بث تجريبي

الحوار الوطني في موريتانيا: هل يتحول إلى بوابة لإعادة تشكيل النظام السياسي أم ساحة للصراع حول المأمورية الثالثة؟

تقارير وملفات - أحمد ولد حامد
أحمد ولد حامد
كاتب موريتاني

يبدو أن الحوار الوطني المرتقب في موريتانيا تجاوز منذ وقت مبكر كونه منصة لمناقشة الإصلاحات السياسية والمؤسسية، ليتحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل النظام السياسي ولطبيعة الانتقال الدستوري في البلاد. فالنقاش الدائر حول إدراج أو استبعاد ملف المأموريات الرئاسية من جدول أعمال الحوار لم يعد مجرد خلاف إجرائي بين السلطة والمعارضة، بل أصبح يعكس صراعًا أعمق يتعلق بحدود السلطة، ومستقبل الدستور، والتوازن بين الاستقرار السياسي والتداول الديمقراطي على الحكم.

وفي هذا السياق، جاء تمسك أحزاب الأغلبية الرئاسية بأن يكون الحوار "مفتوحًا أمام جميع القضايا دون استثناء" بمثابة رسالة سياسية واضحة تفيد بأن ملف تعديل الدستور لا يزال حاضرًا على الطاولة، حتى وإن لم يُدرج رسميًا ضمن الوثيقة المرجعية للحوار. وهو ما يفسر قراءة المعارضة لهذا الموقف باعتباره محاولة غير مباشرة لإعادة إحياء النقاش حول المأمورية الرئاسية الثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

من الإصلاح السياسي إلى الجدل الدستوري

حين أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال حملته الانتخابية عام 2024، عزمه إطلاق حوار وطني شامل، كان الهدف المعلن يتمثل في تعزيز التوافق السياسي، وتطوير المؤسسات الديمقراطية، وإيجاد أرضية مشتركة لمعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. غير أن مسار التحضير للحوار كشف تدريجيًا أن الملف الأكثر حساسية لم يكن الإصلاحات المؤسسية، وإنما مستقبل الرئاسة نفسها.

فالدستور الموريتاني الحالي يمنح الرئيس حق الترشح لولايتين فقط، وهو ما يجعل الولاية الحالية للرئيس الغزواني الأخيرة دستوريًا. لكن بروز أصوات داخل معسكر الأغلبية تطالب بإعادة النظر في المواد الدستورية المحصنة، بدعوى أنها لا تعكس بالضرورة الإرادة الشعبية، نقل النقاش من مستوى الإصلاح إلى مستوى إعادة هندسة قواعد النظام السياسي.

وبذلك، لم يعد السؤال المطروح هو: ماذا سيناقش الحوار؟ بل أصبح: هل سيُستخدم الحوار مدخلًا لإعادة صياغة قواعد تداول السلطة في موريتانيا؟

الأغلبية تراهن على "شمولية الحوار"

يرتكز موقف أحزاب الأغلبية على مبدأ يبدو في ظاهره ديمقراطيًا، وهو أن الحوار الحقيقي لا ينبغي أن يستثني أي قضية وطنية مهما بلغت حساسيتها. فمن وجهة نظرها، فإن استبعاد أي ملف قبل بدء النقاش يمثل انتقاصًا من فلسفة الحوار ذاتها، ويحوّله إلى عملية تفاوضية محدودة النتائج.

ولهذا أصرت الأغلبية على أن يكون من حق المشاركين اقتراح إدراج أي قضية أثناء سير جلسات الحوار، بما في ذلك القضايا الدستورية، معتبرة أن التوافق لا ينبغي أن يكون شرطًا مسبقًا للحوار، بل نتيجة طبيعية للنقاش.

غير أن هذا الطرح يحمل في طياته بعدًا سياسيًا واضحًا، إذ يمنح الأغلبية مساحة لإعادة فتح ملف المأموريات الرئاسية حتى وإن جرى استبعاده في البداية، وهو ما يفسر تمسكها بمبدأ "عدم وجود مواضيع محظورة".

المعارضة... حماية الدستور قبل الحوار

في المقابل، تنظر أحزاب المعارضة إلى هذه المقاربة بوصفها محاولة للالتفاف على النصوص الدستورية المحصنة. فبالنسبة لها، فإن الحوار ينبغي أن يركز على تطوير الأداء الديمقراطي وتعزيز الحكامة، لا على إعادة فتح النقاش حول المبادئ الدستورية التي تمثل ضمانة لتداول السلطة.

وتستند المعارضة إلى أن المواد المتعلقة بعدد الولايات الرئاسية أُدرجت ضمن المواد المحصنة تحديدًا لمنع استخدامها في الصراعات السياسية أو تعديلها تبعًا لموازين القوى المؤقتة. ومن ثم، فإن مجرد إدراجها على جدول أعمال الحوار قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية بما يخدم استمرار النخبة الحاكمة.

ولهذا السبب، سبق أن أدى طرح هذه القضية إلى تعليق الجلسات التمهيدية للحوار، الأمر الذي يكشف حجم الانقسام السياسي الذي يحيط بهذا الملف.

صمت الرئيس... سياسة الغموض المحسوب

من اللافت أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لم يعلن حتى الآن موقفًا صريحًا من الجدل الدائر بشأن المأمورية الثالثة. فعندما سألته المعارضة عن القضية، اكتفى بالقول إنه لم يطلب إدراج الملف في جدول أعمال الحوار، كما أنه لن يطلب حذفه.

هذا الموقف، وإن بدا حياديًا من الناحية الشكلية، ترك مساحة واسعة للتأويل. فالرئيس لم يؤكد تمسكه بالنص الدستوري الحالي، كما لم ينفِ إمكانية تعديله مستقبلًا، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى اعتبار هذا الغموض جزءًا من استراتيجية سياسية تهدف إلى إبقاء جميع الخيارات مفتوحة حتى تتضح موازين القوى داخل الحوار وخارجه.

ومن الناحية السياسية، يمنح هذا الصمت الرئيس عدة مزايا؛ فهو يتجنب الصدام المباشر مع المعارضة، وفي الوقت ذاته لا يصطدم بالقوى المؤيدة لتعديل الدستور داخل معسكره السياسي.

الحوار كساحة لإعادة توزيع موازين القوى

يتجاوز الجدل الحالي قضية المأموريات الرئاسية ليعكس صراعًا أوسع حول طبيعة النظام السياسي الموريتاني خلال المرحلة المقبلة. فالحوار لا يمثل مجرد آلية للتشاور، بل أصبح ساحة تسعى من خلالها مختلف القوى إلى إعادة ترتيب مواقعها استعدادًا لمرحلة ما بعد الولاية الثانية للرئيس الغزواني.

فإذا نجحت الأغلبية في فرض مناقشة تعديل الدستور، فإنها ستكون قد فتحت الباب أمام سيناريوهات سياسية جديدة، قد تشمل تمديد بقاء الرئيس في السلطة أو إعادة صياغة النظام الدستوري بصورة أوسع.

أما إذا تمكنت المعارضة من تثبيت استبعاد هذا الملف، فإنها ستكون قد عززت مبدأ تداول السلطة، وفرضت سقفًا دستوريًا يصعب تجاوزه، بما يمهد لانتقال سياسي أكثر وضوحًا مع نهاية الولاية الحالية.

التداعيات على الاستقرار السياسي

تكمن حساسية هذا الجدل في أنه يأتي في وقت تحاول فيه موريتانيا الحفاظ على صورتها كواحدة من أكثر دول الساحل استقرارًا سياسيًا مقارنة بجيرانها الذين شهدوا انقلابات عسكرية واضطرابات دستورية متكررة.

ومن ثم، فإن أي محاولة لإعادة فتح المواد الدستورية المتعلقة بالمأموريات قد تؤثر في صورة البلاد باعتبارها نموذجًا نسبيًا لاحترام التداول السلمي للسلطة، كما قد تثير مخاوف داخلية وخارجية بشأن مستقبل المؤسسات الدستورية.

وفي المقابل، فإن استمرار الانقسام بين السلطة والمعارضة قد ينعكس سلبًا على فرص نجاح الحوار نفسه، ويحول دون التوصل إلى توافقات بشأن ملفات الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري التي تحتاجها البلاد بصورة ملحة.

مستقبل الحوار... توافق وطني أم بداية أزمة دستورية؟

تشير التطورات الحالية إلى أن نجاح الحوار الوطني لن يقاس بعدد القضايا التي سيناقشها، وإنما بقدرته على إدارة الخلاف حول أكثر الملفات حساسية دون أن يتحول إلى أزمة سياسية جديدة.

فإذا تمكنت الأطراف المختلفة من الفصل بين الإصلاحات المؤسسية وبين الجدل حول مستقبل الرئاسة، فقد يشكل الحوار فرصة لتعزيز الاستقرار السياسي وتطوير النظام الديمقراطي. أما إذا طغى ملف المأمورية الثالثة على بقية القضايا، فإن الحوار قد يتحول من أداة لبناء التوافق إلى منصة لتكريس الاستقطاب السياسي.

وفي ضوء ذلك، تبدو موريتانيا أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن يرسخ الحوار الوطني ثقافة التوافق واحترام الضوابط الدستورية، وإما أن يصبح بداية مرحلة جديدة من الجدل حول قواعد انتقال السلطة، وهي قضية ستحدد ليس فقط مستقبل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وإنما أيضًا مستقبل التجربة الديمقراطية الموريتانية بأكملها.