهية ترامب ونتنياهو للتدخل المباشر.
أما على المستوى الإقليمي فقد كانت التداعيات فورية وسريعة للاشتعال؛ إذ جاء الرد الإيراني على إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة ليؤكد أن التصعيد لم يعد احتمالًا نظريًا بل واقعًا قائمًا.
كما ألمح وكلاء طهران في العراق واليمن إلى استراتيجية تستند على "الاستنزاف المستمر"، ولو بقدرات محدودة. أما مضيق هرمز، والذي يعد واحدا من نقاط الضعف المهمة سوق الطاقة العالمي، فقد بات في قلب "القلق الاستراتيجي" المميز للمشهد في الشرق الأوسط، حيث أضحت دول الخليج المستضيفة لقواعد أميركية بصدد معادلة معقدة تسعى من خلالها لتعزيز الردع دون الانزلاق نحو تصعيد أوسع.
بشكل عام، وعلى مستوى النتائج الإنسانية والسياسية الأولية، فإن سقوط ضحايا مدنيين، وتضرر البنية التحتية، وموجات النزوح المحتملة، قد مثلت في مجملها عوامل لتعميق الانقسامات المجتمعية، حيث أضحى النظام الإيراني، بصدد اضطرابات داخلية غير مسبوقة من شأنها أن تعيد تشكيل التحالفات، بما قد يعزز تقارب إسرائيل مع دول عربية سُنية، مقابل تراجع النفوذ الشيعي إن لم يكن "دفنه" على المستوى المنظور والمتوسط، وهو ما ينطوي على إطالة أمد الصراع ويعمق حالة "اللااستقرار" في لبنان والعراق، ويضاعف هشاشة نظام إقليمي يعاني أصلًا من التصدع.
أما على الصعيد العالمي، فإن الصدمة التي مُنِيَت بها أسواق الطاقة، وتقلبات أسعار النفط تهدد بمضاعفة الضغوط التضخمية وإبطاء النمو في أوروبا وآسيا. أما روسيا والصين، وهما شريكان استراتيجيان واقتصاديان لإيران، ورغم أنهما أدانتا الضربات، لكن أدواتهما للتأثير المباشر تبقى محدودة حتى الآن. بجانب ذلك، تنطوي الأزمة الراهنة على اختبارٍ جديدٍ لصلابة نظام منع الانتشار النووي حول العالم.
والأهم من ذلك، هو ما كشفت عنه الأحداث الأخيرة من التحول في تفضيلات الإدارة الأمريكية نحو القوة على الإجماع السياسي بما يعكس إعادة تموضع في الاستراتيجية الكبرى لواشنطن. ولهذا، يتوقع أن تستمر السجالات القانونية حول شرعية الضربات الاستباقية والسيادة، لكن تبقى الرسالة الأوضح حتى اللحظة أن "الولايات المتحدة مستعدة لتفعيل "التحرك الحاسم" عندما ترى أن ميزان القوى يميل ضدها.
هنا يمكن القول بأن التصعيد الراهن لا يعد حدثًا معزولًا بقدر ما هو نتيجة طبيعية لتراكم سنوات من انعدام الثقة، وتعثر الدبلوماسية، وتصاعد النزعات نحو الحسم العسكري. فقد تنجح إسرائيل والولايات المتحدة في تقليص القدرات الإيرانية وإعادة ترميم معادلة الردع، لكن مسار الأحداث يُظهر أن منطق القوة، حين يُفعَّل في بيئة إقليمية مزدحمة بالهشاشة والصراعات المتقاطعة، يحمل في طياته قابلية عالية للانفلات.
غاية القول، إن الشرق الأوسط قد أضحى عند مفترق استراتيجي شديد الهشاشة، حيث تتقاطع حسابات الردع مع مخاطر التمدد غير المقصود للتصعيد.
فالاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة الأطراف على توجيه الضربات، بل في قدرتها على ضبط مسارها ومنعها من الانزلاق إلى مواجهة أوسع، ليبقى السؤال الجوهري أمام الفاعلين الإقليميين والمجتمع الدولي: هل يمكن احتواء هذا التصعيد ضمن حدود محسوبة، أم أن المنطقة مقبلة على موجة جديدة من عدم الاستقرار تتجاوز كلفتها، سياسيًا واقتصاديًا وبشريًا، أي مكاسب متوخاة؟
