الفرح ليس مهنتي .. الماغوط يكتب هواجس الإنسان العربي
بنى الكاتب السوري محمد الماغوط من خلال ديوان “الفرح ليس مهنتي” عالمًا شعريًا شاهدًا على الشخصيات والمشاهد إلى جانب الهواجس الإنسانية، حيث بقي وفيًا لمعالجة قضايا الإنسان العربي وحصاره الدائم بالخوف والسلطة والفقر، إلى جانب المنفى الذي يشعر به الإنسان داخل وطنه.
الديوان الذي صدر عام 1970، بعد “حزن في ضوء القمر” و”غرفة بملايين الجدران”، يعد إحدى محطات الماغوط المفصلية في تجربته الشعرية، إذ تتبلور فيه لغته التي ابتعدت عن الوزن والقافية، واعتمدت قصيدة النثر بوصفها وسيلته للتعبير عن الإنسان المهزوم والمهمش.
تتوزع نصوص الديوان بين قضايا لطالما عالجها الماغوط وكتب عنها في مراحله المختلفة، إذ كتب عن الحرية والوطن والاغتراب والخوف، غير أنه في “الفرح ليس مهنتي” لم يطرح القضايا بصيغة الخطاب السياسي المباشر أو حتى الإسقاطات السياسية، وإنما اعتمد على تصوير الحياة العامة.
صور الحياة اليومية تمثلت بـ”الشرطي، المحطة، الرصيف، النافذة، الحقيبة، القرية، المدينة، رائحة الخبر”، حيث يتحول الجميع إلى رموز لحياة يعيشها الإنسان وهو يشعر بأنه مطارد أو مهمش أو عاجز عن بلوغ ما يحلم به، أو العيش بأدنى مقومات العيش الكريم.
وتحتل الحرية موقعًا مركزيًا في معظم قصائده، فالإنسان عند الماغوط يبحث عن حقه في حياة عادية، بعيدًا عن الخوف والقمع، وتبدو بذلك قصائده صوتًا للإنسان الذي يعيش وسط صمت مطبق يضيق عليه كثيرًا، حتى يغدو الفرح، كما يشير العنوان، إلى حالة يصعب الوصول إليها.
ويظهر الوطن بوصفه أحد أكثر الموضوعات تداولًا، لكنه لا يأتي في صورة أناشيد أو خطابات حماسية، وإنما باعتباره مكانًا يرتبط بالحنين والخيبة في آن واحد، فالوطن في قصائد الماغوط هو المكان الذي يحبه الإنسان، لكنه يشعر داخله أيضًا بالغربة والعجز، فتلتصق المحبة مع الألم، والأمل مع الإحباط.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن لغة الماغوط نفسها، فهو يبتعد عن الزخرفة البلاغية، ويكتب بمفردات بسيطة مأخوذة من الشارع والحياة العادية، قبل أن يعيد تركيبها في صور شعرية بسيطة، لذلك تبدو قصائده قريبة من القارئ، رغم أنها تحمل مستويات متعددة من المعنى، وتجمع بين السخرية والمرارة في آن واحد.
أشارت دراسات نقدية عدة إلى أن الديوان يكشف، من خلال صوره اليومية، عن نقد للاستبداد والفساد والهزيمة، ولا سيما في المرحلة التي أعقبت نكسة عام 1967، وما رافقها من واقع كان مثقلًا بالهزائم.
يضم الديوان عشرات القصائد التي تتقاطع في موضوعاتها، فمن “بدوي يبحث عن بلاد بدوية ومسافر عربي في محطات الفضاء” يستعيد الماغوط شعور الإنسان العربي بالتيه والبحث عن مكان ينتمي إليه.
بينما تذهب قصائد مثل “الحصار وخريف الأقنعة” إلى مواجهة الخوف والقيود التي تحاصر الفرد.
محمد الماغوط
محمد الماغوط (1934-2006) شاعر وكاتب سوري، ولد في مدينة سلمية بمحافظة حماة، ويعد أحد أبرز رواد قصيدة النثر العربية.
أصدر ثلاثة دواوين شعرية هي “حزن في ضوء القمر” و”غرفة بملايين الجدران” و”الفرح ليس مهنتي”، كما كتب المسرحيات الشهيرة: “غربة”، “كاسك يا وطن، “ضيعة تشرين”، إلى جانب كتابه الساخر “سأخون وطني”، الذي يعد من أشهر أعماله الأدبية.
