بث تجريبي

الاتفاق الإيراني الأمريكي: اختبار جديد لإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط

تقارير وملفات - Foresight

تتجه الأنظار إلى منتجع بورغنشتوك الجبلي في وسط سويسرا، حيث من المقرر أن تشهد البلاد يوم الجمعة التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة تمثل أول إطار سياسي متكامل لوقف الحرب التي اندلعت بين الطرفين خلال الأشهر الماضية، وفتح الباب أمام مفاوضات جديدة حول البرنامج النووي الإيراني ومستقبل العقوبات الاقتصادية.

واختير منتجع بورغنشتوك المطل على بحيرة لوسيرن، والواقع في كانتون نيدفالدن، لاستضافة مراسم التوقيع نظراً لصعوبة الوصول إليه وسهولة تأمينه، وفق ما أعلنته السلطات السويسرية. ويأتي التوقيع الرسمي بعد أن أُنجزت إجراءات التوقيع الإلكتروني الأولي خلال الأيام الماضية، ضمن ترتيبات دبلوماسية شاركت فيها باكستان وقطر إلى جانب واشنطن وطهران.

وقف الحرب وإطلاق مرحلة انتقالية

بحسب التصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين وباكستانيين، تنص مذكرة التفاهم على وقف فوري وشامل للعمليات العسكرية، مع تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً تمهيداً للدخول في مفاوضات تفصيلية بشأن القضايا العالقة بين الطرفين.

وأكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق يهدف إلى إنهاء الحرب بصورة دائمة، فيما أوضحت طهران أن وقف الأعمال العسكرية لا يقتصر على المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بل يمتد ليشمل مختلف الجبهات المرتبطة بالصراع، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.

ومن المنتظر أن تنشر إيران النص الكامل لمذكرة التفاهم عقب التوقيع الرسمي، وفق ما أعلنه نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي.

مضيق هرمز يعود إلى الواجهة

يشكل ملف الملاحة في مضيق هرمز أحد أبرز البنود العملية في الاتفاق، حيث أكدت كل من واشنطن وطهران أن إعادة فتح المضيق ورفع القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية سيبدآن فور دخول المذكرة حيز التنفيذ.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن المضيق سيكون مفتوحاً بالكامل أمام حركة التجارة العالمية بحلول يوم الجمعة، بينما أفادت مصادر إيرانية بأن طهران ستتولى تنظيم الملاحة بالتنسيق مع سلطنة عمان.

كما تعهدت إيران بإزالة الألغام والعوائق البحرية التي خلفتها المواجهات الأخيرة، في حين تحدثت مصادر مطلعة عن انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران خلال ثلاثين يوماً من التوصل إلى الاتفاق النهائي.

ورغم هذه التفاهمات، تحذر شركات الشحن الدولية ومؤسسات الأمن البحري من أن عودة الملاحة إلى طبيعتها الكاملة قد تستغرق أسابيع، بسبب الحاجة إلى التحقق من خلو الممرات البحرية من الألغام والمخاطر الفنية المرتبطة بالحرب.

تجميد نووي مقابل مسار تفاوضي جديد

في الملف النووي، تتعهد إيران بعدم السعي إلى إنتاج أو امتلاك سلاح نووي، كما وافقت على تجميد أنشطتها النووية الحساسة طوال فترة المفاوضات المقبلة، بما يشمل عدم رفع مستويات تخصيب اليورانيوم وعدم توسيع المنشآت النووية القائمة.

وفي المقابل، وافقت الولايات المتحدة على مناقشة ملف اليورانيوم عالي التخصيب الموجود داخل إيران ضمن إطار الاتفاق النهائي المرتقب، وهو ما يمثل تحولاً مهماً مقارنة بالمواقف الأمريكية السابقة التي كانت تركز على إخراج هذه المواد من الأراضي الإيرانية.

وأقر مسؤولون أمريكيون بأن مذكرة التفاهم الحالية لا تتضمن تفاصيل تقنية دقيقة، بل تشكل إطاراً سياسياً عاماً يمهد للمفاوضات المقبلة. وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن الوثيقة الحالية لا تتجاوز صفحة ونصف الصفحة، واصفاً إياها بأنها "إطار أولي" أكثر من كونها اتفاقاً نهائياً.

أما الرئيس ترمب فقد أكد أن أي اتفاق دائم سيتضمن آليات رقابة وتفتيش صارمة على البرنامج النووي الإيراني لضمان عدم انحرافه نحو الأغراض العسكرية.

انفراج اقتصادي تدريجي

اقتصادياً، يمثل ملف العقوبات أحد أكثر الجوانب حساسية في الاتفاق. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الولايات المتحدة وافقت على الامتناع عن فرض عقوبات جديدة طوال فترة التفاوض، مع بحث آلية تدريجية لرفع العقوبات الأمريكية والدولية في إطار الاتفاق النهائي.

كما ستحصل إيران على إعفاءات فورية تسمح باستئناف صادرات النفط والخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك الخدمات المصرفية والتأمين والنقل البحري، وهو ما قد ينعكس سريعاً على الإيرادات الإيرانية وأسواق الطاقة العالمية.

في المقابل، لا يتضمن الاتفاق الإفراج الفوري عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، رغم حديث مسؤولين إيرانيين عن تفاهمات أولية للإفراج عن نحو 25 مليار دولار ضمن ترتيبات مالية مرحلية قد تُناقش في الجولات المقبلة.

وتشير تسريبات من مصادر أمريكية إلى أن المفاوضات اللاحقة قد تشمل بحث إنشاء صندوق لإعادة الإعمار والتنمية في إيران كجزء من مسار التطبيع الاقتصادي التدريجي.

لبنان ضمن معادلة التهدئة

يحظى لبنان بموقع بارز في التفاهم الجديد، إذ أكدت كل من باكستان وإيران أن الاتفاق يشمل وقف العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية.

وشدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن أي هجوم إسرائيلي على لبنان بعد دخول المذكرة حيز التنفيذ سيُعد انتهاكاً مباشراً للاتفاق، في حين أكد الرئيس الأمريكي ضرورة وقف المواجهات المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله باعتبارها أحد الشروط الأساسية لإنجاح مسار التهدئة.

في المقابل، تمسكت إسرائيل بموقفها القاضي بالإبقاء على وجودها العسكري في ما تصفه بـ"المناطق الأمنية" في لبنان وسوريا وقطاع غزة، وهو ما قد يشكل أحد الملفات الأكثر تعقيداً خلال المرحلة المقبلة.

مرحلة اختبار لا اتفاق نهائي

رغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن التفاهم، فإن معظم المؤشرات تدل على أن ما جرى التوصل إليه لا يمثل اتفاقاً نهائياً بقدر ما يشكل إطاراً مؤقتاً لإدارة الأزمة ومنع تجدد الحرب.

فالقضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستويات التخصيب النووي، ومستقبل مخزون اليورانيوم الإيراني، وآليات رفع العقوبات، والضمانات الأمنية الإقليمية، لا تزال مؤجلة إلى جولة مفاوضات جديدة تستمر ستين يوماً بعد التوقيع الرسمي.

وبذلك يدخل الطرفان مرحلة اختبار سياسي ودبلوماسي ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت مذكرة بورغنشتوك ستتحول إلى اتفاق تاريخي يعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية، أم أنها ستبقى مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم تُحسم أسبابه العميقة بعد.