بث تجريبي

منطق الاحتواء وحدود القوة: قراءة في مآلات المواجهة بين إيران وإسرائيل

تقدير موقف - Foresight

تكشف التطورات الأخيرة المرتبطة بالمواجهة بين Iran وIsrael، وما رافقها من حديث عن تفاهمات غير معلنة أو «مذكرة تفاهم» لاحتواء التصعيد، عن تحوّل مهم في طبيعة الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط. فالمشهد لم يعد يتعلق فقط بحرب تقليدية أو مواجهة عسكرية محدودة، بل بصراع مركب تتداخل فيه اعتبارات الردع، وإدارة التوازنات الدولية، وأمن الطاقة العالمي، ومستقبل النفوذ الإقليمي لكل الأطراف المنخرطة فيه.

ورغم الخطابات التصعيدية التي صاحبت الحرب، فإن المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن جميع الأطراف وصلت إلى قناعة مشتركة مفادها أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة تتجاوز قدرة الجميع على التحمل، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل نفسها.

حدود القوة الأميركية والإسرائيلية

منذ بداية التصعيد، بدا واضحاً أن إدارة Donald Trump كانت تراهن على إمكانية فرض معادلة ردع جديدة عبر توجيه ضربات قاسية لإيران وشبكاتها الإقليمية. وربما تصورت واشنطن أن الضغط العسكري والاقتصادي المتزامن قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات استراتيجية، أو حتى يفتح الباب أمام تصدعات داخلية في بنية النظام الإيراني.

غير أن مجريات المواجهة أظهرت حدود هذه المقاربة. فرغم الخسائر التي تعرضت لها إيران، فإن النظام لم يُظهر مؤشرات انهيار، بل تعامل مع التصعيد باعتباره سيناريو متوقعاً أُعدّ له مسبقاً عبر تطوير بنية واسعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنشآت المحصنة تحت الأرض.

الأهم من ذلك أن طهران نجحت في نقل المعركة من بعدها العسكري المباشر إلى بعدها الاقتصادي العالمي، عبر التلويح بإغلاق Strait of Hormuz وتهديد أمن الطاقة الدولي، وهو ما جعل استقرار الأسواق العالمية أولوية تتقدم أحياناً على الأهداف العسكرية والسياسية للحرب نفسها.

وفي المقابل، واجهت إسرائيل معضلة مختلفة. فرئيس الوزراء Benjamin Netanyahu كان يسعى إلى استكمال مشروعه القائم على إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية عبر إضعاف إيران وأذرعها بصورة حاسمة. إلا أن غياب الحسم الكامل جعل نتائج الحرب أقل من التوقعات الإسرائيلية، خصوصاً مع بقاء النظام الإيراني واستمرار جزء معتبر من القدرات الإقليمية المرتبطة به.

إيران بين منطق الثورة ومنطق الدولة

تطرح المواجهة الحالية سؤالاً استراتيجياً بالغ الأهمية داخل إيران نفسها: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية الاستمرار في الجمع بين مشروعها الثوري العابر للحدود ومتطلبات الدولة الوطنية الحديثة؟

فعلى مدار عقود، بُنيت الاستراتيجية الإيرانية على فكرة توسيع النفوذ الإقليمي عبر دعم الحلفاء المحليين وتطوير أدوات الردع غير التقليدية، باعتبار ذلك ضرورة لحماية النظام ومنع عزله. لكن الحرب الأخيرة أظهرت أيضاً أن هذا النهج يحمل كلفة متزايدة على الاقتصاد الإيراني وعلى صورة إيران الإقليمية والدولية.

كما أن استخدام خطاب المواجهة المفتوحة مع الغرب وإسرائيل لم يعد يحقق بالضرورة المكاسب السياسية ذاتها التي حققها في مراحل سابقة، خصوصاً في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية الداخلية وتنامي تطلعات قطاعات واسعة من الإيرانيين نحو الاستقرار والتنمية والانفتاح الاقتصادي.

ومن هنا، فإن أحد أهم الأسئلة المطروحة اليوم داخل دوائر صنع القرار الإيرانية يتعلق بإمكانية الانتقال التدريجي من «منطق الثورة» إلى «منطق الدولة»، أي من سياسة التوسع الأيديولوجي والصراع المفتوح إلى سياسة أكثر براغماتية تقوم على التعايش الإقليمي واحترام قواعد النظام الدولي.

البعد الدولي وصعود منطق الوساطات الإقليمية

أحد أبرز التحولات التي كشفتها الأزمة يتمثل في تنامي دور القوى الإقليمية الوسيطة، وفي مقدمتها Pakistan، التي برز قائد جيشها Asim Munir بوصفه أحد أبرز الوجوه التي ساهمت في تهيئة الظروف السياسية لخفض التصعيد.

ويعكس هذا الدور تحوّلاً أوسع في طبيعة إدارة الأزمات الدولية، حيث لم تعد القوى الكبرى وحدها قادرة على فرض التسويات، بل باتت الحاجة أكبر إلى وسطاء إقليميين يمتلكون علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف المتصارعة.

وقد استفادت باكستان في هذا السياق من قدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مع واشنطن وبكين والرياض وطهران في الوقت نفسه، بما منحها هامش حركة دبلوماسياً مهماً في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

نحو «احتواء متبادل» بدلاً من الحسم

تشير المعطيات الحالية إلى أن المنطقة تتجه نحو نموذج من «الاحتواء المتبادل» أكثر من اتجاهها نحو تسوية نهائية شاملة. فلا الولايات المتحدة قادرة على خوض حرب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط، ولا إيران قادرة على تحمل استنزاف مفتوح اقتصادياً وعسكرياً، كما أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن إعادة تشكيل الإقليم بالقوة وحدها تبقى عملية شديدة التعقيد.

وعليه، فإن أي تفاهمات قادمة ستقوم غالباً على إدارة الصراع وضبط إيقاعه، لا على إنهائه بصورة نهائية. وهو ما يعني أن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة من التهدئة الهشة، التي تخفف احتمالات الانفجار الكبير، لكنها لا تعالج الجذور البنيوية للصراع.

في النهاية، لا يبدو أن أحداً خرج من هذه المواجهة بانتصار حاسم. الجميع تجنب الخسارة الكاملة، لكن الجميع أيضاً اكتشف حدود قوته وحدود قدرته على فرض إرادته بصورة مطلقة.