انشقاقات الدعم السريع... هل تدخل الحرب السودانية مرحلة التحول الحاسم؟
تشهد الحرب السودانية تطوراً نوعياً قد يعيد رسم موازين القوى بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعدما تحولت الانشقاقات داخل الأخيرة من حالات فردية معزولة إلى ظاهرة تطال قادة ميدانيين من الصف الأول، يحملون معهم قوات مدربة ومعدات عسكرية وخبرة قتالية تراكمت على مدار سنوات. وفي وقت لا تزال فيه المعارك مستعرة على أكثر من جبهة، تبدو هذه الانشقاقات مؤشراً على أزمة بنيوية داخل قوات الدعم السريع، قد تكون أكثر تأثيراً من الخسائر الميدانية المباشرة.
ورغم أن الحرب لا تزال بعيدة عن نهايتها، فإن التطورات الأخيرة تكشف عن تحولات داخلية قد تُضعف قدرة الدعم السريع على الحفاظ على تماسكه العملياتي، خصوصاً إذا ترافقت مع استمرار الضغوط العسكرية التي يمارسها الجيش السوداني، والتباينات القبلية والسياسية داخل التحالفات التي بنت عليها القوات نفوذها خلال العامين الماضيين.
انشقاقات تضرب قلب القيادة العسكرية
شكّل انشقاق اللواء الركن النور أحمد آدم، المعروف بـ"القبة"، نقطة تحول لافتة في مسار الحرب، ليس فقط بسبب رتبته العسكرية، بل أيضاً لأنه انتقل إلى صفوف الجيش السوداني مصطحباً أكثر من 130 آلية قتالية، وعدداً كبيراً من المقاتلين الموالين له، إضافة إلى معلومات استخباراتية دقيقة حول انتشار قوات الدعم السريع وخططها التكتيكية.
ولم يمض سوى أسابيع حتى تبعه العميد علي رزق الله، الشهير بـ"الصفنة"، والذي كان أحد أبرز القادة الميدانيين في معارك كردفان والفاشر، ما عزز الانطباع بأن الأزمة داخل الدعم السريع لم تعد تقتصر على الخلافات الشخصية، وإنما بدأت تمس البنية القيادية للقوة نفسها.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن القادة المنشقين لا يمثلون مجرد شخصيات سياسية أو رمزية، بل يشكلون جزءاً من النواة العسكرية التي أسهمت في بناء القدرات القتالية للدعم السريع منذ تأسيسه، وهو ما يعني أن خسارتهم تنعكس مباشرة على الكفاءة العملياتية للقوات.
من الخسائر الميدانية إلى فقدان الكفاءة القتالية
تتجاوز آثار الانشقاقات مجرد فقدان عدد من المقاتلين أو الآليات العسكرية، إذ تشير التقديرات إلى أن كثيراً من المنشقين اصطحبوا وحدات مدربة تدريباً احترافياً، كانت تمثل العمود الفقري للهجمات البرية التي نفذتها قوات الدعم السريع خلال العامين الماضيين.
ويعني ذلك أن الجيش السوداني لا يكتسب فقط مزيداً من القوة البشرية، وإنما يحرم خصمه من أكثر عناصره خبرة، وهو ما يفسر تصاعد العمليات الهجومية للجيش خلال الأسابيع الأخيرة، وإعلانه تدمير عشرات الآليات العسكرية ومستودعات الذخيرة والوقود والطائرات المسيّرة التابعة للدعم السريع.
وتكشف هذه التطورات عن معادلة عسكرية مهمة؛ فالحروب الأهلية لا تُحسم دائماً بتفوق العدد، وإنما بقدرة كل طرف على الاحتفاظ بقياداته المحترفة ووحداته الأكثر انضباطاً، وهي ميزة يبدو أن الدعم السريع بدأ يفقدها تدريجياً.
جذور الأزمة... القبيلة والمصالح قبل الأيديولوجيا
لا يمكن فهم موجة الانشقاقات الأخيرة بمعزل عن البنية الاجتماعية التي تقوم عليها قوات الدعم السريع، والتي اعتمدت منذ نشأتها على تحالفات قبلية أكثر من اعتمادها على مؤسسة عسكرية تقليدية.
ويلاحظ أن معظم القادة المنشقين ينتمون إلى قبيلة المحاميد، وهي إحدى أبرز المكونات القبلية داخل الدعم السريع، ما يشير إلى أن الأزمة تجاوزت الخلافات العسكرية لتصل إلى صراعات النفوذ داخل القيادة نفسها.
وتشير معطيات عديدة إلى أن الهجوم الذي استهدف منطقة "مستراحة" الرعوية في شمال دارفور مطلع العام شكّل نقطة فاصلة، بعدما اعتبر عدد من قادة المحاميد أن العملية استهدفت نفوذهم الاجتماعي بصورة مباشرة، لتتراكم بعدها شكاوى تتعلق بتراجع الخدمات الطبية، وتأخر الرواتب، واتهامات بتفضيل قيادات قبلية منافسة في المناصب الحساسة.
كما أثار تعيين والٍ جديد لشمال دارفور بدلاً من اللواء "القبة" استياءً واسعاً داخل بعض الأوساط القيادية، الأمر الذي سرّع قرار انشقاقه، رغم كونه أحد المؤسسين الأوائل للدعم السريع.
تحالفات تتآكل من الداخل
ولا تقتصر مؤشرات التفكك على القيادات العربية داخل الدعم السريع، إذ تظهر أيضاً تصدعات متزايدة في علاقته بالحركات المسلحة غير العربية التي انضمت إليه ضمن ما يعرف بتحالف "السودان التأسيسي".
فالتقارير الميدانية تشير إلى تصاعد الخلافات المسلحة بين مكونات هذا التحالف في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان منذ أواخر عام 2025، الأمر الذي يهدد إحدى أهم الركائز التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع لتوسيع نفوذها خارج إقليم دارفور.
ويمثل هذا التطور تحدياً مزدوجاً، إذ يفقد الدعم السريع عمقه السياسي والعسكري في مناطق استراتيجية، ويحد من قدرته على فتح جبهات جديدة ضد الجيش السوداني.
الجيش يستثمر اللحظة
في المقابل، يبدو أن الجيش السوداني يدرك قيمة هذه الانشقاقات، ليس فقط باعتبارها مكاسب عسكرية، وإنما باعتبارها أيضاً فرصة لإضعاف الروح المعنوية لخصمه.
ويُعد انشقاق أبو عاقلة كيكل في أواخر عام 2024 مثالاً واضحاً على هذه الاستراتيجية، إذ تحول بعد انضمامه إلى الجيش إلى أحد أبرز قادة العمليات التي انتهت باستعادة ولاية الجزيرة، وهو ما عزز ثقة المؤسسة العسكرية بإمكانية توظيف القيادات المنشقة في تغيير موازين القوى على الأرض.
ومن المرجح أن يواصل الجيش توسيع سياسة استقطاب قادة الدعم السريع، مستفيداً من حالة التذمر الداخلي، وهو ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من الانشقاقات إذا استمرت الظروف الحالية.
الدعم الخارجي... العامل الذي يمنع الانهيار
ورغم مؤشرات التراجع الداخلي، لا تزال قوات الدعم السريع تحافظ على قدرتها القتالية بفضل استمرار تدفق الدعم العسكري الخارجي، وهو العامل الذي يراه كثير من المحللين سبباً رئيسياً في إطالة أمد الحرب.
وتتواصل الاتهامات الموجهة إلى دولة الإمارات بتقديم مساعدات عسكرية للدعم السريع، تشمل طائرات مسيرة وأسلحة ثقيلة وآليات قتالية، فضلاً عن اتهامات بتسهيل تجنيد مئات المقاتلين الكولومبيين للعمل إلى جانب القوات.
وتنفي أبوظبي بصورة رسمية هذه الاتهامات، إلا أن تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية، إضافة إلى تسريبات استخباراتية غربية، تشير إلى وجود شبكات تجنيد ودعم لوجستي لعبت دوراً في تعزيز القدرات العسكرية للدعم السريع.
ويفسر هذا الدعم سبب استمرار القوات في القتال رغم الخسائر البشرية والانشقاقات المتزايدة، إذ يمنحها القدرة على تعويض جزء من خسائرها في المعدات والذخيرة، وإن كان لا يستطيع تعويض خسارة القيادات الميدانية ذات الخبرة.
المدنيون... الخاسر الأكبر
وبينما ينشغل طرفا الصراع بإعادة ترتيب موازين القوى، يظل المدنيون الحلقة الأضعف في الحرب.
فالتقارير الدولية توثق استمرار الاعتقالات التعسفية والتعذيب والانتهاكات الواسعة، إضافة إلى تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي طالت المدارس والمستشفيات والأسواق، وأسفرت عن سقوط مئات الضحايا خلال الأشهر الأخيرة.
كما تواجه الأطراف المتحاربة اتهامات متبادلة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على قرب التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
هل اقتربت نقطة التحول؟
رغم أن الانشقاقات الأخيرة تمثل بلا شك أكبر أزمة داخلية تواجه قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب، فإن اعتبارها بداية النهاية يبقى استنتاجاً سابقاً لأوانه.
فالحروب الأهلية الممتدة غالباً ما تتأثر بمجموعة معقدة من العوامل، تشمل الدعم الخارجي، والقدرة على تجنيد مقاتلين جدد، والسيطرة على الموارد الاقتصادية، وليس فقط حجم الخسائر العسكرية.
ومع ذلك، فإن ما يجري اليوم يكشف أن الدعم السريع دخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم يعد يواجه فيها الجيش السوداني وحده، بل أصبح مضطراً أيضاً إلى مواجهة أزمة ثقة داخل صفوفه، وتصدعات قبلية، وتحالفات تتآكل تدريجياً.
وإذا استمرت وتيرة الانشقاقات الحالية، بالتزامن مع استمرار الضغوط العسكرية وتراجع التماسك الداخلي، فقد يجد الدعم السريع نفسه أمام تحدٍ وجودي لم يواجهه منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. أما إذا نجحت القيادة في احتواء الخلافات، واستمر تدفق الدعم الخارجي، فإن الحرب مرشحة للاستمرار، مع بقاء المدنيين الضحية الأولى لصراع تتشابك فيه الحسابات العسكرية والقبلية والإقليمية بصورة غير مسبوقة.
