بث تجريبي

موسكو وبكين: تحالف الطاقة في زمن التحولات الكبرى

تقارير وملفات - Foresight

في لحظة دولية شديدة الاضطراب، يصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين حاملاً أكثر من مجرد ملفات اقتصادية أو تفاهمات ثنائية عابرة. فالزيارة، التي تُعد الخامسة والعشرين لبوتين إلى الصين، تعكس بوضوح أن العلاقات الروسية – الصينية تجاوزت منذ سنوات حدود الشراكة التقليدية، لتتحول تدريجياً إلى صيغة أقرب إلى “التحالف الاستراتيجي الضروري” الذي فرضته التحولات الجيوسياسية الكبرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، والصدام الأميركي – الصيني، واضطراب أسواق الطاقة العالمية.

اللافت أن هذه القمة تأتي مباشرة بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، بما يمنحها بعداً رمزياً يتجاوز الاقتصاد والطاقة. فبكين تبدو اليوم وكأنها تتحول إلى مركز التوازن الدولي الجديد، حيث تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى، فيما تسعى كل من واشنطن وموسكو إلى إعادة صياغة علاقتها معها وفق معادلات النظام الدولي المتغير.

لكن خلف البروتوكول السياسي والرسائل الدبلوماسية، يبرز ملف الطاقة بوصفه القلب الحقيقي لهذه الزيارة. فمشروع خط الغاز العملاق «قوة سيبيريا 2» لم يعد مجرد مشروع اقتصادي مؤجل، بل أصبح بالنسبة إلى الكرملين مسألة استراتيجية تمس مستقبل الاقتصاد الروسي ذاته. فمنذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، خسرت موسكو تدريجياً أهم أسواقها الأوروبية، واضطرت إلى إعادة توجيه صادراتها شرقاً نحو آسيا، وعلى رأسها الصين.

هذا التحول لم يكن خياراً روسياً خالصاً، بل نتيجة مباشرة للعقوبات الغربية ومحاولات أوروبا فك الارتباط الطاقوي مع روسيا. ولذلك فإن خط «قوة سيبيريا 2»، بسعته البالغة خمسين مليار متر مكعب سنوياً، يمثل بالنسبة لموسكو محاولة لإعادة بناء شريان اقتصادي بديل يعوض جزئياً الانهيار الذي أصاب صادرات الغاز الروسية إلى أوروبا. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الروسي على إنجاز الاتفاق، حتى لو اضطرت موسكو إلى تقديم تنازلات سعرية لبكين.

في المقابل، تبدو الصين أكثر براغماتية وحذراً. فرغم حاجتها المتزايدة للطاقة، تدرك بكين أن التحول الكامل نحو الاعتماد على روسيا يحمل مخاطر استراتيجية طويلة المدى، تماماً كما كانت أوروبا تخشى سابقاً من الاعتماد المفرط على الغاز الروسي. ولهذا تسعى القيادة الصينية إلى استثمار الظرف الروسي الصعب للحصول على أسعار منخفضة وشروط تفضيلية، مستفيدة من حقيقة أن موسكو أصبحت في موقع الطرف الأكثر حاجة إلى الصفقة.

غير أن العامل الأكثر حسماً في تسريع التقارب بين البلدين لا يرتبط بأوروبا، بل بالشرق الأوسط. فالحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وما نتج عنها من اضطراب في الملاحة وإغلاق مضيق هرمز، أعادت إلى الواجهة واحدة من أخطر الحقائق الجيوسياسية في العالم المعاصر: أمن الطاقة الصيني ما يزال هشاً إلى حد بعيد.

تعتمد الصين تاريخياً على الشرق الأوسط لتأمين جزء أساسي من احتياجاتها النفطية والغازية، ويمر جزء كبير من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز. ولذلك فإن أي اضطراب عسكري في المنطقة يتحول فوراً إلى تهديد مباشر للاقتصاد الصيني. وقد انعكست هذه الأزمة بالفعل في صورة نقص بالوقود وارتفاع في معدلات التضخم وتباطؤ اقتصادي ملحوظ، ما دفع بكين إلى إعادة التفكير في مفهوم “الأمن الطاقوي” من زاوية أكثر استراتيجية.

ومن هنا تكتسب روسيا أهميتها المتزايدة بالنسبة للصين، ليس فقط كمورد للطاقة، بل كشريك جغرافي آمن نسبياً بعيد عن الاختناقات البحرية التي يمكن للولايات المتحدة وحلفائها التأثير عليها. فخطوط الأنابيب البرية القادمة من سيبيريا تمنح الصين ميزة استراتيجية لا توفرها طرق التجارة البحرية التقليدية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن شراكة “بلا حدود” بين موسكو وبكين يظل مبالغاً فيه إلى حد ما. فالعلاقة بين الطرفين تقوم على توازن دقيق بين التعاون والمصلحة والحذر المتبادل. الصين تدعم روسيا سياسياً في مواجهة الضغوط الغربية، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في الانجرار الكامل إلى مواجهة مباشرة مع الغرب بسبب موسكو. كما أن بكين تدرك أن روسيا، رغم قوتها العسكرية، أصبحت أضعف اقتصادياً وأكثر اعتماداً على السوق الصينية، وهو ما يغير تدريجياً طبيعة العلاقة بين الطرفين لصالح الصين.

وفي هذا السياق، تبدو الزيارة أيضاً محاولة لتكريس نوع من التنسيق السياسي والدبلوماسي في مواجهة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. فحديث الكرملين عن “تطابق” المواقف الخارجية الروسية والصينية يكشف عن سعي متزايد لبناء محور دولي قادر على تحدي الهيمنة الغربية، أو على الأقل فرض توازن جديد داخل النظام العالمي.

لكن المفارقة أن هذا التقارب لا ينطلق من وحدة أيديولوجية كما كان الحال خلال الحرب الباردة، بل من تقاطع المصالح والضغوط. فروسيا تحتاج إلى الصين اقتصادياً، والصين تحتاج إلى روسيا استراتيجياً وطاقوياً، وكلتاهما ترى في السياسات الغربية تهديداً طويل المدى لنفوذهما العالمي.

لهذا، فإن القمة الحالية ليست مجرد لقاء ثنائي حول الغاز والطاقة، بل تعبير عن مرحلة دولية جديدة تتشكل فيها خرائط النفوذ والتحالفات من جديد. عالم يتراجع فيه اليقين القديم، وتتصاعد فيه أهمية الجغرافيا والطاقة والممرات الاستراتيجية، بينما تتحول العلاقات الدولية تدريجياً من منطق الشراكات المؤقتة إلى منطق الكتل الكبرى والمصالح الوجودية.

وفي قلب هذا التحول، تبدو بكين وموسكو وكأنهما تحاولان بناء معادلة جديدة للعالم؛ معادلة لا تقوم فقط على التجارة والاقتصاد، بل على إعادة توزيع القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.