بث تجريبي

خارج أوهام الحسم: قراءة في صراع الإرادات بالشرق الأوسط

تحليلات - حميدة صالح بوحقيفة
حميدة صالح بوحقيفة
باحثة سياسية وأكاديمية ليبية

حين تتحول المنطقة إلى مسرح مفتوح لربك قواعد الاشتباك وإعادة صياغة النفوذ
 

تقتضي قراءة التحركات الراهنة في الشرق الأوسط التخلي تماماً عن أوهام الحسم العسكري السريع أو الحلول الناجزة؛ فالمنطقة تعيش مرحلة غير مسبوقة من "صراع الإرادات"، حيث يسعى كل طرف إلى اختبار حدود القوة وتوسيع مساحة المناورة المتاحة له في بيئة سياسية شديدة السيولة.

فالأزمة لم تعد تكمن في حدث طارئ هنا أو تصعيد عسكري عابر هناك، بل في تصادم عميق بين مشاريع متضاربة حول شكل النظام الإقليمي المقبل، وهو ما يجعل الاستقرار مجرد هدف مؤجل في ظل إصرار الجميع على عدم الخروج بصفة "الخاسر". وهو ما يتجلى في صدام لا يهدأ بين فاعلين رئيسيين لكل منهم منطلقاته؛ فطهران تُدير استراتيجيتها بمنطق الردع الممتد وتوسيع مساحات النفوذ عبر شبكات غير نظامية تعوض بها الفارق في موازين القوة التقليدية.

في المقابل، تجد العواصم العربية المحورية نفسها أمام تحدي الموازنة بين حماية الدولة الوطنية والتفرغ لمشاريع التنمية والتحول الاقتصادي، وبين ضرورة احتواء موجات التصعيد التي تهدد شريان الحياة الاقتصادي في المنطقة. وعلى الجانب الآخر، تواصل إسرائيل الرهان على التفوق التكنولوجي والعسكري المباشر لمحاولة فرض واقع أمني جديد وإعادة رسم الخرائط الأمنية عند حدودها وفي العمق، مما يراكم عناصر التفجر بدلاً من تفكيكها.
​ما يزيد المشهد تعقيداً هو أن هذا التنافس الإقليمي يتقاطع باستمرار مع حسابات القوى العظمى؛ إذ تواجه واشنطن صعوبة بالغة في التوفيق بين رغبتها في تركيز جهودها نحو منافسة الصين، وبين اضطرارها للتدخل لحماية حلفائها وحرية الملاحة البحرية. وفي الوقت ذاته، تستغل موسكو وبيكين هذا الارتباك لتثبيت أقدامهما عبر بوابات الطاقة والتجارة والاستثمار والدبلوماسية الهادئة. والأخطر من تعدد اللاعبين هو التحول الجذري في أدوات الصراع؛ حيث أتاحت الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية واستهداف سلاسل الإمداد إمكانية نقل المعركة إلى العمق بتكلفة منخفضة، مما أربك المفاهيم التقليدية للردع وأسقط قواعد الاشتباك القديمة دون الاتفاق على قواعد جديدة.

في نهاية المطاف، يدرك المتابع الدقيق أن لعبة تكسير العظام الحالية لن تسفر عن غالب ومغلوب بالمعنى المباشر، فالسير المستمر على "حافة الهاوية" قد يحقق مكاسب تكتيكية عابرة، لكنه يضع الجميع على مسافة خطوة واحدة من صراع واسع النطاق لا يستطيع أحد تحمّل تبعاته الاقتصادية والسياسية. يبقى الخروج من هذه الحلقة المفرغة مرهوناً بالوصول إلى قناعة حتمية بأن الأمن في الشرق الأوسط لا يمكن تجزئته، وأن هندسة معمار أمني جديد يقوم على توازن المصالح والاعتراف بحدود القوة هو البديل الوحيد لخيار الإنهاك المتبادل.