هل تستبدل إسرائيل «الحزام الأمني» بحزام من المرتفعات في جنوب لبنان؟
لم تعد مسألة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان قابلة للقراءة بالاستناد إلى نماذج عامي 2000 و2006. فلكل مرحلة سياقها العسكري والسياسي، فيما يبدو المشهد الراهن محكومًا بمعادلات أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات الأمنية الإسرائيلية مع وضع «حزب الله» العسكري، ومستقبل سلاحه، ودور الجيش اللبناني، وطبيعة الضمانات الدولية، والأهم من ذلك كله، شكل الترتيبات التي يجري التفاوض حولها.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز جغرافيا جنوب لبنان باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم السلوك الإسرائيلي. فبدلاً من العودة بالضرورة إلى نموذج السيطرة على شريط جغرافي واسع، كما حدث خلال مراحل سابقة، تشير طبيعة التحركات العسكرية الإسرائيلية في مناطق مثل الشقيف وزوطر وعلي الطاهر إلى احتمال تبلور مقاربة مختلفة تقوم على السيطرة على النقاط الحاكمة والمرتفعات ذات القيمة العملياتية.
لا يعني ذلك، بالضرورة، وجود «عقيدة إسرائيلية» معلنة تنص على إقامة حزام من المرتفعات. فالمعطيات المتاحة لا تكفي لإثبات مثل هذه العقيدة بصورة قاطعة. لكن نمط العمليات ومواقع التركيز العسكري يطرحان فرضية استراتيجية جديرة بالتحليل: أن إسرائيل قد تكون بصدد الانتقال من مفهوم السيطرة على الأرض إلى مفهوم السيطرة على الجغرافيا المؤثرة في الحرب.
من الشريط الأمني إلى النقاط الحاكمة
تكمن أهمية المرتفعات في جنوب لبنان في أنها تمنح من يسيطر عليها قدرة على المراقبة والاستطلاع والتحكم بالنيران، فضلًا عن قدرتها على التأثير في حركة القوات والإمداد. ولذلك، فإن السيطرة على مرتفع استراتيجي قد تحقق عسكريًا ما لا تحققه السيطرة على مساحة أكبر من الأرض، ولكن بكلفة انتشار أقل.
وهنا تكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمية خاصة. فموقعها المرتفع وإشرافها على النبطية ومناطق واسعة باتجاه إقليم التفاح يجعلها نقطة ذات قيمة عسكرية تتجاوز مساحتها الجغرافية. والأمر نفسه ينطبق بدرجات متفاوتة على الشقيف وزوطر وغيرها من النقاط المرتفعة التي يمكن أن تمنح الطرف المسيطر عليها مجالًا أوسع للمراقبة والسيطرة بالنار.
وبهذا المعنى، فإن المعركة على جنوب لبنان قد لا تكون بالضرورة معركة للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأرض، وإنما على من يمتلك القدرة على التحكم في الأرض من خلال نقاطها الأكثر تأثيرًا.
وهذه النقطة تفسر جانبًا من الاهتمام الإسرائيلي بالمرتفعات. فالإمساك بها يحقق ثلاثة أهداف متزامنة: حرمان «حزب الله» من استخدامها كمواقع مراقبة وقيادة وإسناد، تقليص قدرته على تهديد المستوطنات في شمال إسرائيل، وخلق عمق جغرافي يمنح إسرائيل قدرة أكبر على الإنذار المبكر والتعامل مع أي نشاط عسكري محتمل.
لكن هذا الخيار لا يخلو من تناقض. فالمرتفعات التي تمنح إسرائيل ميزة عسكرية يمكن أن تتحول، في الوقت ذاته، إلى مواقع مكلفة يتعين الدفاع عنها وتأمين خطوط إمدادها. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل قادرة على الوصول إلى هذه النقاط، وإنما بما إذا كانت قادرة على الاحتفاظ بها عسكريًا وسياسيًا.
علي الطاهر... اختبار المعادلة الجديدة
تمثل علي الطاهر، في هذا السياق، أكثر من مجرد نقطة جغرافية في خارطة العمليات. فهي قد تتحول إلى اختبار فعلي لطبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.
فإذا كانت إسرائيل تسعى إلى إقامة شريط أمني تقليدي، فإن السيطرة على مساحات متصلة ستكون الهدف الطبيعي. أما إذا كانت الأولوية هي إنشاء شبكة من النقاط الحاكمة، فإن قيمة علي الطاهر لا تكمن في كونها جزءًا من مساحة يجري احتلالها، وإنما في موقعها داخل شبكة جغرافية أوسع تضم المرتفعات التي تسمح بالسيطرة على المجال المحيط.
وهذا الاختلاف جوهري؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال «كم ستنسحب إسرائيل؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «من سيملك السيطرة الفعلية على النقاط التي تتحكم في أمن المنطقة بعد الانسحاب؟»
وهنا يمكن أن يصبح مفهوم الانسحاب نفسه موضع إعادة تعريف. فقد تنسحب إسرائيل من مناطق واسعة، لكنها قد تتمسك في المقابل بنقاط محددة تعتبرها ضرورية لأمنها. كما يمكن أن تسعى إلى ترتيب أمني يمنع «حزب الله» من العودة إلى هذه المواقع، سواء عبر انتشار الجيش اللبناني أو ترتيبات دولية أو آليات رقابة، بما يجعل السيطرة الإسرائيلية المباشرة على الأرض أقل ضرورة.
المشكلة ليست في القمم وحدها
غير أن اختزال الاستراتيجية الإسرائيلية في السيطرة على «القمم» سيكون تبسيطًا مفرطًا. فالقيمة العسكرية للمرتفع لا تأتي من ارتفاعه فقط، وإنما من موقعه بالنسبة إلى الطرق، ومناطق الانتشار، وخطوط الإمداد، ومواقع القيادة، وطبيعة التضاريس المحيطة.
ومن ثم، فإن ما تسعى إليه إسرائيل ــ إذا صحت فرضية «حزام المرتفعات» ــ قد يكون في الحقيقة شبكة دفاعية متعددة النقاط، وليس خطًا جغرافيًا متصلًا. فالموقع المرتفع قد يستخدم للمراقبة، بينما توجد المواقع الدفاعية الفعلية أسفل القمة وعلى جوانبها، حيث تكون القوات أقل تعرضًا للنيران وأكثر قدرة على المناورة.
وهذا يفسر أيضًا لماذا لا تعني السيطرة على مرتفع معين بالضرورة إقامة وجود عسكري دائم فوق قمته. فقد يكون الهدف الحقيقي هو حرمان الخصم من استخدام المنطقة المحيطة به عسكريًا، أو فرض واقع ميداني يجعل إعادة بناء البنية العسكرية لـ«حزب الله» في هذه المناطق أكثر صعوبة.
الكلفة البرية تحد من الطموح الإسرائيلي
غير أن الحسابات الجغرافية لا تنفصل عن حسابات الكلفة. فالسيطرة البرية على جنوب لبنان تظل عملية شديدة التعقيد، خصوصًا في بيئة يتمتع فيها «حزب الله» بخبرة طويلة في القتال ضمن التضاريس الجبلية والريفية.
ومن هنا تبرز المفاضلة الإسرائيلية بين الوجود البري المباشر والردع من مسافة. فكلما اتسعت مساحة الانتشار، ازدادت الحاجة إلى قوات لحماية المواقع وخطوط الإمداد، وارتفعت الخسائر المحتملة. أما التركيز على نقاط محددة، فيمكن أن يحقق قدرًا من السيطرة العملياتية من دون تحمل الكلفة نفسها.
لكن هذه المعادلة تظل محفوفة بالمخاطر؛ إذ إن النقاط المعزولة قد تتحول إلى عبء إذا لم تكن جزءًا من منظومة أمنية وسياسية متكاملة. ولذلك، فإن نجاح أي استراتيجية إسرائيلية في هذا الاتجاه لا يعتمد على القدرة على احتلال المرتفعات فقط، بل على القدرة على تحويل السيطرة العسكرية إلى ترتيب أمني قابل للاستمرار.
لماذا يصعب تكرار تجربة 2000؟
تكمن إحدى مشكلات النقاش الحالي في المقارنة المتكررة مع الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. فذلك الانسحاب جاء في ظروف سياسية وأمنية مختلفة تمامًا.
في 25 مايو/أيار 2000 انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان بعد نحو 22 عامًا من الاحتلال، في قرار ارتبط بدرجة كبيرة بالحسابات الإسرائيلية الداخلية، وخصوصًا ارتفاع الكلفة البشرية والاقتصادية للوجود العسكري في لبنان. كما جاء الانسحاب في سياق قرار مجلس الأمن رقم 425، لكنه لم يكن نتيجة اتفاق سياسي لبناني–إسرائيلي بالمعنى التقليدي.
أما اليوم، فإن إسرائيل لا تنظر إلى جنوب لبنان باعتباره ساحة منفصلة عن مسألة «حزب الله» ومستقبل قدراته العسكرية. ولذلك فإن الانسحاب لم يعد بالنسبة إليها مجرد مسألة جغرافية، وإنما أصبح جزءًا من معادلة أمنية أوسع تتعلق بمنع عودة التهديد إلى المناطق الحدودية.
2006... نموذج مختلف للانسحاب
أما تجربة 2006، فقد قامت على أساس مختلف؛ إذ ارتبط وقف العمليات العسكرية بالحرب الإسرائيلية–اللبنانية وبصدور القرار 1701، الذي أعاد تنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان ووسع نطاق انتشار قوات الأمم المتحدة والجيش اللبناني.
لكن المشكلة أن القرار، رغم أهميته، لم ينهِ جذور الصراع، ولم يمنع استمرار الخلافات بشأن الحدود والنقاط المتنازع عليها، كما أن التطورات اللاحقة أظهرت حدود قدرة الترتيبات الدولية على منع عودة التوتر.
ولهذا فإن أي اتفاق جديد لن يكون نسخة مكررة من 1701. فالمعادلة الحالية تتطلب على الأرجح ترتيبات أكثر تفصيلًا بشأن الوجود العسكري، وانتشار الجيش اللبناني، وآليات الرقابة، وسلاح حزب الله، والحدود، وضمانات التنفيذ.
الولايات المتحدة... مفتاح التسوية
في هذه النقطة تحديدًا، تبدو الولايات المتحدة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فبينما لعبت الأمم المتحدة وفرنسا ودول أخرى أدوارًا مهمة في مراحل سابقة، فإن قدرة واشنطن على التأثير في القرار الإسرائيلي تظل عاملًا حاسمًا في أي تسوية محتملة.
لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع ببساطة فرض انسحاب إسرائيلي. فواشنطن نفسها مطالبة بالموازنة بين دعم أمن إسرائيل ومنع توسع الصراع، وبين الحفاظ على استقرار لبنان ومنع انهيار الترتيبات الأمنية القائمة.
ومن هنا، فإن المفاوضات قد لا تدور في جوهرها حول سؤال الانسحاب أو عدم الانسحاب، وإنما حول الثمن الذي سيجعل الانسحاب مقبولًا من المنظور الإسرائيلي. فإذا تمكنت واشنطن من توفير ترتيبات أمنية تمنح إسرائيل ضمانات بديلة عن السيطرة المباشرة على الأرض، فقد يصبح الانسحاب أكثر قابلية للتحقق. أما إذا ظلت إسرائيل ترى أن هذه الضمانات غير كافية، فإن المرتفعات ستظل ورقة ميدانية وسياسية في آن واحد.
بين الانسحاب وإعادة تعريف الأمن
المعضلة الأساسية إذن أن لبنان يطالب بانسحاب إسرائيلي من أراضيه، بينما تنظر إسرائيل إلى بعض مناطق جنوب لبنان باعتبارها جزءًا من منظومة أمنها المستقبلية. وبين الموقفين تتشكل مساحة تفاوضية شديدة التعقيد.
فإذا تحولت المرتفعات إلى «خطوط حمراء» إسرائيلية، فإن أي اتفاق لن يكون مجرد اتفاق على خطوط الانسحاب، بل سيكون تفاوضًا على من يسيطر على الجغرافيا ومن يملك حق استخدامها عسكريًا.
وهنا تكمن أهمية التطورات الحالية. فالمسألة ليست في نهاية المطاف ما إذا كانت إسرائيل ستحتفظ بعلي الطاهر أو الشقيف أو غيرهما فحسب، وإنما في ما إذا كانت هذه المواقع ستصبح نموذجًا لترتيب أمني جديد في جنوب لبنان.
وقد يكون هذا هو التحول الأهم: إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال جنوب لبنان كله لكي تحقق أهدافها الأمنية؛ وربما يكفيها أن تمنع خصمها من امتلاك المرتفعات التي تجعل الجنوب منصة تهديد فعالة لشمال إسرائيل.
لكن نجاح هذه المعادلة يبقى مشروطًا بقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية قابلة للحياة. فاحتلال المرتفعات قد يكون ممكنًا عسكريًا، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال اليوم التالي: من يدير هذه المناطق؟ ومن يضمن عدم عودة «حزب الله» إليها؟ ومن يمنع تحولها إلى نقاط احتكاك دائمة؟
ولهذا فإن معركة المرتفعات قد تكون في ظاهرها معركة جغرافية، لكنها في جوهرها معركة على شكل النظام الأمني الذي سيحكم جنوب لبنان في المرحلة المقبلة.
وبقدر ما كان انسحاب 2000 تعبيرًا عن قرار إسرائيلي بالتخلص من كلفة الاحتلال، وكان انسحاب 2006 جزءًا من تسوية دولية أعقبت الحرب، فإن أي انسحاب جديد ــ إذا حدث ــ قد يكون مختلفًا في جوهره: انسحابًا من المساحة، مقابل الاحتفاظ بالتأثير في النقاط الحاكمة.
وهنا تحديدًا ستتحدد طبيعة المرحلة المقبلة: هل يقود التفاوض إلى انسحاب إسرائيلي حقيقي يعيد تثبيت السيادة اللبنانية، أم إلى صيغة جديدة تعيد تعريف الانسحاب نفسه بحيث تخرج إسرائيل من مساحات واسعة، لكنها تبقي يدها على مفاتيح الجغرافيا الأكثر حساسية؟
