رغم الهدنة الهشة.. واشنطن وطهران تواصلان الاشتباك عند مضيق هرمز
رغم الحديث المتزايد عن تقدم نسبي في الاتصالات السياسية بين واشنطن وطهران، تكشف التطورات الأخيرة قرب مضيق هرمز أن مسار التهدئة لا يزال هشًا، وأن المنطقة لم تغادر فعليًا مربع الاشتباك. فالضربات الأمريكية الأخيرة ضد أهداف إيرانية، واعتراض الطائرات المسيّرة قرب المضيق، لا تبدو مجرد حوادث عسكرية معزولة، بل تعكس استمرار معركة “إدارة الضغط” بين الطرفين، حيث يسعى كل جانب إلى تحسين شروطه التفاوضية دون الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة.
ويبدو أن الخليج دخل بالفعل مرحلة جديدة من “الاشتباك المنضبط”، وهي مرحلة تختلف عن نماذج المواجهة التقليدية التي طبعت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران خلال العقود الماضية. فبدلًا من الحرب المفتوحة أو التهدئة الكاملة، بات الطرفان يديران الصراع عبر ضربات محدودة ورسائل ردع متبادلة وتحركات محسوبة بدقة، بالتوازي مع استمرار القنوات الدبلوماسية غير المباشرة.
مضيق هرمز.. أكثر من ممر للطاقة
لا يمكن فهم التصعيد الأخير بعيدًا عن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يُعد أحد أخطر نقاط الاختناق البحرية في العالم. فالمضيق الذي يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يوميًا، يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولي، ليس فقط بسبب الطاقة، بل أيضًا بسبب ارتباطه بحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والاتصالات البحرية.
ولهذا، فإن أي توتر أمني في المنطقة ينعكس فورًا على أسعار النفط، وأسواق الشحن والتأمين، وحسابات القوى الكبرى المرتبطة باستقرار تدفقات الطاقة، وعلى رأسها الصين والهند واليابان والدول الأوروبية.
لكن الأهم أن مضيق هرمز لم يعد بالنسبة لإيران مجرد ورقة تهديد ظرفية، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تعريف النفوذ البحري والسيادة الإقليمية. فطهران تحاول منذ أشهر الانتقال من سياسة “التهديد بالإغلاق” إلى سياسة “إدارة المرور والضغط التدريجي”، بما يسمح لها بالحفاظ على قدرة الردع دون الوصول إلى مواجهة بحرية شاملة قد تكون كلفتها مرتفعة للغاية.
لماذا تواصل واشنطن الضربات رغم المسار التفاوضي؟
التحركات الأمريكية الأخيرة تحمل أكثر من رسالة في توقيت بالغ الحساسية. فمن جهة، تريد واشنطن التأكيد أن أي تفاوض مع إيران لن يتم تحت ضغط التهديدات البحرية أو المسيّرات، وأنها ما تزال قادرة على فرض خطوط حمراء عسكرية في الخليج.
ومن جهة أخرى، تسعى الإدارة الأمريكية إلى طمأنة الحلفاء الإقليميين وشركات الملاحة الدولية بأن أمن المضيق لا يزال تحت السيطرة الأمريكية، خصوصًا بعد الانتقادات التي وُجهت لواشنطن خلال الأشهر الماضية بشأن تراجع قدرتها على الردع في المنطقة.
كما أن الضربات المحدودة تمنح الولايات المتحدة قدرة على ممارسة الضغط دون نسف المسار التفاوضي بالكامل. فالإدارة الأمريكية تبدو حريصة على إبقاء التصعيد ضمن سقف يمكن التحكم فيه، بما يمنع إيران من تحقيق مكاسب ميدانية أو سياسية، دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكبير.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة العمليات العسكرية الأخيرة باعتبارها جزءًا من “إدارة التوازن” بين الردع والتفاوض؛ أي استخدام القوة بصورة تكتيكية لتحسين شروط التفاهم، وليس لإغلاق الباب أمامه.
إيران واستراتيجية “الصمود المرن”
في المقابل، تبدو إيران أكثر ميلًا إلى اعتماد ما يمكن تسميته بسياسة “الصمود المرن”، وهي استراتيجية تقوم على امتصاص الضغوط الأمريكية، مع الحفاظ على القدرة على الرد التدريجي والمناورة الإقليمية.
فطهران تدرك أن الدخول في مواجهة عسكرية شاملة مع الولايات المتحدة قد يهدد استقرار النظام نفسه، لكنها تدرك أيضًا أن التراجع الكامل سيضعف موقعها التفاوضي والإقليمي. لذلك تعتمد سياسة تقوم على التصعيد المحدود والمدروس، عبر المسيّرات، والتحركات البحرية، وأدوات الضغط غير المباشر.
كما تحاول إيران توظيف الجغرافيا السياسية للخليج كورقة قوة استراتيجية، مستفيدة من حقيقة أن استقرار الاقتصاد العالمي ما يزال مرتبطًا بصورة كبيرة بأمن الممرات البحرية في المنطقة.
ومن هنا، فإن الطائرات المسيّرة أو التحركات البحرية الإيرانية لا تُستخدم فقط لأهداف عسكرية مباشرة، بل أيضًا لإرسال رسائل سياسية مفادها أن تجاهل المصالح الإيرانية في أي ترتيبات أمنية إقليمية سيبقي المضيق عرضة لحالة مستمرة من عدم اليقين.
وساطة باكستانية وتحولات إقليمية
اللافت في المشهد الحالي أن المفاوضات بين واشنطن وطهران لا تجري عبر القنوات التقليدية وحدها، بل عبر وساطات إقليمية متعددة، من بينها الوساطة الباكستانية، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الإقليمية بأن أي انفجار واسع في الخليج ستكون له تداعيات كارثية على المنطقة بأكملها.
كما أن المشهد الإقليمي نفسه تغيّر بصورة واضحة مقارنة بالسنوات السابقة. فالقوى الخليجية باتت أكثر حذرًا تجاه خيار الحرب الشاملة، بينما تبدو الصين أكثر انخراطًا في حسابات أمن الطاقة والاستقرار البحري، دون رغبة في الاصطفاف الكامل خلف التصعيد الأمريكي.
وفي المقابل، تحاول إيران الاستفادة من هذا التحول الدولي عبر تقديم نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية تخص الخليج أو الممرات البحرية الدولية.
الخليج أمام معادلة “اللا حرب واللا سلم”
التطورات الأخيرة تشير إلى أن المنطقة قد تدخل مرحلة طويلة من “اللا حرب واللا سلم”، حيث تستمر المناوشات العسكرية المحدودة والضغوط الاقتصادية والتجاذبات السياسية دون الوصول إلى تسوية نهائية.
وهذه المعادلة تحمل مخاطر كبيرة، لأنها تجعل الخليج ساحة توتر دائمة قابلة للاشتعال في أي لحظة، خصوصًا في ظل تزايد عسكرة الممرات البحرية، وتصاعد الاعتماد على المسيّرات، وتنامي دور الفاعلين غير التقليديين في الصراعات الإقليمية.
كما أن استمرار هذه الحالة سيؤدي تدريجيًا إلى رفع كلفة النقل البحري والتأمين والطاقة، ما ينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله، وليس فقط على دول المنطقة.
خاتمة
تكشف المواجهة الأخيرة قرب مضيق هرمز أن الصراع الأمريكي– الإيراني دخل مرحلة أكثر تعقيدًا من مجرد تبادل الضربات أو التهديدات التقليدية. فالطرفان يحاولان إعادة رسم قواعد الاشتباك في الخليج، عبر المزج بين الضغط العسكري والحسابات السياسية والتفاوض غير المباشر.
وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تثبيت معادلة الردع البحري ومنع إيران من فرض واقع جديد في المضيق، تعمل طهران على ترسيخ فكرة أن أمن الخليج لم يعد ممكنًا دون الاعتراف بدورها الإقليمي ومصالحها الاستراتيجية.
وبين هذين المسارين، يبقى مضيق هرمز مرشحًا لأن يظل إحدى أخطر بؤر التوتر في العالم، ليس فقط لأنه ممر للطاقة، بل لأنه أصبح ساحة لاختبار شكل النظام الإقليمي وحدود النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.
