أزمة النظام الحزبي البريطاني: صعود الشعبوية وتآكل نموذج وستمنستر التقليدي
تشير نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في بريطانيا وآيرلندا الشمالية إلى أن البلاد دخلت مرحلة من التحول البنيوي العميق في نظامها السياسي، تتجاوز حدود التراجع التقليدي لشعبية الحكومات الحاكمة أو التقلبات الانتخابية الدورية. فالمؤشرات التي أفرزتها الانتخابات تعكس بصورة متزايدة تآكل نموذج “الثنائية الحزبية” الذي شكّل العمود الفقري للحياة السياسية البريطانية طوال قرن تقريباً، وقيام مشهد سياسي أكثر تشظياً، تتراجع فيه الأحزاب التقليدية لصالح قوى قومية وشعبوية وخضراء تعيد رسم الخريطة السياسية على أسس جديدة.
ورغم أن حكومة كير ستارمر وصلت إلى السلطة بعد الانتخابات العامة لعام 2024 بأغلبية برلمانية واسعة، فإن هذه الأغلبية لم تكن انعكاساً لتفويض سياسي صلب بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لانهيار شعبية المحافظين والانقسامات العميقة داخل اليمين البريطاني. فحزب العمال حصل آنذاك على أغلبية مريحة في مجلس العموم رغم أن نسبة الأصوات التي حصل عليها لم تتجاوز 34 في المائة، وهي من أدنى نسب التصويت التي حصل عليها حزب فائز بأغلبية مطلقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذا يعكس أزمة أعمق في النظام الانتخابي البريطاني، حيث لم تعد الأغلبية البرلمانية تعني بالضرورة وجود إجماع سياسي أو اجتماعي واسع خلف الحزب الحاكم.
في المقابل، مثّلت خسارة المحافظين في انتخابات 2024 بداية أزمة هيكلية داخل اليمين البريطاني نفسه، لا مجرد هزيمة انتخابية عابرة. فقد أدى انهيار شعبية الحزب إلى تسارع انتقال جزء من قاعدته السياسية والشعبية نحو حزب «ريفورم يو كيه»، الذي تحوّل من ظاهرة احتجاجية مرتبطة بـ«بريكست» إلى قوة سياسية قادرة على تهديد النظام الحزبي التقليدي. ويستمد الحزب صعوده من المزج بين الشعبوية القومية، والخطاب المناهض للهجرة، والتشكيك بالمؤسسات التقليدية، إلى جانب تبنيه مواقف اقتصادية حمائية وتدخلية تستهدف استقطاب قطاعات من الطبقات العاملة والشرائح المتضررة من العولمة والتحولات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، تبدو أزمة حزب العمال أكثر تعقيداً مما تعكسه النتائج البرلمانية الرسمية. فبدلاً من استثمار العودة إلى السلطة في إعادة بناء تحالف سياسي واسع داخل الحزب، اتجهت القيادة الجديدة إلى تعميق الانقسامات الداخلية، خاصة مع استمرار الصراع بين التيار الوسطي المرتبط بإرث توني بلير والتيارات اليسارية التي صعدت خلال مرحلة جيرمي كوربين. وقد ساهم هذا المسار في إضعاف قدرة الحزب على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها بريطانيا، خاصة في ظل تراجع الانقسامات الطبقية التقليدية وصعود قضايا الهوية والهجرة والثقافة السياسية بوصفها محددات أساسية للسلوك الانتخابي.
وفي موازاة ذلك، تكشف الانتخابات الأخيرة عن تصاعد واضح للنزعات القومية داخل المكونات غير الإنجليزية للمملكة المتحدة، خاصة في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية. فالأحزاب القومية لم تعد مجرد حركات احتجاجية تسعى إلى الضغط على وستمنستر، بل تحولت إلى قوى سياسية مستقرة تستند إلى سرديات تتعلق بالتهميش السياسي والثقافي والتاريخي داخل الاتحاد البريطاني. ويعكس هذا التحول تصاعد التوتر بين الهوية البريطانية الجامعة والهويات الوطنية الفرعية داخل المملكة المتحدة، بما يفتح المجال أمام احتمالات إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم خلال السنوات المقبلة.
غير أن اللافت في المشهد البريطاني الحالي هو التباين الجوهري بين القوميات “الاستقلالية” في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية، وبين الشعبوية القومية التي يمثلها حزب «ريفورم» داخل إنجلترا. فبينما تستند القوميات الاسكوتلندية والويلزية إلى خطاب تحرري يتمحور حول مقاومة الهيمنة التاريخية الإنجليزية وتعزيز الحكم الذاتي، يقوم خطاب «ريفورم» على نزعة قومية انعزالية ترتبط بقضايا الهجرة والسيادة والهوية الثقافية ومناهضة التعددية الثقافية. وهذا التناقض يجعل من الصعب تصور استقرار سياسي طويل الأمد في حال استمرار صعود التيارات الشعبوية القومية داخل إنجلترا بالتوازي مع تنامي النزعات الاستقلالية في الأطراف.
وفي الوقت نفسه، يبرز التقدم المتزايد لحزب الخضر بوصفه مؤشراً إضافياً على إعادة تشكيل المجال السياسي البريطاني. فالحزب بات يستقطب قطاعات متزايدة من الطبقات الوسطى الحضرية، خاصة في المدن الجامعية والمراكز الحضرية الكبرى، حيث أصبحت قضايا البيئة والتحول المناخي جزءاً من الهوية السياسية والثقافية للناخبين الشباب والشرائح المتعلمة. وهذا التحول يعكس انتقال جزء من القاعدة التقدمية التقليدية لحزب العمال نحو فضاءات سياسية جديدة تتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار.
كما لا يمكن فصل هذه التحولات عن السياق الدولي الأوسع المرتبط بصعود الشعبوية واليمين القومي في عدد من الديمقراطيات الغربية. فالتقدم الذي يحققه حزب «ريفورم» يتقاطع مع موجات مشابهة شهدتها أوروبا والولايات المتحدة والهند، حيث تصاعدت الخطابات المرتبطة بالهوية الوطنية، والهجرة، والتشكيك بالعولمة والمؤسسات التقليدية. وفي الحالة البريطانية تحديداً، تبدو هذه التحولات مرتبطة أيضاً بالإرث السياسي والاقتصادي الذي تركته مرحلة مارجريت تاتشر ، خاصة ما يتعلق بإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع، وتراجع دولة الرفاه، وتعميق الانقسامات الجغرافية والاجتماعية داخل بريطانيا.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يطرح هذا المشهد أسئلة متزايدة حول مستقبل الاستقرار السياسي ووحدة المملكة المتحدة. فاستمرار تفكك الثنائية الحزبية التقليدية قد يدفع بريطانيا تدريجياً نحو نموذج سياسي أقرب إلى النظم الأوروبية القائمة على الائتلافات المتعددة والتحالفات الهشة، لكن من دون امتلاك الثقافة السياسية والمؤسساتية التي تسمح بإدارة هذا النوع من الحكومات بصورة مستقرة. كما أن صعود حزب شعبوي مثل «ريفورم» إلى موقع متقدم داخل المشهد السياسي البريطاني قد يؤدي إلى تعميق التوتر مع القوى القومية في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة على مستوى الوحدة الوطنية البريطانية.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن بريطانيا لم تعد تواجه مجرد أزمة انتخابية عابرة، بل أزمة إعادة تشكيل للنظام السياسي نفسه. فالتراجع التدريجي لنموذج الثنائية الحزبية، وصعود الشعبوية والقوميات المحلية، وتفكك التحالفات الاجتماعية التقليدية، كلها مؤشرات على دخول البلاد مرحلة سياسية جديدة قد تكون الأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
