الانتخابات التشريعية بالمغرب والحاجة الملحّة إلى سياسة جديدة للتقارب الترابي
مقدمة: نحو عقد ترابي مغربي جديد
ينبغي ألا تمثل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر 2026 مجرد استحقاق انتخابي عادي، بل يجب أن تفتح نقاشًا وطنيًا حول جودة الدولة، وفاعلية العمل العام، وقبل كل شيء، قدرة النظام السياسي على تقليص الفوارق الترابية التي لا تزال تشكل جانبًا أساسيًا من تجارب المواطنين اليومية. وقد بدأت السلطات المغربية الاستعداد للانتخابات التشريعية لعام 2026 منذ عام 2025، مقدمة إياها باعتبارها محطة رئيسية في الحياة المؤسسية للمملكة.
ومن ثم، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق ببساطة بمن سيحكم المغرب بعد سبتمبر 2026، وإنما بأي صورة سيُحكم المغرب. وينبغي تقييم الحكومة المقبلة ليس فقط على أساس قدرتها على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، وجذب الاستثمارات، وإدارة المشروعات الوطنية الكبرى، وإنما أيضًا على أساس قدرتها على تقليص المسافات بين المركز والأطراف، وبين الحواضر والمناطق الجبلية، وبين المدن والأرياف، وكذلك بين المناطق المرتبطة بقوة بالأسواق الوطنية والدولية وتلك التي لا تزال مندمجة بصورة غير كافية في شبكات التنمية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة لأن المغرب شهد تحولات كبيرة على مدى عدة عقود. فقد أدى تحسين البنية التحتية، وتطوير الطرق السريعة والسكك الحديدية والموانئ والمنصات الصناعية واللوجستية، وظهور مراكز حضرية جديدة، إلى تغيير عميق في الجغرافيا الاقتصادية للمملكة. غير أن التحديث المادي لم يؤدِ في جميع المناطق إلى تقارب مماثل في الفرص الاجتماعية والاقتصادية. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التفاوتات الترابية لا تزال تمثل تحديًا هيكليًا، وأن تركز النشاط الاقتصادي والوظائف ذات المهارات العالية والاستثمارات في أقطاب محددة لا يزال يؤثر في التوازن الترابي للبلاد.
ومن ثم، لم تعد المشكلة المغربية المعاصرة تتعلق بالنمو فحسب، وإنما بجغرافية النمو. فقد يكون النمو الوطني مرضيًا من الناحية الإحصائية، بينما تستمر في المقابل فروق عميقة في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل والتنقل والبنية التحتية الرقمية والخدمات العامة. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على وجه الخصوص، إلى أن مكان الميلاد ومكان الإقامة لا يزالان يؤثران بدرجة كبيرة في مسارات الأفراد، وأن سكان المناطق الريفية يتمتعون عمومًا بفرص أقل للوصول إلى بعض الخدمات العامة ذات الجودة.
ومن هذا المنظور تحديدًا، ينبغي فهم الحاجة إلى الانتقال من «مغرب المراكز» إلى «مغرب الأقاليم». ولا يعني ذلك إقامة تعارض مصطنع بين الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وفاس من جهة، وبين البلدات الصغيرة والمناطق الريفية والجبال والواحات والأقاليم الطرفية من جهة أخرى. وإنما يعني بناء نظام ترابي تواصل فيه المراكز الكبرى أداء دورها بوصفها محركات اقتصادية، في الوقت الذي تمتلك فيه المناطق الأخرى أيضًا الوسائل المؤسسية والبشرية والمالية والبنية التحتية اللازمة لتنمية إمكاناتها الذاتية.
ويمتلك المغرب بالفعل بعض الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك. فقد أرسى دستور عام 2011 نظام الجهوية، وأكد مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن بين الجماعات الترابية. كما حددت القوانين التنظيمية الصادرة عام 2015 بصورة أكثر تفصيلًا تنظيم الجهات وغيرها من الجماعات الترابية. وسعى الميثاق الوطني للاتمركز الإداري إلى تقريب الإدارة من المواطنين. أما النموذج التنموي الجديد، فقد وضع التحول الترابي ضمن الأبعاد الأساسية لمسار التنمية في المغرب حتى عام 2035.
ومن هنا تتمثل المفارقة المغربية في أن البلاد تمتلك هندسة مؤسسية طموحة نسبيًا، لكن فعاليتها الترابية لا تزال متفاوتة. وسيكون التحدي الحقيقي أمام البرلمان المقبل هو تحويل مبادئ الجهوية المتقدمة إلى سياسة فعالة لتحقيق التقارب الترابي.
من التنمية الوطنية إلى التنمية الترابية
لفترة طويلة، جرى تصور سياسة التنمية بصورة أساسية على المستوى الوطني. وكان الهدف يتمثل في تحديث البنية التحتية، وتصنيع الاقتصاد، وتطوير المناطق الحضرية الكبرى، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين التجارة، وتعزيز اندماج المغرب في الاقتصاد العالمي. وقد حققت هذه الاستراتيجية نتائج لا يمكن إنكارها. ويمتلك المغرب اليوم بنية تحتية استراتيجية تمثل مزايا تنافسية مهمة في المجالين المتوسطي والأفريقي.
غير أن البنية التحتية الوطنية ليست تلقائيًا سياسة ترابية. فقد يربط طريق سريع بين منطقتين حضريتين كبيرتين من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير عميق في ظروف معيشة السكان الموجودين بينهما. وقد يتحول ميناء إلى محرك قوي للصادرات من دون أن تحصل المناطق المحيطة به على حصة كافية من القيمة التي يتم خلقها. كما يمكن لمنطقة صناعية أن توفر فرص عمل، وفي الوقت نفسه تزيد من استقطاب العمالة الماهرة نحو عدد محدود من الأقطاب الاقتصادية.
ومن ثم، يتمثل التحول في النموذج التنموي في الانتقال من تصور للتنمية يقوم أساسًا على «البنية التحتية» إلى تصور «ترابي وإنساني وإنتاجي». وينبغي ألا يُنظر إلى الإقليم أو المجال الترابي باعتباره مجرد مساحة تُنفذ فيها السياسات الوطنية، وإنما باعتباره فاعلًا يمتلك موارده الخاصة، ومهاراته، وتاريخه، ومؤسساته، وشبكاته الاجتماعية، ومزاياه التنافسية.
ويتوافق هذا النهج إلى حد كبير مع التوصيات المعاصرة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فقد شددت المراجعة الوطنية للسياسة الحضرية في المغرب على ضرورة تعزيز القدرات على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية، وتحسين التنسيق، وتقليص الفوارق الترابية من خلال الاستفادة بصورة أكبر من إمكانات مختلف فئات المدن ومن أوجه الترابط بين المناطق الحضرية والريفية.
ويدافع النموذج التنموي الجديد عن منطق مماثل. فقد خلصت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي عام 2021 إلى أن المغرب بحاجة إلى إطلاق إمكانات أقاليمه، وتحسين جودة الخدمات العامة، وتعزيز رأس المال البشري، وبناء نموذج تنموي أكثر شمولًا وتوازنًا. وهكذا يصبح المجال الترابي بُعدًا تأسيسيًا للتنمية، وليس مجرد متغير إداري.
ومن ثم، يصبح السؤال السياسي الحقيقي هو: كيف يمكن ضمان قدرة كل إقليم على خلق القيمة، والاحتفاظ بكفاءاته، وتوفير ظروف معيشية كريمة لمواطنيه؟
الفقر متعدد الأبعاد: النظر إلى المغرب من منظور الأقاليم
كان من أهم التطورات التي شهدتها السياسات العامة المغربية خلال السنوات الأخيرة تحسين المعرفة الإحصائية المتعلقة بالتفاوتات الترابية. ففي عام 2025، نشرت المندوبية السامية للتخطيط خريطة جديدة للفقر متعدد الأبعاد، تتيح تجاوز المقاربة التي تحصر الفقر في البعد النقدي وحده.
وتأخذ هذه المنهجية في الاعتبار أبعادًا متعددة لظروف المعيشة، من بينها التعليم والصحة والسكن والوصول إلى البنية التحتية الأساسية.
ويكتسب هذا التطور المنهجي أهمية جوهرية؛ فالفقر لا يعني ببساطة نقص الدخل، وإنما يعني أيضًا العجز عن الوصول إلى بعض الفرص الأساسية. فقد تكون إحدى الأسر أعلى قليلًا من خط الفقر النقدي، لكنها تعاني في الوقت نفسه من بُعد المسافة عن مرافق الرعاية الصحية، أو محدودية الوصول إلى المياه وخدمات الصرف الصحي، أو انخفاض مستوى التحصيل التعليمي، أو ضعف الاتصال بشبكات النقل والاتصالات.
وتظهر بيانات المندوبية السامية للتخطيط أيضًا تحسنًا ملموسًا في الوضع الوطني؛ إذ انخفض الفقر متعدد الأبعاد بصورة حادة بين عامي 2014 و2024، وهو تطور إيجابي مهم. غير أن الأهمية الكبرى لخريطة الفقر التي أعدتها المندوبية تكمن تحديدًا في إظهار أن المتوسطات الوطنية قد تخفي وراءها واقعًا محليًا شديد التباين. فكثيرًا ما تتركز مواطن الهشاشة في مناطق ريفية وبلديات وأقاليم معينة بعيدة عن المراكز الكبرى.
وينبغي أن تؤدي هذه المعرفة الجديدة الآن إلى تغيير الطريقة التي تُصمم بها الموازنات العامة. فالمغرب يمتلك اليوم البيانات اللازمة للانتقال من توزيع موحد نسبيًا للموارد إلى منطق تمويل متمايز يستند إلى الاحتياجات الترابية. ومن ثم، ينبغي للبلاد إنشاء «موازنة وطنية للتقارب الترابي» حقيقية، تستند إلى مؤشرات متعددة الأبعاد. وينبغي أن تستفيد المناطق التي تظهر أكبر أوجه العجز في التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل والتنقل والاتصال أو الوصول إلى الخدمات العامة من آليات للتعويض ومنح الأولوية في الاستثمارات. ولا ينبغي أن تمثل هذه السياسة سياسةً للمساعدة الدائمة، وإنما سياسة لتكافؤ الفرص.
الجهوية المتقدمة: المؤسسة موجودة، لكن يجب تمكينها
شكّل دستور عام 2011 نقطة تحول مهمة في التنظيم الترابي للمغرب. فقد خُصص الباب التاسع منه للجماعات الترابية، وأكد أن تنظيمها يقوم على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن. كما أقر الدستور بأن الجماعات الترابية تتمتع بالشخصية الاعتبارية وباختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، واختصاصات منقولة إليها.
وتعززت هذه البنية من خلال القوانين التنظيمية الصادرة عام 2015. ومن ثم، يمتلك المغرب، من الناحية النظرية، إطارًا مؤسسيًا قادرًا على دعم سياسة ترابية حقيقية.
غير أن الجهوية المتقدمة لا يمكن اختزالها في مجرد نقل قانوني للاختصاصات. فلا يمكن لجهة أن تتمتع باستقلال حقيقي إذا لم تكن لديها الموارد المالية والبشرية والفنية والمعلوماتية اللازمة لممارسة مسؤولياتها.
وهذه تحديدًا إحدى أبرز الدروس المستخلصة من دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ففي أعمالها المتعلقة بالعقود بين مستويات الحكم، تؤكد المنظمة أن التعاقد بين الدولة والجهات يمكن أن يسهم في تحسين اتساق الاستراتيجيات الترابية، وتوضيح المسؤوليات، وتعزيز امتلاك الجهات للاختصاصات الموكلة إليها.
ومن ثم، ينبغي أن يصبح التعاقد أحد الأدوات المركزية للحكومة المقبلة، لكن مع تطويره ليأخذ شكل «عقود أداء ترابية» حقيقية.
وينبغي لكل جهة، بالتعاون مع الدولة، أن تحدد عددًا محدودًا من الأولويات على مدى خمس إلى عشر سنوات، مثل:
- الحد من الهدر المدرسي؛
- خلق فرص عمل تتطلب مهارات عالية؛
- تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية؛
- تطوير شبكات الاتصال والربط؛
- تعزيز التحول البيئي؛
- تثمين التراث؛
- وتحسين التنقل.
ويجب أن تقترن هذه العقود بمؤشرات معلنة للجمهور وبآليات للتقييم السنوي.
وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحديدًا بإجراء تشخيصات مشتركة، وتحديد واضح للأولويات، وإجراء مفاوضات منظمة، إلى جانب متابعة عقود الدولة والجهات وتقييمها. وبذلك يمكن للمغرب الانتقال من جهوية يغلب عليها الطابع المؤسسي إلى جهوية قائمة على النتائج.
التمويل: تصحيح الجغرافيا العفوية للاستثمار
تكتسب المسألة المالية أهمية مركزية؛ لأن آليات السوق لا تنتج تلقائيًا توزيعًا متوازنًا للاستثمارات. فالشركات تسعى بطبيعتها إلى البنية التحتية القائمة، والأسواق الكبيرة، والمهارات المتاحة، والشبكات اللوجستية، والاستفادة من وفورات التكتل الاقتصادي.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التوزيع الترابي للاستثمار الأجنبي المباشر في المغرب يعكس التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة القائمة بين الجهات، وأن التفاوت في تركّز الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يمثل عائقًا أمام تحقيق نمو جهوي متوازن. ومن ثم، سيكون من غير الواقعي توقع أن يقوم السوق وحده بتصحيح الاختلالات الترابية.
وينبغي للاستثمار العام أن يؤدي دور «الاستثمار المحفز»؛ أي أن يخلق الظروف التي تسمح لاحقًا للاستمارات الخاصة بالنمو.
ولا يعني ذلك الاستثمار في البنية التحتية فحسب، وإنما أيضًا في:
- المهارات؛
- التدريب؛
- الخدمات العامة؛
- الاتصال الرقمي؛
- البحوث التطبيقية؛
- النظم البيئية لريادة الأعمال؛
- وسلاسل القيمة المحلية.
كما ينبغي لسياسة ترابية طموحة أن تعطي الأولوية لـ المدن الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محركات وسيطة للنمو. وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحديدًا بتعزيز دور هذه المدن بوصفها أقطابًا للنمو، وتحسين الروابط بينها وبين المناطق الريفية.
ومن ثم، فإن التنمية الترابية لا تقوم على وضع المناطق الحضرية الكبرى في مواجهة المناطق الطرفية، وإنما على بناء شبكة من الترابط تكون فيها الحواضر الكبرى، والمدن المتوسطة، والبلدات الصغيرة، والمناطق الريفية مترابطة ويعتمد بعضها على بعض.
الجبال والريف والمناطق الطرفية: المساواة تتطلب التمايز
لا تعني العدالة الترابية أن تحصل جميع المناطق على الموارد نفسها بالضبط، وإنما تعني أن يتمتع كل مواطن بفرص متقاربة للوصول إلى الاحتياجات الأساسية.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة بالنسبة إلى المناطق الجبلية؛ إذ غالبًا ما تكون تكلفة توفير الخدمات العامة فيها أعلى بسبب طبيعة التضاريس، وتشتت التجمعات السكانية، والظروف المناخية، وبعدها عن المراكز الحضرية.
ومن ثم، قد تؤدي سياسة المساواة الصارمة إلى إنتاج أشكال جديدة من عدم المساواة. فإذا حصلت مدرسة ريفية جبلية على الموارد نفسها التي تحصل عليها مدرسة حضرية يسهل الوصول إليها، فإنها لن تستفيد في الواقع من المستوى نفسه من الدعم.
ولذلك، ينبغي للمغرب أن يعتمد شكلًا من «المعادلة الترابية المتمايزة» يستند إلى عوامل مثل المسافة، والارتفاع عن سطح البحر، والكثافة السكانية، والظروف المناخية، ومدى الوصول إلى البنية التحتية، ومستويات الهشاشة.
ويتوافق هذا النهج مع مفهوم حديث للعدالة المكانية؛ إذ ينبغي أن تحصل المناطق التي تواجه قيودًا هيكلية على موارد إضافية، بحيث يتمكن مواطنوها من تحقيق مستوى مماثل من الفرص.
وتكتسب قابلية التنقل أهمية مماثلة. فيجب أن يتمكن سكان المناطق الريفية والجبلية من الوصول إلى المدارس والمستشفيات وأسواق العمل والخدمات الإدارية دون أن يتحول مكان إقامتهم إلى عقوبة دائمة.
كما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التفاوتات الترابية في المغرب لا تتعلق بالدخل فقط، وإنما تشمل أيضًا الوصول إلى الخدمات والفرص.
الرقمنة: الجبهة الجديدة للمساواة الترابية
في القرن الحادي والعشرين، أصبح الاتصال الرقمي يتحول إلى بنية تحتية لا تقل أهمية من الناحية الاستراتيجية عن الطرق أو الكهرباء.
فالوصول إلى الإنترنت أصبح شرطًا للوصول إلى التعليم والمعلومات والإجراءات الإدارية والتجارة والتدريب المهني وبعض أشكال العمل. ومن ثم، فإن الفجوة الرقمية تهدد بالتحول إلى شكل جديد من أشكال الفجوة الترابية.
ويتعين على المغرب تجنب وضع تستفيد فيه المناطق الحضرية الكبرى بصورة أساسية من التحول الرقمي. وينبغي اعتبار المناطق الريفية والجبلية والطرفية مناطق ذات أولوية في نشر البنية التحتية الرقمية.
ويمكن للرقمنة، علاوة على ذلك، أن تصبح أداة قوية لتصحيح الاختلالات الترابية.
فقد تساعد الطبابة عن بُعد على تقليص بعض المسافات التي تفصل المواطنين عن خدمات الرعاية الصحية، ويمكن للتعليم الرقمي توسيع نطاق الوصول إلى الموارد التعليمية، بينما تستطيع الخدمات الإدارية الإلكترونية خفض التكاليف المرتبطة بالعزلة الجغرافية، كما يمكن للمنصات التجارية أن تتيح للمنتجين المحليين الوصول إلى الأسواق الوطنية والدولية.
لكن التكنولوجيا وحدها غير كافية؛ إذ يجب أن تقترن بالمهارات الرقمية، والمرافق المشتركة، وسياسة حقيقية للإدماج الرقمي.
الهوية الأمازيغية: بُعد أساسي من أبعاد العدالة الترابية
هنا تكتسب المسألة الأمازيغية عمقًا سياسيًا خاصًا. وينبغي ألا تُختزل في مواجهة عقيمة بين العروبة والأمازيغية.
فقد اعترف دستور 2011 صراحة بالتعددية التي تميز الهوية المغربية، ونص في المادة الخامسة على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة وتراث مشترك لجميع المغاربة. ولهذا النص الدستوري تداعيات تتجاوز السياسة اللغوية، إذ ينطوي على تصور شامل للدولة والمواطنة.
فالثقافة الأمازيغية ليست عنصرًا هامشيًا متبقيًا في النسيج الاجتماعي المغربي، وإنما تمثل مكونًا مركزيًا من حضارة المملكة وثقافتها.
ويتسق هذا التفسير مع التحليل الأوسع للتكوين التاريخي للمغرب باعتباره فضاءً تداخلت فيه الإرثات الأمازيغية والعربية والإسلامية والأفريقية والأندلسية واليهودية والمتوسطية. وينبغي النظر إلى هذا التعدد باعتباره قوة وطنية وليس تهديدًا للوحدة.
ويتمثل التحدي الآن في الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى الفعالية المؤسسية. وينبغي أن تكتسب اللغة الأمازيغية تدريجيًا مكانة فعلية في المدارس والإدارة والرعاية الصحية والإعلام والثقافة والخدمات الرقمية.
ولهذه المسألة أيضًا بُعد ترابي؛ إذ تقع العديد من المناطق الناطقة بالأمازيغية تاريخيًا في الجبال والمناطق الريفية وبعض المناطق الطرفية. ومن ثم، يمكن أن يتقاطع التهميش اللغوي مع التهميش الجغرافي.
ولذلك، ينبغي دمج السياسة الأمازيغية في سياسة التقارب الترابي.
وتكتسب رؤيتك لـ «الثالوث الثقافي الأمازيغي» — اللغة والأرض والتضامن — أهمية خاصة في هذا السياق. فاللغة تضمن انتقال الثقافة، والأرض تعبر عن التجذر الترابي، بينما يشير التضامن إلى أشكال المساعدة والتعاون المتبادلة القائمة على المجتمع المحلي.
ويمكن أن يكون هذا البعد الأخير مثمرًا بصورة خاصة في مجال التنمية الترابية. فمن الممكن أن تتفاعل تقاليد التضامن المجتمعي مع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والتعاونيات، والزراعة الأسرية، والسياحة البيئية، وتثمين المنتجات المحلية.
وهكذا تصبح الهوية الأمازيغية ليس مجرد تراث ينبغي الحفاظ عليه، وإنما أيضًا موردًا للتنمية.
الثقافة والتراث والتنمية: منح الأقاليم روحًا
لا يمكن اختزال التنمية الترابية في بناء الطرق والسدود أو المناطق الصناعية. فالأقاليم هي أيضًا فضاءات للذاكرة والثقافة والتراث والانتماء.
لقد تشكلت الحضارة المغربية عبر تراكم وتفاعل إرثات متعددة. ومن المهم التأكيد على الاستمرارية التاريخية والتفاعل بين الأبعاد الأمازيغية والعربية والأفريقية والأندلسية والأوروبية في تكوين المغرب. كما يسلط تحليل التراث الأمازيغي واليهودي الضوء على الطابع التعددي العميق للحضارة المغربية. ويمثل هذا التعدد رأس مال ثقافيًا واقتصاديًا مهمًا.
ويمكن للأقاليم أن تثمن تراثها المادي وغير المادي، بما في ذلك العمارة المحلية، والحرف اليدوية، والموسيقى، والأدب الشفهي، وفنون الطهي، ونظم إدارة المياه التقليدية، والمناظر الثقافية، والمعارف الزراعية، وأشكال التضامن القائمة على المجتمع المحلي.
ومن ثم، ينبغي لسياسة التنمية الترابية الذكية أن تحول الثقافة إلى عامل لخلق القيمة، من دون اختزالها في مجرد منتج سياحي. وينبغي أن يكون الهدف هو بناء اقتصاد ترابي تصبح فيه المجتمعات المحلية المستفيد الرئيسي من عملية تثمين التراث.
التعليم والشباب: كسر جغرافيا إعادة إنتاج التفاوت
لن يكون التقارب الترابي مستدامًا أبدًا من دون سياسة تعليمية متمايزة. فالتعليم هو الأداة الأساسية لكسر إعادة إنتاج عدم المساواة عبر الأجيال.
وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن أوجه عدم تكافؤ الفرص تبدأ في مراحل مبكرة من الحياة، وأن التمييز بين المناطق الحضرية والريفية لا يزال يؤثر في الوصول إلى الخدمات وفي المسارات الفردية.
ولذلك، ينبغي للمغرب تخصيص موارد أكبر للمناطق التي تكون فيها الاحتياجات التعليمية أكثر إلحاحًا، بما يشمل النقل المدرسي، ومرافق الإقامة الداخلية، والوجبات المدرسية، والبنية التحتية الرقمية، والمكتبات، وتدريب المعلمين، ومكافحة التسرب المدرسي.
كما ينبغي تطوير سياسة حقيقية لـ التعليم العالي المتموضع ترابيًا. فلا ينبغي للجامعات والمعاهد ومؤسسات التدريب المهني أن تكتفي بالاستجابة للطلب الوطني، وإنما ينبغي تصميمها باعتبارها محركات للاقتصادات الجهوية.
فعلى سبيل المثال، يمكن لجامعة تقع في منطقة جبلية أن تطور برامج متخصصة في الزراعة الجبلية، وإدارة المياه، والتنوع البيولوجي، والسياحة البيئية، أو التراث الثقافي.
أما الجامعة الواقعة في منطقة صناعية، فيمكن أن تركز بدرجة أكبر على الهندسة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيات الصناعية.
وبهذه الطريقة، لن تعود المنطقة مجرد مستهلك للمعرفة المنتجة في أماكن أخرى، وإنما ستصبح منتجًا للمعرفة المتكيفة مع احتياجاتها الخاصة.
الحكومة المقبلة: حكومة التقارب
هنا تحديدًا تكتسب انتخابات 23 سبتمبر 2026 أهمية خاصة. وينبغي تشجيع ال
