بث تجريبي

ملء الفراغ الدبلوماسي: كيف غيّر النزاع الأمريكي الإيراني خريطة الوساطة في الشرق الأوسط؟

تقدير موقف - Foresight

أعاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران رسم مشهد التوازنات الإقليمية والدولية، ليس فقط من زاوية الصراع العسكري، وإنما أيضًا من زاوية من يملك القدرة على إدارة الأزمات واحتواء تداعياتها. فمع اتساع تأثيرات الحرب على أمن الطاقة العالمي، والملاحة البحرية، وسلاسل الإمداد الدولية، سارعت عدة دول إلى التحرك دبلوماسيًا لمحاولة التوصل إلى تفاهمات تحد من الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

لكن اللافت في هذه الجولة من الوساطات لم يكن مجرد السعي إلى التهدئة، بل طبيعة الأطراف التي تصدّرت المشهد؛ إذ لم تعد القوى الكبرى أو المؤسسات الدولية هي اللاعب الرئيسي كما جرى في أزمات سابقة، بل برزت ما يُعرف بـ"القوى المتوسطة" مثل باكستان ومصر وتركيا، كوسطاء أكثر حضورًا وتأثيرًا.

أولًا: لماذا صعدت القوى المتوسطة؟

يعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن الدول الإقليمية المتوسطة تمتلك من المرونة والعلاقات المتشابكة ما يجعلها أكثر قدرة على التواصل مع الأطراف المتصارعة. فهي ليست قوى مهيمنة تثير حساسيات استراتيجية، وليست أيضًا دولًا هامشية تفتقد أدوات التأثير.

كما أن لهذه الدول مصلحة مباشرة في وقف التصعيد. فالحروب في الشرق الأوسط لا تبقى محصورة داخل حدودها، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والأمن الداخلي والهجرة والطاقة. ومن ثم، فإن الوساطة بالنسبة لهذه الدول ليست عملاً خيرياً أو التزامًا أخلاقيًا، بل أداة لحماية مصالحها الوطنية.

ثانيًا: نماذج عملية على الوساطة الجديدة

خلال السنوات الأخيرة، برزت عدة أمثلة تؤكد هذا الاتجاه. فقد استضافت قطر مفاوضات  الولايات المتحدة مع حركة طالبان عام 2020، بينما لعبت تركيا دورًا مهمًا في المحادثات بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، وأسهمت المملكة العربية السعودية في استضافة مباحثات لاحقة وجهود تبادل الأسرى.

هذه السوابق منحت الدول المتوسطة رصيدًا سياسيًا متزايدًا، ورسّخت قناعة بأن إدارة الأزمات لم تعد حكرًا على واشنطن أو بروكسل أو موسكو.

ثالثًا: تراجع القوى التقليدية

في المقابل، بدا دور الاتحاد الأوروبي محدودًا مقارنة بما كان عليه خلال مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني عام 2015. ويعكس ذلك تراجع قدرة أوروبا على التحرك المستقل، خاصة في ظل تعقّد العلاقة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب ، وتباين المواقف عبر ضفتي الأطلسي بشأن إدارة الأزمات الدولية.

كما أضعفت الانقسامات الغربية قدرة المعسكر التقليدي على تقديم مبادرات موحدة، وهو ما فتح المجال أمام قوى إقليمية أكثر براغماتية وأقرب جغرافيًا إلى مسرح الأحداث.

رابعًا: أزمة الثقة في الوسيط الأمريكي

أحد أبرز التحولات يتمثل في تآكل صورة الولايات المتحدة كوسيط موثوق في الشرق الأوسط. فالدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل في حرب غزة، ثم الانخراط المباشر في المواجهة مع إيران، عززا الانطباع بأن واشنطن طرف في النزاعات أكثر من كونها وسيطًا بينها.  كما أن الاعتماد على شخصيات ذات خلفيات تجارية أكثر من دبلوماسية في إدارة الملفات الحساسة أضعف الثقة الإقليمية بفاعلية المسار التفاوضي الأمريكي.

خامسًا: لماذا يهم ذلك مصر؟

بالنسبة لمصر، فإن أي تصعيد إقليمي ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني، سواء من خلال اضطراب السياحة، أو تراجع عوائد قناة السويس، أو أزمة إمدادات الغاز القادمة من إسرائيل. لذلك فإن انخراط القاهرة في جهود الوساطة لا ينفصل عن اعتبارات الأمن القومي وحماية الاستقرار الاقتصادي.

أخيرا، تكشف الحرب الأمريكية الإيرانية أن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، تتراجع فيها هيمنة الوسطاء التقليديين، بينما تتقدم القوى المتوسطة لملء الفراغ. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة نظامًا دبلوماسيًا أكثر تعددية، تكون فيه العواصم الإقليمية — لا القوى العظمى فقط — هي الفاعل الأساسي في هندسة التسويات وصناعة التوازنات.