جنوب لبنان بعد «اليونيفيل»: هل تتحول آلية التحقق إلى عقدة جديدة في مسار الترتيبات الأمنية؟
تدخل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان مرحلة شديدة التعقيد، في ظل تداخل ثلاثة مسارات يصعب فصل أحدها عن الآخر: مستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب، وآلية التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية، ومستقبل الدور الدولي بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل». ويبدو أن الخلاف حول هذه الملفات لا يرتبط فقط بالتفاصيل التقنية المتعلقة بتشكيل القوة التي ستتولى مهمة التحقق، وإنما يعكس اختلافًا أعمق حول طبيعة الترتيبات الأمنية التي يفترض أن تحكم المرحلة المقبلة وحدود السيادة اللبنانية فيها.
وتشير المعطيات المتداولة إلى وجود تحفظات إسرائيلية على ثلاثة مسارات رئيسية: توسيع نطاق «المناطق التجريبية»، قبول مشاركة قوة إيطالية في عمليات التحقق، والتوصل إلى صيغة مستقرة للوجود الدولي الذي يمكن أن يحل، بصورة كلية أو جزئية، محل «اليونيفيل» بعد انتهاء ولايتها. وإذا تأكد استمرار هذه الاعتراضات، فإنها تعكس اتجاهًا إسرائيليًا نحو الإبقاء على هامش واسع من التحكم في طبيعة الترتيبات الأمنية وفي آليات تنفيذها، بدل الانتقال سريعًا إلى صيغة مستقرة تحدد بوضوح مسؤوليات الأطراف.
الخلاف يتجاوز هوية القوة الدولية
يبدو للوهلة الأولى أن الخلاف الحالي يتمحور حول جنسية القوة التي ستشارك في عملية التحقق، ولا سيما الاعتراض الإسرائيلي على المقترح الإيطالي. غير أن جوهر المسألة يتجاوز اختيار إيطاليا أو فرنسا أو أي دولة أوروبية أخرى.
فالسؤال الأهم يتعلق بطبيعة المهمة التي ستُسند إلى القوة الدولية: هل ستكون مهمتها تقنية تقتصر على التحقق من تنفيذ الالتزامات المتفق عليها؟ أم ستتمتع بصلاحيات ميدانية أوسع تشمل التفتيش والتحقق من المنشآت والمنازل؟ وهل ستعمل بصورة مستقلة أم بالتنسيق مع الجيش اللبناني؟ ومن ستكون له الكلمة النهائية عند نشوء خلاف حول تفسير الالتزامات؟
هذه الأسئلة تفسر جانبًا مهمًا من الصعوبة التي تواجه المفاوضات. فكل طرف يحاول، من خلال صياغة آلية التحقق، التأثير في قواعد اللعبة الأمنية للمرحلة المقبلة.
وبالنسبة إلى لبنان، فإن توسيع صلاحيات أي قوة دولية على نحو يمس مباشرة بالمجال السيادي للدولة يمثل مسألة حساسة، خصوصًا إذا أصبح عملها يتجاوز التحقق إلى ممارسة وظائف أمنية تنفيذية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن وجود آلية تحقق لا تضمن لها مستوى مرتفعًا من الاطمئنان الأمني قد يُنظر إليه باعتباره غير كافٍ لتوفير الضمانات المطلوبة.
ومن ثم، فإن الخلاف الحالي يمكن قراءته بوصفه خلافًا على تعريف مفهوم الضمانات الأمنية أكثر من كونه خلافًا على هوية القوة الدولية.
«المناطق التجريبية» واختبار الثقة المتبادلة
يمثل عدم الانتقال إلى مناطق تجريبية إضافية بعد نحو شهرين من التوصل إلى «اتفاق الإطار» مؤشرًا على محدودية الثقة بين الأطراف.
ويفترض منطق المناطق التجريبية أن تشكل مرحلة اختبارية تسمح بتحديد المشكلات العملية قبل تعميم الترتيبات على نطاق أوسع. ولذلك، فإن تعثر الانتقال إلى مناطق جديدة لا يعني بالضرورة انهيار التفاهمات، لكنه يشير إلى عدم التوافق على معايير تقييم المرحلة الأولى.
وهنا تبرز مشكلة أساسية: من يحدد ما إذا كانت المنطقة التجريبية قد نجحت؟
إسرائيل تنطلق، وفق الرواية المتداولة، من تقييم يتعلق بأداء الجيش اللبناني ومدى تنفيذه الإجراءات التي تعتبرها ضرورية. أما الجانب اللبناني فينظر إلى المسألة ضمن إطار أوسع يرتبط بالسيادة الوطنية وبضرورة أن تكون مسؤولية الأمن على الأراضي اللبنانية من اختصاص الدولة اللبنانية.
هذا الاختلاف في معايير التقييم قد يؤدي إلى حلقة مفرغة: إسرائيل تشترط مزيدًا من الإجراءات الأمنية قبل الانسحاب أو التوسع في الترتيبات، بينما يرى لبنان أن تنفيذ هذه الإجراءات يجب أن يتم ضمن إطار يحترم صلاحيات الدولة ولا يحول آلية التحقق إلى أداة لإدارة الأمن اللبناني من الخارج.
إسرائيل ومحاولة الحفاظ على هامش أمني مستقل
إذا صحت التقارير المتعلقة بالتحفظات الإسرائيلية على القوة الإيطالية وعلى توسيع المناطق التجريبية، فإن ذلك قد يعكس رغبة إسرائيلية في الاحتفاظ بهامش أوسع للتحرك الأمني والعسكري في جنوب لبنان.
وهذا الهامش يمثل أحد أكثر عناصر التفاوض حساسية. فمن منظور إسرائيلي، ترتبط أي ترتيبات مستقبلية بالقدرة على منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله واحتواء المخاطر الأمنية على الحدود الشمالية. ومن منظور لبناني، فإن استمرار قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات عسكرية بصورة واسعة أو شبه مستقلة بعد انسحابها يتعارض مع الهدف المعلن المتمثل في استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة على الجنوب.
وبالتالي، فإن الخلاف لا يدور فقط حول ترتيبات ما بعد الانسحاب، وإنما حول طبيعة مفهوم الأمن الذي سيحكم الجنوب اللبناني: هل يقوم على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية باعتبارها الجهة الأمنية الرئيسية، أم على ترتيبات تمنح إسرائيل ضمانات وقدرات تدخل تتجاوز آليات السيادة اللبنانية؟
وهذه المسألة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقود إلى تهدئة مستدامة أم إلى صيغة جديدة من الردع المتبادل منخفض الحدة.
واشنطن بوصفها الطرف القادر على تضييق فجوة المواقف
تكتسب الولايات المتحدة موقعًا محوريًا في هذا المسار، ليس فقط بسبب دورها في الترتيبات التفاوضية، وإنما بسبب قدرتها على التواصل المباشر مع إسرائيل والتأثير في حساباتها.
وتشير الاتصالات اللبنانية-الأميركية إلى أن بيروت تنظر إلى واشنطن باعتبارها الطرف القادر على المساعدة في تجاوز الاعتراضات الإسرائيلية. لكن هذا الدور يضع الولايات المتحدة أمام اختبار دقيق.
فإذا انحاز الوسيط بصورة واضحة إلى التصور الإسرائيلي للأمن، فقد يفقد جزءًا من قدرته على إقناع لبنان بقبول ترتيبات طويلة الأمد. وفي المقابل، فإن الضغط على إسرائيل لقبول صيغة لا توفر لها ما تعتبره ضمانات أمنية كافية قد يصطدم بحساباتها الداخلية والعسكرية.
ومن ثم، فإن قدرة واشنطن على النجاح لا تعتمد فقط على قدرتها على ممارسة الضغط، وإنما على قدرتها على تصميم صيغة تحقق قدرًا مقبولًا من الأمن لإسرائيل، والسيادة للبنان، والفاعلية للقوة الدولية.
عقدة «اليونيفيل» وما بعد الولاية الأممية
تأتي هذه الخلافات في وقت يقترب فيه انتهاء ولاية «اليونيفيل»، ما يجعل النقاش حول البديل أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لكن الانتقال من نموذج «اليونيفيل» إلى قوة أوروبية أو آلية دولية جديدة لا يمثل مجرد استبدال مؤسسة بأخرى. فالتجربة السابقة تفرض سؤالًا حول حدود التفويض الدولي وقدرته على تنفيذ المهمة الموكلة إليه، وحول مدى قبول الأطراف المحلية والإقليمية بصلاحياته.
ويبدو أن إسرائيل تخشى من تكرار نموذج «اليونيفيل»، الذي ترى أنه لم يوفر في مراحل سابقة ضمانات كافية لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله. في المقابل، قد تتحفظ بيروت على أي قوة بديلة تتمتع بصلاحيات واسعة تتجاوز وظيفة التحقق إلى التدخل في الشؤون الأمنية الداخلية.
ومن هنا، فإن بناء آلية ما بعد «اليونيفيل» يتطلب معالجة مشكلة الثقة التي واجهت النموذج السابق، بدل الاكتفاء بتغيير الاسم أو تركيبة القوة.
الجيش اللبناني في قلب المعادلة
يمثل دور الجيش اللبناني أحد المفاتيح الرئيسية لأي صيغة مستقبلية. فالترتيبات الجديدة لن تكون قابلة للاستمرار إذا بقي الجيش مجرد طرف ثانوي في آلية الأمن، كما أنها لن تكون قادرة على طمأنة إسرائيل إذا لم يكن الجيش قادرًا على تنفيذ التزاماته وفق معايير واضحة وقابلة للتحقق.
ومن هنا، فإن تعزيز قدرات الجيش اللبناني قد يكون أحد عناصر التسوية الأكثر أهمية. فكلما ازدادت قدرته العملياتية واللوجستية والاستخباراتية، تراجعت الحاجة إلى ترتيبات دولية ذات صلاحيات استثنائية، وأصبح بالإمكان الانتقال تدريجيًا إلى نموذج تكون فيه الدولة اللبنانية هي الفاعل الرئيسي في إدارة أمن الجنوب.
وهذا يتطلب دعمًا دوليًا طويل الأجل للجيش، ليس فقط من خلال المساعدات العسكرية، وإنما أيضًا عبر بناء القدرات في مجالات المراقبة الحدودية، والاستخبارات، وإدارة الأزمات، والتنسيق المدني-العسكري.
ثلاثة «فيتوات» أم تفاوض على قواعد اللعبة؟
يمكن قراءة الاعتراضات الإسرائيلية الحالية من زاويتين مختلفتين.
الزاوية الأولى ترى أنها تعكس سياسة تعطيل تهدف إلى تأخير الانتقال إلى ترتيبات ما بعد «اليونيفيل» والحفاظ على حرية الحركة الإسرائيلية.
أما الزاوية الثانية فتفسرها باعتبارها محاولة للتفاوض على شروط أكثر صرامة قبل الالتزام بالمرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل استمرار المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بحزب الله والقدرات العسكرية في جنوب لبنان.
والأرجح أن الواقع يجمع بين العاملين. فإسرائيل تحاول تحسين موقعها التفاوضي والحصول على ضمانات أمنية أقوى، لكنها في الوقت نفسه قد تجد مصلحة في إطالة المرحلة الانتقالية طالما أن البديل المقترح لم يوفر لها مستوى الثقة الذي تريده.
وهنا تكمن خطورة المسار الحالي: تحول المرحلة الانتقالية من أداة للوصول إلى ترتيبات مستقرة إلى ترتيبات قائمة بذاتها.
التداعيات المحتملة على لبنان
استمرار الخلاف دون التوصل إلى صيغة واضحة يحمل مجموعة من المخاطر بالنسبة إلى لبنان.
أولها استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما يبقي الجنوب في حالة عدم استقرار ويحد من قدرة الدولة على استعادة نشاطها الطبيعي.
وثانيها احتمال تحول آلية التحقق إلى نقطة نزاع جديدة بين إسرائيل ولبنان، بدل أن تكون أداة لتقليل الخلافات.
وثالثها تعقيد عملية إعادة بناء سلطة الدولة في الجنوب إذا استمرت إسرائيل في اعتبار نفسها صاحبة حق مستقل في تقييم التهديدات واتخاذ إجراءات عسكرية بناءً على هذا التقييم.
أما الخطر الأوسع فيتمثل في أن يؤدي الفشل في التوصل إلى ترتيبات مستقرة إلى إعادة إنتاج المعادلة الأمنية السابقة، وإن بأشكال مختلفة، بحيث يبقى الجنوب منطقة اختبار مستمر بين الردع الإسرائيلي والقدرات العسكرية لحزب الله.
السيناريوهات المحتملة
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة.
السيناريو الأول: التوصل إلى صيغة توافقية.
ويقوم على قبول آلية دولية محددة الصلاحيات، تعمل بالتنسيق الوثيق مع الجيش اللبناني، مع وضع معايير واضحة وقابلة للقياس للتحقق من تنفيذ الالتزامات. ويمثل هذا السيناريو الخيار الأكثر استقرارًا، لكنه يتطلب تنازلات متبادلة وضمانات أميركية وأوروبية.
السيناريو الثاني: استمرار المراوحة.
في هذا السيناريو لا تنهار التفاهمات، لكنها لا تنتقل إلى مرحلة التنفيذ الكامل. وتستمر المناطق التجريبية المحدودة، فيما تبقى مسألة القوة الدولية وصلاحياتها موضع تفاوض. وقد يؤدي ذلك إلى استمرار حالة عدم الاستقرار والعمليات العسكرية المحدودة.
السيناريو الثالث: انهيار الترتيبات وعودة التصعيد.
وهو السيناريو الأكثر خطورة، وقد يحدث إذا فشلت الأطراف في الاتفاق على آلية للتحقق أو إذا توسعت العمليات العسكرية بصورة تؤدي إلى انهيار التفاهمات القائمة. وفي هذه الحالة قد يعود الجنوب إلى دورة جديدة من التصعيد، مع صعوبة أكبر في إعادة بناء إطار تفاوضي فعال.
خاتمة
تكشف المفاوضات حول مستقبل جنوب لبنان أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بمسألة استبدال «اليونيفيل» بقوة أخرى، وإنما بإعادة تعريف الإطار الأمني الذي سيحكم الجنوب بعد انتهاء الولاية الأممية.
فالخلاف حول القوة الإيطالية، وتوسيع المناطق التجريبية، وصلاحيات آلية التحقق، ودور الجيش اللبناني، يعكس خلافًا أوسع حول توزيع المسؤوليات الأمنية بين الدولة اللبنانية وإسرائيل والقوة الدولية المقترحة.
ويبدو أن نجاح أي ترتيبات مستقبلية سيتوقف على القدرة على الوصول إلى معادلة ثلاثية: ضمانات أمنية قابلة للتحقق لإسرائيل، سيادة فعلية للدولة اللبنانية، وآلية دولية محددة الصلاحيات وقابلة للتطبيق.
وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة الطرف الأكثر قدرة على ردم فجوة المواقف، لكن نجاحها يتطلب الانتقال من إدارة الخلافات إلى هندسة ترتيبات واضحة وقابلة للاستمرار.
أما استمرار الاعتراضات المتبادلة دون معالجة جوهرية لمصادر انعدام الثقة، فقد يجعل من مرحلة ما بعد «اليونيفيل» مرحلة انتقالية مفتوحة بدل أن تكون مدخلًا إلى استقرار جديد. وتكمن المعضلة الأساسية في أن أي ترتيبات لا تمنح الدولة اللبنانية دورًا مركزيًا في إدارة أمن الجنوب ستبقى عرضة لأزمة الشرعية، بينما أي ترتيبات لا توفر لإسرائيل ضمانات أمنية قابلة للتحقق ستظل عرضة للرفض أو التعطيل.
وعليه، فإن مستقبل الجنوب لن يتحدد فقط بهوية القوة التي ستتولى مهمة التحقق، وإنما بقدرة الأطراف على الاتفاق على قواعد واضحة لإدارة الأمن والسيادة واستخدام القوة بعد انتهاء المرحلة الأممية.
