هل تدخل بريطانيا عصر الائتلافات الهشة؟ تحولات المشهد السياسي البريطاني
تشهد بريطانيا اليوم واحدة من أعمق التحولات السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في ظل تآكل النموذج الحزبي التقليدي الذي حكم الحياة السياسية البريطانية طوال قرن تقريباً. فالانتخابات المحلية الأخيرة، التي يُفترض أن تنحصر تقليدياً في قضايا الخدمات البلدية والإسكان والضرائب المحلية، تحولت عملياً إلى اختبار واسع لمستقبل النظام السياسي البريطاني نفسه، وكشفت عن أزمة بنيوية تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية المعتادة بين حزبَي العمال والمحافظين.
فالنتائج لم تعبّر فقط عن تراجع شعبية حزب العمال أو صعود حزب «ريفورم يو كيه»؛ بل عكست انهياراً تدريجياً للصيغة السياسية التي قامت على التداول الثنائي للسلطة بين العمال والمحافظين، مع بقاء الأحزاب الأخرى في الهامش. وما يظهر اليوم هو انتقال بريطانيا من نموذج “الحزبين الكبيرين” إلى مشهد سياسي أكثر تشظياً وتعقيداً، تتقدم فيه قضايا الهوية والانتماء الثقافي والهجرة على الانقسامات الطبقية التقليدية التي شكّلت جوهر السياسة البريطانية لعقود طويلة.
ويبدو هذا التحول أكثر وضوحاً في ويلز، التي مثلت تاريخياً أحد أهم معاقل الحركة العمالية البريطانية الحديثة، بحكم ارتباطها بمناطق التعدين والنقابات والصناعات الثقيلة. فالتراجع الحاد لحزب العمال في ويلز لا يمكن قراءته كخسارة انتخابية عادية، بل بوصفه تحولاً عميقاً في البنية الاجتماعية والسياسية التي قامت عليها الهوية العمالية البريطانية نفسها. فصعود حزب «بلايد كيمرو» القومي، إلى جانب التقدم الكبير لحزب «ريفورم»، يشير إلى انتقال المزاج السياسي من الانتماء الطبقي إلى الانتماء الوطني والثقافي، وهو تحول يعكس أزمة أوسع داخل الدولة البريطانية متعددة الهويات.
وفي اسكوتلندا، ورغم احتفاظ الحزب القومي الاسكوتلندي بموقعه كأكبر قوة سياسية، فإن الصعود المتواصل لـ«ريفورم» والخضر يعكس بدوره إعادة تشكل الخريطة السياسية حول قضايا تتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار. فالأحزاب القومية في اسكوتلندا وويلز لم تعد مجرد حركات احتجاجية تسعى إلى الضغط على وستمنستر، بل تحولت إلى قوى حكم تمتلك قواعد اجتماعية راسخة تستند إلى الشعور بالتهميش السياسي والثقافي داخل الاتحاد البريطاني.
أما في إنجلترا، فقد جاءت النتائج أكثر تعقيداً، مع الاختراق الواسع الذي حققه حزب «ريفورم» داخل مناطق كانت تُعد معاقل تقليدية لحزبَي العمال والمحافظين. ويعكس هذا التقدم تحوّلاً مهماً في طبيعة الاحتجاج السياسي داخل المجتمع البريطاني، إذ لم يعد التصويت الاحتجاجي مرتبطاً فقط بقضايا الاقتصاد أو التقشف، بل أصبح يتمحور بصورة متزايدة حول الهجرة، والهوية الوطنية، والثقة بالمؤسسات السياسية، وتداعيات العولمة، وتكاليف التحول البيئي.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات في السياسة البريطانية المعاصرة: تراجع صلاحية التصنيفات التقليدية لليمين واليسار في تفسير السلوك الانتخابي. فحزب «ريفورم»، الذي يُقدَّم غالباً بوصفه حزباً يمينياً شعبوياً، يتبنى في الوقت نفسه مواقف اقتصادية تدخلية وشعبوية، تشمل الدعوة إلى دور أكبر للدولة في قطاعات الطاقة والنقل، في حين يمثل حزب الخضر قاعدة حضرية ميسورة ترتبط أكثر بقضايا البيئة والهوية الثقافية والتحول المناخي من ارتباطها بالصراع الطبقي التقليدي.
وتكشف هذه التحولات عن انتقال السياسة البريطانية من مرحلة “الاستقطاب الاقتصادي” إلى مرحلة “الاستقطاب الثقافي والهوياتي”، حيث أصبحت قضايا مثل الهجرة، والانتماء الوطني، وأوروبا، وصافي الانبعاثات الصفري، والاحتجاجات المؤيدة لغزة، والثقة في النخب السياسية، أكثر تأثيراً في السلوك الانتخابي من الضرائب أو الملكية العامة والخاصة.
كما أن التراجع المتواصل لما يُعرف بـ«الجدار الأحمر» — أي الدوائر العمالية التقليدية التي دعمت «بريكست» ثم تحولت إلى المحافظين في انتخابات 2019 — يعكس اتساع الفجوة بين النخب السياسية في لندن وبين قطاعات واسعة من الطبقات العاملة والضواحي الصناعية. فجزء كبير من هؤلاء الناخبين بات يرى أن المؤسسة السياسية البريطانية تجاهلت الرسائل التي حملها التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، خاصة في ما يتعلق بالهجرة والهوية الوطنية والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وفي المقابل، يخسر حزب العمال تدريجياً جزءاً مهماً من قاعدته الحضرية التقدمية لصالح حزب الخضر، خصوصاً في المدن الجامعية والأحياء الميسورة في لندن، حيث أصبحت قضايا البيئة والتحول المناخي جزءاً من الهوية الثقافية والاجتماعية للطبقات الوسطى الجديدة. لكن هذه السياسات نفسها تُقابل بريبة متزايدة داخل المناطق الصناعية والطبقات العاملة، التي تنظر إلى سياسات “التحول الأخضر” باعتبارها تهديداً مباشراً للوظائف والطاقة ومستوى المعيشة.
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن ما بدأ مع «بريكست» لم يكن مجرد احتجاج مؤقت ضد الاتحاد الأوروبي، بل بداية إعادة تشكل أعمق للنظام السياسي البريطاني. فالأحزاب التي جرى التعامل معها سابقاً بوصفها ظواهر احتجاجية هامشية، مثل «يوكيب» ثم «ريفورم»، أصبحت اليوم تُطرح بوصفها قوى قادرة فعلياً على قيادة الحكومة المقبلة أو فرض معادلات سياسية جديدة داخل البرلمان البريطاني.
غير أن هذا التحول يحمل في الوقت نفسه مخاطر متزايدة على الاستقرار السياسي البريطاني. فاستمرار التشظي الحزبي قد يدفع بريطانيا نحو نموذج سياسي أقرب إلى الأنظمة الأوروبية القائمة على الائتلافات الهشة، لكن من دون امتلاك الثقافة السياسية والمؤسساتية التي تسمح بإدارة هذا النوع من الحكومات بسلاسة. وفي مثل هذا المشهد، قد تتحول كل قضية — من أوروبا إلى الهجرة والطاقة والإنفاق الدفاعي — إلى محور لتحالفات متغيرة ومؤقتة، بما يهدد بإنتاج حالة مزمنة من الشلل السياسي.
وفي قلب هذه التحولات يقف كير ستارمر أمام أزمة وجودية حقيقية. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتراجع شعبيته، بل بتفكك التحالف الانتخابي الذي أوصل حزب العمال إلى السلطة. فالحزب يخسر قاعدته التقليدية لصالح «ريفورم» في المناطق العمالية، ويخسر التقدميين الحضريين لصالح الخضر، ويتراجع أمام الأحزاب القومية في ويلز واسكوتلندا. وهذا لا يبدو غضباً انتخابياً عابراً، بل مؤشراً على إعادة تشكيل عميقة للخريطة السياسية البريطانية، قد تدفع البلاد نحو مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن النموذج السياسي الذي عرفته طوال القرن الماضي.
