في مثل هذا اليوم من عام 2006، غاب نجيب محفوظ عن المشهد، لكن غيابه لم يكن من النوع الذي يطوي صفحة صاحبه أو يضع حدًا لحضوره. فمنذ رحيله، قبل عشرين عامًا، لا يزال صاحب «الثلاثية» و«أولاد حارتنا» حاضرًا في الكتب والدراسات والنقاشات النقدية، وفي ذاكرة القراء، كما لو أن رحيله لم يكن سوى انتقال من الحياة اليومية إلى فضاء أكثر اتساعًا: فضاء الأدب الذي لا يتوقف عند حدود الزمن.
ولد نجيب محفوظ عام 1911، وترك وراءه إرثًا روائيًا ونثريًا هائلًا، امتد على مدى عقود، وجعل منه أحد أبرز الأصوات الأدبية العربية في القرن العشرين. وكان تتويج هذا المسار حصوله عام 1988 على جائزة نوبل في الأدب، ليصبح أول أديب عربي ينال الجائزة، ورابع أفريقي يصل إلى هذا التكريم العالمي. ولم يكن الإنجاز مجرد احتفاء بكاتب مصري أو عربي، وإنما اعترافًا بقدرة الأدب العربي على الوصول إلى العالمية من خلال تجربة إنسانية محلية في تفاصيلها، كونية في أسئلتها.
ولعل أحد أسرار استمرار محفوظ هو أن أعماله لا تقدم نفسها باعتبارها نصوصًا مغلقة على عصرها. فالقاهرة التي كتب عنها لم تعد هي القاهرة نفسها، والأحياء والشخصيات والتحولات الاجتماعية التي شكلت عالمه الروائي تغيرت كثيرًا، لكن الأسئلة التي أثارها لا تزال مفتوحة: السلطة والحرية، الدين والمجتمع، العدالة والظلم، الفرد والجماعة، الحلم والهزيمة، والخوف من المستقبل والرغبة في تغييره.
لهذا لا تكاد تمر سنة من دون أن يظهر كتاب جديد عن محفوظ، أو دراسة تعيد قراءة أعماله من زاوية مختلفة. ويبدو أن كثرة الكتابة عنه ليست مجرد احتفاء بكاتب كبير، وإنما دليل على أن تجربته لا تزال قادرة على إنتاج قراءات جديدة. فالنص المحفوظي، كلما أُعيدت قراءته، بدا وكأنه يكتشف زمنًا جديدًا للقارئ، أو يكشف عن طبقة أخرى لم تكن ظاهرة في القراءة الأولى.
وتبقى «أولاد حارتنا» المثال الأكثر وضوحًا على هذه القدرة الاستثنائية على إثارة الأسئلة. فالرواية التي أثارت جدلًا واسعًا منذ نشرها، وما زالت موضع نقاش وتأويل، تكشف كيف يمكن للعمل الأدبي أن يتجاوز لحظته التاريخية ليصبح موضوعًا دائمًا للتفسير وإعادة القراءة. وليس مصادفة أن تشير الأكاديمية السويدية، في سياق منح محفوظ جائزة نوبل، إلى أهمية هذه الرواية ضمن تجربته الأدبية.
غير أن اختزال محفوظ في الرواية وحدها يظلمه. فقد كان كاتبًا متعدد الاهتمامات، مارس الصحافة وشارك في الحياة الثقافية المصرية على مدى عقود. ومن أبرز محطاته الصحفية كتابته عمودًا أسبوعيًا في جريدة «الأهرام» بين عامي 1974 و1994. ولم تكن الصحافة بالنسبة إليه مجرد نشاط جانبي، بل مساحة أخرى لمراقبة المجتمع والتفاعل مع أسئلته وتحولاته، قبل أن يتوقف عن الكتابة المنتظمة بعد تعرضه للاعتداء عام 1994.
والمفارقة أن الرجل الذي كان شديد الحضور في الحياة الثقافية المصرية أصبح، بعد رحيله، أكثر حضورًا في الذاكرة الثقافية. فمحفوظ لم يعد مجرد أديب ينتمي إلى القرن العشرين، بل تحول إلى ما يشبه المرجع الذي تعود إليه أجيال متعاقبة كلما أرادت فهم جانب من جوانب الشخصية المصرية أو تاريخ المدينة أو تحولات المجتمع.
ولذلك فإن السؤال بعد عشرين عامًا من رحيله ليس: هل ما زلنا نقرأ نجيب محفوظ؟ فهذا أمر محسوم. السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا لا يزال محفوظ قادرًا على مخاطبة أجيال لم تعش الزمن الذي كتب عنه؟
ربما لأن محفوظ لم يكن يكتب عن القاهرة وحدها، ولا عن مصر في لحظة تاريخية محددة، بقدر ما كان يكتب عن الإنسان وهو يصطدم بالواقع ويحاول أن يجد لنفسه مكانًا فيه. ولهذا تبدو شخصياته مألوفة حتى لمن جاء بعده بعقود، وتظل أزماتها قابلة للتعرف عليها في عصور مختلفة.
في النهاية، لا يحتاج نجيب محفوظ إلى ذكرى سنوية كي يعود إلى الحياة؛ فهو حاضر أصلًا في كل مرة تُفتح فيها رواية من رواياته، وفي كل نقاش حول الأدب المصري والعربي، وفي كل محاولة لفهم العلاقة بين الكاتب ومجتمعه.
رحل محفوظ في 2006، لكن الأدب الذي تركه وراءه لم يرحل. وربما كانت هذه هي الصورة الأكثر دقة للخلود الأدبي: أن يغيب الكاتب، بينما تستمر أعماله في الحضور، وأن يصبح مرور الزمن، بدلًا من أن يبعده عن القراء، سببًا جديدًا لاكتشافه.
