هل قرّبت الحرب إيران من القنبلة النووية؟ تحذيرات إسرائيلية من نتائج المواجهة الأخيرة
على مدار أكثر من عقدين، شكّل البرنامج النووي الإيراني محوراً رئيسياً للصراع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. وقد تأسست الاستراتيجية الإسرائيلية طوال هذه الفترة على فرضية مركزية مفادها أن الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية والعمليات السرية والضربات العسكرية يمكن أن تمنع طهران من الوصول إلى العتبة النووية. غير أن التحذيرات التي أطلقها مؤخراً عدد من كبار العلماء والخبراء الأمنيين الإسرائيليين تشير إلى مفارقة استراتيجية لافتة؛ فالحرب التي كان يُفترض أن تؤخر المشروع النووي الإيراني ربما دفعت طهران إلى الاقتراب منه أكثر من أي وقت مضى.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة لأنها لا تصدر عن معارضين تقليديين للسياسات الإسرائيلية، بل عن شخصيات أمنية وعسكرية واستخباراتية تابعت الملف النووي الإيراني لعقود، وترى أن التطورات الأخيرة قد تكون قد غيرت الحسابات الإيرانية بصورة جوهرية.
أولاً: من سياسة المنع إلى معضلة التسريع
منذ مطلع الألفية الجديدة، اعتمدت إسرائيل على استراتيجية متعددة المستويات لإبطاء المشروع النووي الإيراني. شملت هذه الاستراتيجية العقوبات الدولية، والضغط الدبلوماسي، والاغتيالات التي استهدفت علماء نوويين، والهجمات السيبرانية، والعمليات الاستخباراتية التي استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية.
لكن المفارقة التي يطرحها التقرير الإسرائيلي تتمثل في أن كل هذه الجهود، رغم نجاحها في إبطاء بعض مراحل المشروع، لم تمنع إيران من الوصول إلى مرحلة متقدمة من التخصيب النووي.
فبحسب تقديرات الخبراء الإسرائيليين، تمتلك إيران اليوم مخزوناً كبيراً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهي نسبة تقترب تقنياً من مستوى الاستخدام العسكري. كما تمتلك آلاف أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي تمنحها القدرة على رفع مستوى التخصيب خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
ومن هنا، لم تعد المشكلة الأساسية مرتبطة بقدرة إيران على التخصيب، بل بالقرار السياسي المتعلق بتحويل هذا التقدم التقني إلى سلاح نووي فعلي.
ثانياً: كيف غيّرت الحرب الحسابات الإيرانية؟
تكمن النقطة الأكثر أهمية في التحليل الإسرائيلي في الاعتقاد بأن الحرب الأخيرة لم تؤثر فقط على القدرات الإيرانية، بل أعادت تشكيل الإدراك الاستراتيجي للقيادة في طهران.
ففي العلاقات الدولية، تميل الدول التي تشعر بتهديد وجودي إلى البحث عن وسائل ردع استثنائية تضمن بقاء النظام السياسي. وقد شهد التاريخ أمثلة عديدة على ذلك، أبرزها كوريا الشمالية التي رأت في امتلاك السلاح النووي الضمانة الوحيدة لحماية النظام من الضغوط الخارجية.
ومن هذا المنظور، يرى بعض الخبراء الإسرائيليين أن الجمع بين الضربات العسكرية المكثفة والخطاب المتكرر حول إسقاط النظام الإيراني ربما دفع صناع القرار في طهران إلى استنتاج مفاده أن امتلاك السلاح النووي لم يعد خياراً استراتيجياً قابلاً للنقاش، بل ضرورة أمنية ملحة.
فكلما ازداد الشعور الإيراني بأن بقاء النظام مهدد، تراجعت جاذبية سياسة "العتبة النووية" وارتفعت جاذبية خيار التسلح النووي الكامل.
ثالثاً: اغتيال خامنئي وتحول العقيدة النووية
يضيف التقرير بُعداً آخر بالغ الأهمية يتعلق باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
فعلى الرغم من أن خامنئي كان داعماً لتطوير القدرات النووية الإيرانية، فإن العديد من التقديرات الاستخباراتية الغربية كانت ترى أنه فضّل طوال سنوات الإبقاء على إيران في موقع الدولة القادرة على إنتاج السلاح النووي دون اتخاذ القرار النهائي بتصنيعه.
وكان هذا النهج يحقق لإيران عدة مكاسب؛ فهو يمنحها قدرة ردع ضمنية، ويجنبها في الوقت نفسه التداعيات السياسية والعسكرية التي قد تترتب على إعلان امتلاك السلاح النووي.
لكن غياب خامنئي قد يفتح المجال أمام نخب أمنية وعسكرية أكثر تشدداً وأقل تردداً في اتخاذ القرار النووي النهائي، خاصة إذا اقتنعت بأن البيئة الاستراتيجية الجديدة لم تعد تسمح بسياسة المراوحة السابقة.
وفي هذا السياق، فإن انتقال مركز الثقل داخل النظام الإيراني نحو الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية قد يعزز من احتمالات إعادة النظر في العقيدة النووية التقليدية للجمهورية الإسلامية.
رابعاً: مهلة الستين يوماً... فرصة للتسوية أم نافذة للتسلح؟
تشكل مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية محور الجدل الحالي.
فبينما تنظر إدارة ترامب إلى هذه المهلة باعتبارها فرصة للوصول إلى تسوية سياسية، يخشى بعض الخبراء الإسرائيليين أن تتحول إلى نافذة زمنية تسمح لطهران بتسريع أنشطة التخصيب والعمل بهدوء على الجوانب الفنية المرتبطة بتطوير السلاح النووي.
ويستند هذا القلق إلى فرضية مفادها أن المفاوضات يمكن أن توفر لإيران غطاءً سياسياً يخفف من احتمالات التصعيد العسكري خلال هذه الفترة.
وبالتالي، فإن نجاح الاتفاق أو فشله سيعتمد بدرجة كبيرة على مستوى الرقابة الدولية المفروضة وعلى قدرة الأطراف المختلفة على التحقق من الأنشطة النووية الإيرانية خلال فترة التفاوض.
خامساً: الانتصار السياسي أم الإخفاق الاستراتيجي؟
تكشف الانتقادات الموجهة إلى ترامب ونتنياهو عن وجود فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والتقييمات الأمنية.
ففي الوقت الذي يقدم فيه الزعيمان الاتفاق والحرب بوصفهما نجاحاً استراتيجياً، يرى عدد من الخبراء الإسرائيليين أن الحكم الحقيقي يجب أن يستند إلى سؤال واحد: هل أصبحت إيران أبعد عن القنبلة النووية أم أقرب إليها؟
وإذا كانت الحرب قد عززت القناعة داخل طهران بأن السلاح النووي يمثل الضمانة النهائية لبقاء النظام، فإن النتائج الاستراتيجية قد تكون معاكسة تماماً للأهداف التي أعلنتها إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي هذه الحالة، قد تجد واشنطن وتل أبيب نفسيهما أمام سيناريو مشابه لما حدث مع كوريا الشمالية، حيث فشلت سنوات طويلة من الضغوط والعقوبات في منع بيونغ يانغ من التحول إلى قوة نووية مكتملة.
أخيرا، تكشف التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة عن نقاش متصاعد داخل المؤسسات الأمنية بشأن النتائج الحقيقية للحرب على إيران. فبينما تؤكد الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية أن المواجهة الأخيرة أضعفت المشروع النووي الإيراني، يرى عدد من الخبراء أن الحرب ربما دفعت القيادة الإيرانية إلى تبني قناعة أكثر رسوخاً بأن امتلاك السلاح النووي يمثل الضمانة الأساسية لبقاء النظام.
ومن ثم فإن التحدي لم يعد مقتصراً على تدمير المنشآت أو تعطيل أجهزة الطرد المركزي، بل أصبح مرتبطاً بإدارة البيئة الاستراتيجية التي تحدد قرارات طهران. فالدول لا تسعى إلى امتلاك الأسلحة النووية بسبب قدراتها التقنية فحسب، بل لأنها تعتقد أن هذه الأسلحة توفر لها الأمن والبقاء. وإذا كانت الحرب قد عززت هذا الاعتقاد داخل إيران، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت طهران قادرة على إنتاج القنبلة، بل ما إذا كانت قد أصبحت أكثر اقتناعاً بالحاجة إليها.
