بث تجريبي

الساحل الإفريقي بين العسكرة وشخصنة السلطة: هل تتحول الانقلابات إلى أنظمة حكم دائمة؟

تقارير وملفات - Foresight

تشهد منطقة الساحل الإفريقي خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية وأمنية عميقة، لم تعد تقتصر على ظاهرة الانقلابات العسكرية التقليدية، بل باتت تعكس نشوء نمط جديد من الحكم يقوم على تركيز السلطة حول القادة العسكريين وتحويل الأنظمة الانتقالية إلى أنظمة شخصية طويلة الأمد. ففي كل من Mali وBurkina Faso وNiger، لم تعد المجالس العسكرية الحاكمة تقدم نفسها بوصفها سلطات انتقالية مؤقتة تهدف إلى استعادة الاستقرار ثم إعادة السلطة للمدنيين، بل بدأت تدريجياً في إعادة تشكيل الدولة بما يضمن بقاء السلطة مركزة بيد الزعيم العسكري نفسه.

ويكشف قرار رئيس المجلس العسكري في مالي، الجنرال Assimi Goïta، تولي حقيبة الدفاع بنفسه بعد مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، حجم هذا التحول. فعلى السطح، يبدو القرار إجراءً اضطرارياً فرضته الظروف الأمنية المتدهورة والهجمات التي شنتها جماعات مسلحة في شمال البلاد. لكن في العمق، يعكس هذا القرار مساراً متصاعداً نحو شخصنة السلطة وتركيز أدوات القوة العسكرية والأمنية والمالية في يد رئيس النظام.

من “المرحلة الانتقالية” إلى إعادة هندسة السلطة

عندما أطاح العسكريون بالرئيس المالي السابق إبراهيم بوبكر كيتا عام 2020، قدموا أنفسهم باعتبارهم “منقذين مؤقتين” هدفهم إعادة الاستقرار ومحاربة الإرهاب ثم تنظيم انتخابات خلال فترة زمنية محدودة. غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن السلطة العسكرية لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل مشروعاً لإعادة تشكيل النظام السياسي بالكامل.

فقد جرى تعديل الدستور بما يسمح لغويتا بالترشح مستقبلاً للرئاسة، وحُلّت هيئات الرقابة المدنية، ومُنعت الأحزاب السياسية، كما تم توسيع نفوذ المؤسسة العسكرية داخل أجهزة الدولة والإدارة المدنية. والأهم من ذلك، إعادة هيكلة القوات المسلحة وفق ما يعرف في العلوم السياسية بسياسات “منع الانقلاب”، أي إنشاء وحدات عسكرية وأمنية موازية ومتعددة الولاءات بهدف منع تركز القوة بيد مؤسسة عسكرية واحدة قد تشكل تهديداً للحاكم نفسه.

وفي هذا السياق، لم يعد الجيش مجرد أداة لحماية الدولة، بل أصبح أداة لحماية النظام الحاكم من خصومه داخل المؤسسة العسكرية وخارجها.

الساحل الإفريقي وصعود “الزعيم العسكري”

ما يحدث في مالي لا يبدو حالة منفردة، بل جزءاً من نمط إقليمي أوسع. ففي بوركينا فاسو، نجح الكابتن Ibrahim Traoré منذ استيلائه على السلطة عام 2022 في بناء صورة “القائد الثوري” المستلهم من إرث الزعيم التاريخي توماس سانكارا. وقد ساعدت الحملات الإعلامية المكثفة والخطاب القومي المعادي للاستعمار على تقديم تراوري باعتباره “منقذ الأمة”، في وقت جرى فيه تأجيل الانتخابات والدعوة عملياً إلى تجاوز فكرة الديمقراطية لصالح “الاستقرار الثوري”.

أما في النيجر، فقد اتخذ الجنرال Abdourahamane Tiani مساراً مشابهاً، حيث عزز سلطته بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، وقام بحل الأحزاب السياسية، ومدد المرحلة الانتقالية حتى عام 2030 على الأقل، مع تحويل الإدارة المدنية تدريجياً إلى بنية ذات طابع عسكري.

وهكذا، لم تعد الانقلابات العسكرية في الساحل مجرد استجابات مؤقتة للأزمات الأمنية، بل بدأت تتحول إلى أنظمة حكم شخصية تعتمد على الولاء للقائد أكثر من اعتمادها على المؤسسات.

الأمن والإرهاب… ذريعة أم واقع؟

لا يمكن إنكار أن دول الساحل تواجه بالفعل تهديدات أمنية خطيرة، مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة و“داعش”، وتراجع قدرة الحكومات المدنية السابقة على احتواء العنف. وقد استخدمت المجالس العسكرية هذا الواقع لتبرير استيلائها على السلطة بوصفها “الخيار الوحيد” لاستعادة الأمن.

لكن المفارقة أن الأوضاع الأمنية لم تشهد تحسناً جذرياً رغم سنوات من الحكم العسكري. ففي مالي، لا تزال الجماعات المسلحة تنفذ هجمات واسعة النطاق، بينما تتوسع دوائر العنف في بوركينا فاسو والنيجر.

وهذا يثير سؤالاً جوهرياً: هل تحولت الحرب على الإرهاب إلى مبرر دائم لإطالة الحكم العسكري وتعليق المسار الديمقراطي؟

روسيا والفراغ الغربي في الساحل

يتزامن هذا التحول أيضاً مع تراجع النفوذ الفرنسي والغربي في المنطقة، وصعود الحضور الروسي عبر مجموعات أمنية وشراكات عسكرية جديدة. ففي مالي، حل “الفيلق الإفريقي” المدعوم روسياً محل القوات الفرنسية في بعض العمليات العسكرية، بينما تعتمد الأنظمة العسكرية الجديدة على الخطاب السيادي المعادي للاستعمار لتعزيز شرعيتها الشعبية.

غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة استقلالاً استراتيجياً كاملاً، بقدر ما يعكس إعادة تموضع جيوسياسي تبحث فيه الأنظمة العسكرية عن داعمين جدد أقل اهتماماً بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

مخاطر شخصنة الحكم العسكري

يحذر علماء السياسة منذ عقود من مخاطر الأنظمة الشخصية، لأنها غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات، وتهميش الكفاءات، وربط الولاء السياسي بالمصالح الشخصية بدلاً من الكفاءة المؤسسية.

وفي السياق العسكري تحديداً، تصبح الجيوش أقل اهتماماً بالكفاءة القتالية وأكثر انشغالاً بحماية الحاكم من الانقلابات الداخلية. ومع الوقت، يؤدي ذلك إلى تفكيك الثقة داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وظهور أجهزة أمنية موازية، وتعميق الصراعات بين مراكز القوة.

والأخطر من ذلك، أن شخصنة السلطة تجعل استقرار الدولة مرتبطاً بشخص واحد، ما يزيد احتمالات الانفجار السياسي أو الفوضى عند أي انتقال مفاجئ للسلطة.

هل يدخل الساحل مرحلة “الجمهوريات العسكرية”؟

تكشف التجارب الجارية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر أن منطقة الساحل قد تكون بصدد الدخول في مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ“الجمهوريات العسكرية”، حيث تمتزج شرعية الحرب على الإرهاب بالخطاب القومي والسيادي لتبرير استمرار الحكم العسكري لفترات طويلة.

لكن هذا النموذج يواجه تناقضاً عميقاً: فهو يقدم نفسه باعتباره مشروعاً لاستعادة الدولة، بينما يؤدي عملياً إلى إضعاف المؤسسات المدنية وتركيز السلطة بيد نخبة عسكرية ضيقة.

وفي ظل استمرار الأزمات الاقتصادية، وتوسع العنف، وضعف التنمية، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الأنظمة قادرة فعلاً على تحقيق الاستقرار الذي وعدت به، أم أنها تؤسس فقط لدورات جديدة من السلطوية وعدم الاستقرار في منطقة تُعد أصلاً واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.