بث تجريبي

من الميدان إلى طاولة التفاوض: الاستراتيجية الروسية بعد التحول الأميركي

تحليلات - Foresight

يسير التصعيد العسكري المتسارع على الجبهات الروسية والأوكرانية في اتجاه يبدو، للوهلة الأولى، امتداداً طبيعياً لحرب استنزاف دخلت عامها الخامس، غير أن قراءة أعمق لمسار العمليات العسكرية تكشف أن ما يجري اليوم لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب ميدانية، بل إلى إعادة صياغة البيئة السياسية التي ستُدار في ظلها أي مفاوضات مقبلة. فالحرب لم تعد وسيلة لفرض النصر العسكري الكامل، بل أصبحت أداة لإعادة تحديد سقف التفاوض، بعد أن تبدلت البيئة الدولية التي حكمت الصراع خلال العامين الماضيين، وفي مقدمتها التحول الملحوظ في المقاربة الأميركية، وازدياد الحضور الأوروبي في رسم ملامح التسوية المستقبلية.

هذا التحول يفسر تزامن الهجمات الأوكرانية المتزايدة بالطائرات المسيّرة داخل العمق الروسي مع الهجوم الروسي الواسع في محوري دونيتسك وزابوريجيا. فلا موسكو تبدو مقتنعة بإمكانية تحقيق اختراق استراتيجي ينهي الحرب عسكرياً، ولا كييف تعتقد أن بإمكانها استعادة الأراضي بالقوة وحدها. لكن الطرفين يدركان أن كل كيلومتر يُنتزع في الميدان، وكل ضربة تُوجَّه إلى البنية التحتية للطرف الآخر، تتحول لاحقاً إلى ورقة تفاوضية على الطاولة السياسية.

وقد جاء هذا الإدراك بعد تراجع الرهان على تدخل أميركي حاسم يفرض تسوية سريعة. فموسكو، التي كانت تراهن على أن إدارة الرئيس دونالد ترمب ستضغط على كييف لتقديم تنازلات مؤلمة، بدأت تلمس تغيراً تدريجياً في الموقف الأميركي، خصوصاً بعد قمة حلف شمال الأطلسي، التي عكست استعداد واشنطن للعودة إلى دعم القدرات الدفاعية الأوكرانية، ومن بينها منح الضوء الأخضر لمشروع الإنتاج المشترك لصواريخ «باتريوت». ورغم أن هذه الخطوة لا تمثل تحولاً جذرياً في موازين القوى العسكرية، فإنها تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة للتعامل مع الشروط الروسية باعتبارها الأساس الوحيد لإنهاء الحرب.

وفي المقابل، لم تتخلَّ موسكو عن الرهان على الدور الأميركي، لكنها أعادت صياغة توقعاتها. فهي تدرك أن البيت الأبيض ما زال الطرف الوحيد القادر على إدارة عملية تفاوض حقيقية، إلا أنها باتت أقل اقتناعاً بأن واشنطن ستتبنى بالكامل رؤيتها للتسوية. ومن هنا، بدا أن الكرملين انتقل من محاولة استثمار الوساطة الأميركية إلى محاولة فرض وقائع جديدة تجعل أي وسيط مضطراً للتعامل مع الشروط الروسية بوصفها نقطة الانطلاق لأي اتفاق.

لهذا السبب، أعاد الرئيس فلاديمير بوتين عرض المرتكزات التي يرى أنها يجب أن تشكل أساس التسوية المقبلة، وهي مرتكزات تكشف أن موسكو لا تزال تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة عن خصومها. فالركيزة الأولى تتمثل في العودة إلى تفاهمات إسطنبول عام 2022، باعتبارها مرجعاً سياسياً لم يسقط بالتقادم، بينما تستند الركيزة الثانية إلى ما تصفه موسكو بـ«تفاهمات أنكوراج»، التي ترى أنها أرست، ولو بصورة غير مكتملة، إطاراً لتنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة بشأن الحرب، حتى وإن تراجعت واشنطن لاحقاً عن اعتبارها اتفاقاً سياسياً ملزماً.

لكن الأهم في رؤية بوتين يتمثل في الركيزتين الثالثة والرابعة. فهو يعتبر أن الواقع الميداني الحالي يجب أن يكون الأساس الذي تُبنى عليه أي مفاوضات، وأن السيطرة العسكرية القائمة ليست مجرد نتيجة للحرب، بل مصدر للشرعية السياسية. ومن ثم، فإن أي تسوية لا تعترف بما تعتبره موسكو «حقائق الأرض» لن تكون مقبولة بالنسبة إليها. أما الركيزة الرابعة فتتمثل في الرؤية الاستراتيجية التي أعلنها الكرملين منذ منتصف عام 2024، والتي لا تقتصر على تثبيت الأراضي التي ضمتها روسيا، وإنما تمتد إلى إعادة تعريف موقع أوكرانيا داخل النظام الأمني الأوروبي، من خلال فرض حيادها العسكري، وتقييد قدراتها الدفاعية، ومنع انضمامها ليس فقط إلى حلف شمال الأطلسي، بل حتى إلى الاتحاد الأوروبي، الذي باتت موسكو تنظر إليه باعتباره مشروعاً عسكرياً أكثر منه تكتلاً اقتصادياً.

غير أن هذه الرؤية الروسية تصطدم بواقع ميداني مختلف عما كان عليه الحال قبل عامين. فصحيح أن القوات الروسية تواصل تحقيق تقدم بطيء وثابت في الشرق والجنوب، لكن أوكرانيا نجحت في المقابل في تغيير طبيعة الحرب نفسها. فقد تحولت الطائرات المسيّرة إلى أداة استراتيجية قادرة على نقل المعركة إلى العمق الروسي، واستهداف منشآت الطاقة، ومرافق النقل، والبنية التحتية الحيوية، بما ألحق خسائر اقتصادية ونفسية متراكمة، وأظهر أن التفوق التقليدي في القوات البرية لم يعد وحده العامل الحاسم في تحديد موازين القوى.

وهذا التحول يفسر تمسك موسكو باستراتيجية حرب الاستنزاف طويلة الأمد. فالكرملين لا يرى ضرورة للانتقال إلى تعبئة عامة أو اتخاذ إجراءات استثنائية، لأنه نجح حتى الآن في تعويض خسائره البشرية عبر نظام التعاقد العسكري، كما تمكن من إعادة توجيه الاقتصاد الروسي نحو خدمة المجهود الحربي دون أن يتسبب ذلك في اضطرابات داخلية واسعة. ومن منظور موسكو، فإن الزمن يعمل لصالحها؛ إذ تعتقد أن قدرتها على مواصلة الحرب لسنوات أطول من قدرة الغرب على الحفاظ على مستوى الدعم نفسه لكييف.

في المقابل، لا يقتصر الرهان الأوكراني على الصمود العسكري، بل يقوم أيضاً على تعميق اندماجها في المنظومة الغربية. فإلى جانب توسيع التعاون العسكري مع الدول الأوروبية، تتجه كييف إلى بناء شراكات صناعية دفاعية جديدة، بما في ذلك مشاريع إنتاج الطائرات المسيّرة على حدود روسيا وبيلاروسيا، في محاولة لتحويل الحرب إلى فرصة لإعادة بناء قاعدة صناعية عسكرية مشتركة مع أوروبا.

وهنا تبرز معضلة جديدة تتجاوز حدود الصراع الروسي الأوكراني نفسه، وهي اتساع رقعة الحرب جغرافياً. فالتحذيرات البيلاروسية المتكررة من محاولات جر مينسك إلى المواجهة، والتشدد الروسي تجاه العقوبات الأوروبية الجديدة، والتوسع في البنية الدفاعية لدول البلطيق، كلها مؤشرات على أن الصراع لم يعد محصوراً في الجبهة الأوكرانية، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي بأكمله.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الحرب دخلت مرحلة جديدة لم يعد فيها السؤال المطروح هو: متى تبدأ المفاوضات؟ بل بأي ميزان قوى ستبدأ؟ فكل طرف بات يتعامل مع العمليات العسكرية باعتبارها استثماراً سياسياً في المفاوضات المقبلة، وليس مجرد وسيلة لتحقيق انتصار عسكري مباشر.

ومن هنا، فإن استمرار التصعيد لا يعكس فشل الدبلوماسية بقدر ما يعكس تحول الميدان نفسه إلى امتداد لها. فروسيا تحاول تحسين شروطها قبل الجلوس إلى الطاولة، وأوكرانيا تسعى إلى منع موسكو من فرض وقائع نهائية، بينما تعمل الولايات المتحدة على إعادة ضبط توازنها بين دعم كييف والحفاظ على إمكانية التوصل إلى تسوية، في حين أصبحت أوروبا أكثر إصراراً على أن تكون شريكاً كاملاً في صياغة أي اتفاق مستقبلي.

لذلك، فإن الأشهر المقبلة لن تحدد فقط مسار الحرب، بل ستحدد أيضاً شكل النظام الأمني الأوروبي الذي سيخرج من رحمها. وحتى ذلك الحين، سيظل التصعيد العسكري اللغة الأكثر حضوراً، لأنه أصبح الوسيلة الأساسية التي يحاول كل طرف من خلالها كتابة البنود الأولى لأي اتفاق سلام محتمل.