من ذاكرة الطفولة إلى تحولات المجتمع.. قراءة في «على هامش الحياة»
في مجموعته القصصية «على هامش الحياة»، الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» في الأردن عام 2026، يستعيد الكاتب مصعب البدور عالمًا اجتماعيًا لا يقوم على الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما على مساءلة التحولات التي طرأت على الإنسان والمجتمع والقيم. ومن خلال تسع حكايات تستند إلى ذاكرة الطفولة، يعيد البدور تركيب صورة جيل أردني نشأ في بيئة محدودة الإمكانات، لكنها كانت غنية بأنماط من التضامن والتعاون والرضا والقدرة على التكيف.
لا تبدو الذاكرة في المجموعة مجرد مستودع للحكايات القديمة، بل تتحول إلى أداة لفهم الحاضر. فاستعادة تفاصيل الطفولة والعائلة والجيران والألعاب والمواقف اليومية البسيطة تضع القارئ أمام مقارنة ضمنية بين زمنين: ماضٍ اتسم ببساطة شروط الحياة وقوة الروابط الاجتماعية، وحاضر أصبح أكثر تعقيدًا على مستوى العلاقات والاحتياجات والإيقاع اليومي.
ومن هنا تكتسب المجموعة بعدها الثقافي؛ لأنها تتجاوز التجربة الفردية للكاتب لتقترب من الذاكرة الجمعية لجيل كامل.
حين تتحول الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جمعية
يشير الناشر إلى أن قصص المجموعة «ليست تسجيلًا لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم»، وإنما صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشتركة، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال.
وهذه المسافة بين الواقعي والمتخيل تمنح النصوص قدرتها على تجاوز السيرة الذاتية المباشرة. فالسؤال الذي تطرحه القصص ليس: هل وقعت هذه الأحداث بالفعل؟ بل: لماذا تبدو مألوفة إلى هذا الحد؟
تكمن الإجابة في أن البدور يعتمد على تفاصيل يمكن أن تتكرر في تجارب أبناء الجيل نفسه؛ تفاصيل البيت والأسرة والحي والأصدقاء والبرد والألعاب والحرمان والرغبات الصغيرة. وهكذا تصبح التجربة الفردية مدخلًا إلى تجربة اجتماعية أوسع.
إنها ذاكرة لا تستعيد الأحداث الكبرى، وإنما الأشياء التي غالبًا ما تسقط من السرد التاريخي: لعبة طفل، موقفًا عائليًا، دفء منزل، خلافًا بين إخوة أو تضامنًا بين جيران.
وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها تحديدًا لأنها تقف «على هامش» التاريخ الرسمي، بينما تشكل في الحقيقة جزءًا أساسيًا من تاريخ المجتمع وثقافته اليومية.
«الهامش» بوصفه مركزًا للحكاية
يحمل عنوان المجموعة نفسه مفتاحًا مهمًا لقراءتها. فالحياة عند البدور هي المتن الكبير، بينما تأتي القصص بوصفها هوامش مكتوبة حوله.
لكن المفارقة أن تلك الهوامش تبدو، في كثير من الأحيان، أكثر قدرة على الكشف من المتن نفسه.
فالتحولات الكبرى في المجتمعات لا تظهر فقط في القرارات والأحداث السياسية والاقتصادية، وإنما يمكن قراءتها أيضًا في تغير شكل الأسرة، وطريقة تربية الأطفال، وعلاقات الجيران، والألعاب التي يمارسها الصغار، والصورة التي يحتفظ بها الإنسان عن أبيه وأمه وبيته الأول.
بهذا المعنى، لا يصبح «الهامش» موقعًا ثانويًا، بل مساحة للكشف عن الأشياء التي لا تلتقطها الروايات الكبرى.
ومن هنا يمكن فهم تقسيم المجموعة إلى تسع «حواشٍ» تتفق، على اختلاف حكاياتها، في العودة إلى طفولة جيل كامل. وكأن الكاتب يدوّن ملاحظاته على كتاب ضخم اسمه الحياة، محاولًا إنقاذ التفاصيل الصغيرة من النسيان.
الطفل الذي لا يغادر الإنسان
يؤدي الطفل دور الرابط الأوضح بين نصوص المجموعة. فالجسد يكبر، لكن الطفل لا يختفي تمامًا؛ يبقى داخل الذاكرة، ويستعيد الإنسان من خلاله الطريقة الأولى التي رأى بها العالم.
هذه الطفولة ليست مثالية بالضرورة. إنها مساحة للدهشة واللعب، لكنها أيضًا مساحة للخوف والحرمان والقسوة.
في مواجهة محدودية الإمكانات، يتحول الخيال الطفولي إلى وسيلة للتعويض. يستطيع الطفل أن يصنع عالمًا كاملًا من أشياء بسيطة، وأن يمنح لعبته قيمة أكبر من قيمتها المادية، وأن يحول المساحات المحدودة المحيطة به إلى عالم واسع للمغامرة.
لكن ما يبدو في الطفولة مجرد لعبة أو موقف عابر يعود في ذاكرة الإنسان البالغ محملًا بدلالات مختلفة. فالماضي يُقرأ هذه المرة بمعرفة الحاضر، وتتحول الذكرى إلى محاولة لفهم الكيفية التي تشكلت بها الشخصية.
وهنا تنتقل المجموعة من استعادة الطفولة إلى تأمل أثرها.
فالطفل لا يتذكر فقط ما حدث، وإنما يكتشف بعد سنوات ماذا فعلت به تلك الأحداث.
الأسرة بوصفها المصنع الأول للشخصية
تحتل العلاقات الأسرية مساحة مركزية في عالم «على هامش الحياة». فالأب والأم والإخوة ليسوا شخصيات محيطة بالطفل فحسب، وإنما قوى أساسية في تشكيل وعيه بنفسه وبالعالم.
داخل الأسرة يتعلم الإنسان للمرة الأولى معنى الأمان والخوف، القبول والرفض، السلطة والحنان، المنافسة والتضامن.
ولهذا تظهر الأسرة في المجموعة بوجهين متداخلين؛ فهي مصدر للدفء والحماية، لكنها قد تكون أيضًا مصدرًا للجروح التي تستمر آثارها بعد انتهاء الطفولة.
وهذه الازدواجية تمنح النصوص بعدها الإنساني. فالكاتب لا يقدم الأسرة بوصفها مؤسسة مثالية، ولا يحولها إلى مصدر دائم للقسوة، وإنما يتعامل معها باعتبارها المجال الأول الذي تتكون داخله الشخصية بكل تناقضاتها.
فالإنسان الذي يظهر في الحاضر هو، إلى حد بعيد، حصيلة تلك العلاقات المبكرة؛ الكلمات التي سمعها، والمواقف التي عاشها، وطريقة تعامل والديه وإخوته معه، والمساحة التي أتيحت له ليحلم أو يخاف أو يخطئ.
براءة الطفولة في مواجهة عنف الواقع
من أكثر المفارقات حضورًا في المجموعة التناقض بين براءة عالم الأطفال وقسوة العالم المحيط بهم.
فالألعاب يمكن أن تتحول إلى حروب صغيرة، والمنافسة البريئة قد تنقلب إلى رغبة في الانتقام، والبرد لا يبقى مجرد حالة مناخية، وإنما يتحول إلى علامة على الحرمان والقسوة.
في المقابل، يكتسب الدفء دلالة تتجاوز معناه المادي. فهو يرتبط بالبيت والأسرة والحماية والشعور بالانتماء.
ومن خلال هذه الثنائيات، يمنح البدور التفاصيل اليومية البسيطة وظيفة رمزية. فالطفل الذي يبحث عن الدفء لا يبحث بالضرورة عن درجة حرارة أعلى فقط، وإنما عن الأمان. واللعبة التي تتحول إلى معركة قد تصبح صورة مصغرة عن العالم الذي يتعلم فيه الإنسان مبكرًا المنافسة والصراع والدفاع عن الذات.
بهذه الطريقة، تتحول ذاكرة الطفولة إلى مرآة مكبرة للمجتمع.
الحنين ليس عودة رومانسية إلى الماضي
قد يبدو للوهلة الأولى أن المجموعة تنتمي إلى أدب الحنين؛ فهي تستعيد جيلًا عاش حياة أبسط، وتحتفي بقيم التعاون والرضا والتضامن الاجتماعي.
لكن قراءة النصوص بهذه الزاوية وحدها قد تختزل مشروعها.
فالبدور لا يقدم الماضي باعتباره زمنًا مثاليًا خاليًا من المعاناة. الفقر والحرمان والقسوة والصراعات الصغيرة موجودة في قلب الذكريات نفسها.
ومن ثم، لا تقوم المقارنة بين ماضٍ جميل وحاضر سيئ بقدر ما تقوم بين شكلين مختلفين للحياة.
كانت الإمكانات أقل، لكن بعض العلاقات الإنسانية كانت أكثر كثافة. وكانت الحياة أكثر صعوبة من الناحية المادية، لكنها أوجدت آليات مختلفة للتكيف والتعاون.
لذلك يصبح الحنين هنا سؤالًا ثقافيًا: ماذا خسر الإنسان أثناء انتقاله من الحياة البسيطة إلى الحياة الحديثة؟
ليس المقصود الدعوة إلى العودة إلى الماضي، وإنما البحث عن القيم التي ربما تراجعت أثناء هذا التحول.
الجيران والصداقة.. المجتمع خارج حدود البيت
لا تتوقف الذاكرة الجمعية في المجموعة عند حدود الأسرة، بل تمتد إلى الحي والجيران والأصدقاء.
وتبرز في القصص لحظات يكون فيها التضامن الاجتماعي وسيلة لمواجهة الأزمات. فالجار ليس مجرد شخص يسكن في المنزل المجاور، وإنما جزء من شبكة اجتماعية أوسع تمنح الفرد شعورًا بالحماية والانتماء.
كما تبرز الصداقة التي تتجاوز الاختلافات الدينية والاجتماعية بوصفها نموذجًا لإنسانية تتشكل من التجربة اليومية أكثر مما تتشكل من التصنيفات والهويات المغلقة.
وتكتسب هذه الصور أهميتها عند مقارنتها بتحولات الحياة الحديثة، حيث أصبحت العلاقات أكثر اتساعًا من حيث القدرة على الاتصال، لكنها ليست بالضرورة أكثر عمقًا من حيث التضامن الإنساني.
وهكذا تصبح استعادة الحي القديم والجيران والأصدقاء بحثًا عن معنى «الجماعة» في زمن تتزايد فيه النزعة الفردية.
الأدب بوصفه أرشيفًا للحياة اليومية
تكشف «على هامش الحياة» عن وظيفة ثقافية مهمة للأدب؛ فهو يستطيع الاحتفاظ بما لا تحتفظ به الوثائق الرسمية.
التاريخ يسجل الحروب والتحولات السياسية والأزمات الاقتصادية والأحداث الكبرى، لكن الأدب يسجل كيف عاش الإنسان العادي وسط تلك التحولات: ماذا كان يخاف؟ وبماذا كان يلعب؟ وكيف كانت علاقته بأسرته؟ وكيف واجه الفقر؟ وماذا كان يعني له الجار والبيت والصديق؟
ومن هنا يمكن النظر إلى المجموعة باعتبارها شكلًا من أشكال الأرشيف الثقافي للحياة اليومية.
وهو أرشيف لا يدعي الدقة الوثائقية؛ لأن الحقيقة فيه تمتزج بالخيال، لكنه يحافظ على شيء ربما يكون أكثر صعوبة في التوثيق: الإحساس بزمن كامل.
إن ما يحاول مصعب البدور إنقاذه من النسيان ليس سلسلة من الوقائع بقدر ما هو طريقة في العيش والشعور والنظر إلى العالم.
ولذلك تكتسب التفاصيل الصغيرة قيمتها. فما كان يومًا حدثًا هامشيًا في حياة طفل يصبح، بعد مرور السنوات، مفتاحًا لفهم جيل ومجتمع وتحولات ثقافية أوسع.
في النهاية، تقترح «على هامش الحياة» أن الهامش ربما يكون أكثر أهمية مما نتصور. فالحياة لا تتكون فقط من الأحداث الكبرى التي نتذكر تواريخها، وإنما من آلاف التفاصيل التي تبدو لحظة وقوعها عابرة، ثم نكتشف لاحقًا أنها هي التي صنعت ذاكرتنا وهويتنا.
وبهذا المعنى، لا تستعيد المجموعة طفولة أفراد فحسب، وإنما تستعيد جانبًا من الذاكرة الاجتماعية الأردنية، وتضعه أمام الحاضر لا بهدف تمجيد الماضي، بل لفهم ما تغير في الإنسان والمجتمع، وما بقي منهما حيًا رغم مرور الزمن.
