بث تجريبي

من سياسة التهديد بالإغلاق إلى استراتيجية الهيمنة على هرمز؟

تقدير موقف - بريندان مكديرموت
بريندان مكديرموت
محلل اقتصادي، متخصص في المالية العامة

لم يعد الجدل الدائر حول مضيق هرمز يقتصر على سؤال ما إذا كانت إيران ستغلق الممر المائي الأكثر أهمية في العالم، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمن يملك حق إدارة هذا الشريان الحيوي، ومن يحدد قواعد المرور فيه. فبعد التفاهمات التي أعقبت مفاوضات جنيف بين واشنطن وطهران، برزت مؤشرات توحي بأن الأزمة لم تنتهِ، وإنما دخلت مرحلة جديدة قد تكون أكثر تعقيداً، عنوانها انتقال إيران من استخدام ورقة الإغلاق والتهديد العسكري إلى محاولة تكريس دورها بوصفها الجهة التي تتحكم عملياً في حركة الملاحة داخل المضيق.

ورغم نفي الإدارة الأمريكية منح طهران أي صلاحيات استثنائية، وتأكيدها أن الاتفاق لا يتضمن فرض رسوم على السفن أو منح إيران حق التحكم بالملاحة، فإن طبيعة الترتيبات التي بدأت تظهر على الأرض تثير تساؤلات جوهرية حول حدود النفوذ الإيراني في المضيق، وما إذا كانت واشنطن قدمت تنازلات تتجاوز الملف النووي إلى إعادة صياغة معادلات الأمن البحري في الخليج.

من سياسة الإغلاق إلى سياسة الإدارة

على مدى عقود، استخدمت إيران التهديد بإغلاق مضيق هرمز باعتباره أحد أهم أدوات الردع في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الاقتصادية. إلا أن هذا الخيار ظل محفوفاً بالمخاطر، لأن تنفيذه كان سيعني مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة والقوى البحرية الدولية، فضلاً عن إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الإيراني نفسه.

لكن المشهد الحالي يوحي بأن طهران ربما وجدت بديلاً أكثر فاعلية وأقل تكلفة من الإغلاق الكامل، يتمثل في التحول من تعطيل الملاحة إلى إدارتها. فبدلاً من منع السفن من العبور بصورة شاملة، يمكن لإيران أن تمارس نفوذاً انتقائياً عبر إجراءات التفتيش أو طلب البيانات أو تأخير بعض السفن أو منح الأولوية لأخرى، بما يمنحها قدرة سياسية على التأثير في حركة التجارة العالمية دون الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة.

وهذا التحول، إن صح، يمثل نقلة استراتيجية؛ لأن السيطرة على قواعد المرور قد تكون أكثر تأثيراً من إغلاق المضيق نفسه، إذ تسمح لإيران باستخدام المضيق كورقة ضغط دائمة، بدلاً من كونه أداة استثنائية لا تُستخدم إلا في أوقات الحرب.

الهيمنة السياسية أخطر من الابتزاز المالي

تركز كثير من النقاشات على مسألة فرض رسوم عبور على السفن، غير أن هذه القضية تبدو ثانوية مقارنة بالبعد السياسي للاتفاق.

فحتى لو لم تحصل إيران على أي عائد مالي من السفن العابرة، فإن مجرد امتلاكها سلطة الاستفسار عن وجهة السفن، أو مطالبتها بالحصول على معلومات مسبقة، أو منحها حق الموافقة على المرور، يعني عملياً انتقال جزء من سلطة إدارة المضيق إليها.

وفي هذه الحالة، تصبح إيران قادرة على توظيف المضيق لتحقيق أهداف سياسية، سواء عبر الضغط على دول الخليج في أوقات الأزمات، أو تعطيل صادرات النفط لدولة معينة، أو إبطاء حركة الشحن نحو أسواق بعينها، أو استخدام الملاحة كورقة تفاوضية في ملفات أخرى.

وبذلك تتحول السيطرة البحرية إلى أداة للنفوذ الجيوسياسي، تتجاوز بكثير أي مكاسب اقتصادية مباشرة.

الخليج أمام معادلة أمنية جديدة

إذا استطاعت إيران تكريس دورها بوصفها الطرف الذي يحدد قواعد المرور في مضيق هرمز، فإن ذلك سيعيد تشكيل البيئة الأمنية في الخليج بأكملها.

فدول مجلس التعاون الخليجي تعتمد بصورة شبه كاملة على حرية الملاحة لتصدير النفط والغاز، بينما يعتمد الاقتصاد العالمي على استمرار تدفق هذه الإمدادات دون انقطاع. ومن ثم، فإن أي تغيير في ميزان السيطرة على المضيق لن تكون آثاره محصورة بين إيران والولايات المتحدة، وإنما ستمتد إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

ولهذا السبب، بدأت بعض الدول الخليجية في البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على المضيق، سواء عبر خطوط الأنابيب أو الموانئ المطلة على بحر العرب أو المشاريع اللوجستية الجديدة.

كما يندرج الإعلان العُماني عن ممر بحري موازٍ ضمن محاولات تنويع خيارات الملاحة وتقليل مخاطر الاعتماد على ممر واحد، وإن كانت جدوى هذه المبادرات ستظل مرتبطة بوجود ضمانات أمنية دولية تحميها من الضغوط الإقليمية.

لماذا استعجلت واشنطن الاتفاق؟

يثير الاتفاق تساؤلات واسعة بشأن الدوافع الحقيقية التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى الإسراع في التوصل إلى تفاهم مع طهران، رغم أن الأخيرة كانت قد تعرضت لضغوط عسكرية واقتصادية غير مسبوقة.

فالقراءة العسكرية وحدها لا تفسر هذا التحول، إذ تشير مؤشرات عديدة إلى أن العامل الاقتصادي لعب الدور الحاسم في إعادة صياغة الموقف الأمريكي.

فأي اضطراب طويل في مضيق هرمز كان سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة معدلات التضخم، وارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وهي عوامل تمثل تحدياً مباشراً للإدارة الأمريكية، خصوصاً في ظل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

كما أن تراجع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى مستويات منخفضة نسبياً قلّص هامش المناورة لدى واشنطن، وجعل استمرار الأزمة خياراً أكثر كلفة من البحث عن تسوية سياسية، حتى وإن تضمنت تنازلات في ملفات غير نووية.

ومن هذا المنطلق، بدا أن الإدارة الأمريكية فضّلت احتواء الأزمة سريعاً لتجنب تداعيات اقتصادية قد تنعكس على الداخل الأمريكي بقدر انعكاسها على الشرق الأوسط.

مكاسب إيرانية تتجاوز الملف النووي

تشير القراءة السياسية للتفاهمات الأخيرة إلى أن طهران لم تركز فقط على ضمانات تتعلق ببرنامجها النووي، وإنما سعت أيضاً إلى توظيف المفاوضات لتحقيق مكاسب استراتيجية أوسع.

فإلى جانب تخفيف الضغوط الاقتصادية وإمكانية الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة، تسعى إيران إلى انتزاع اعتراف غير مباشر بدورها الإقليمي، وإعادة تثبيت موقعها لاعباً رئيسياً في أمن الخليج.

ويبدو أن هذا الهدف يفسر الثقة المتزايدة التي أظهرتها القيادة الإيرانية عقب الاتفاق، إذ اتسم خطابها السياسي بدرجة أعلى من الحزم، دون أن يقابله تقديم تنازلات ملموسة في القضايا الإقليمية أو الأمنية.

بل إن السماح بإعادة فتح المضيق، وفق بعض الروايات، ارتبط بإجراءات تمنح إيران دوراً رقابياً على السفن العابرة، وهو ما ترى فيه طهران تثبيتاً لواقع جديد، بينما تعتبره واشنطن مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.

هل تغيرت معادلات الردع؟

تكشف الأزمة الأخيرة عن تحول مهم في مفهوم الردع بين الولايات المتحدة وإيران.

ففي السابق، كان الردع يقوم على التهديد باستخدام القوة العسكرية لمنع إغلاق المضيق، أما اليوم فيبدو أن التنافس انتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً، يتعلق بمن يضع القواعد المنظمة لحركة الملاحة، ومن يمتلك حق تفسيرها وتطبيقها.

وهذا التحول يعكس إدراكاً إيرانياً بأن النفوذ لا يتحقق فقط عبر امتلاك الصواريخ أو الزوارق السريعة، وإنما أيضاً عبر فرض قواعد سلوك جديدة تجعل بقية الأطراف مضطرة للتعامل معها باعتبارها جزءاً من النظام الأمني في الخليج.

وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على توازن دقيق بين منع التصعيد العسكري والحفاظ على حرية الملاحة، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تكون تكلفتها الاقتصادية والسياسية مرتفعة.

مستقبل المضيق... بين التهدئة والهيمنة

يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت الترتيبات الجديدة ستقود إلى استقرار دائم، أم أنها ستفتح الباب أمام شكل جديد من الصراع منخفض الحدة.

فإذا تمكنت إيران من تكريس دورها في إدارة حركة الملاحة دون اعتراض دولي فعّال، فإنها ستكون قد حققت أحد أهم أهدافها الاستراتيجية منذ عقود، وهو الانتقال من دولة تهدد بإغلاق المضيق إلى دولة تتحكم في قواعد تشغيله.

أما إذا نجحت الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون في وضع آليات رقابة وضمانات دولية تمنع أي استخدام سياسي للممر البحري، فقد يتحول الاتفاق إلى وسيلة لخفض التوتر دون الإخلال بمبدأ حرية الملاحة.

وفي جميع الأحوال، فإن مستقبل مضيق هرمز لم يعد مرتبطاً بإمكانية إغلاقه أو فتحه فحسب، بل أصبح مرتبطاً بالسؤال الأكثر أهمية: من يملك سلطة القرار في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، شكل التوازنات الأمنية والاقتصادية في الخليج خلال السنوات المقبلة، وربما تعيد رسم ملامح النظام الإقليمي بأسره.