دلال البزري: حين تصبح اللغة وطناً

ثقافة - Foresight

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها الذاتية «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026)، لم تكن تستعيد وقائع حياة امتدت عبر عقود ومدن وبلدان فحسب، بل كانت تعيد مساءلة معنى الانتماء نفسه؛ انتماء الإنسان إلى وطنه، وإلى ذاكرته، وإلى اللغة التي يتشكل داخلها وعيه بالعالم. ولعل اللغة تبدو في هذه السيرة أكثر من مجرد أداة للتواصل أو وعاء للكتابة؛ إنها مساحة تتقاطع فيها الهوية والذاكرة والمنفى والاختيار، وتتحول، مع الزمن، من قدر أولي إلى قرار واعٍ.

تبدو علاقة البزري باللغة وثيقة الصلة بحياتها المتنقلة. فالإنسان، في بداياته، لا يختار اللغة التي يرى العالم من خلالها؛ إنها تسبقه إليه، وتمنحه مفرداته الأولى، وتحدد له، إلى حد بعيد، أسماء الأشياء وصور الأشخاص ومعاني الأمكنة. لكن هذا القدر الأولي لا يظل ثابتاً بالضرورة. فكل انتقال جغرافي أو ثقافي يمكن أن يفتح شقاً في اللغة الأولى، يسمح للغات أخرى بالدخول، ثم يعيد تشكيل العلاقة بالذات وبالآخر. وهذا تحديداً ما تكشفه سيرة البزري: رحلة طويلة من لغة موروثة بالميلاد إلى لغة مختارة بالوعي.

ولدت البزري في دكار بالسنغال لأبوين لبنانيين، وكانت الفرنسية لغتها الأولى، وهي اللغة التي كانت تحيط بها في البيت والمدرسة والشارع. كانت الأم تتحدث الفرنسية والعربية والإنجليزية ولغة «الوُلف» المحلية، بينما كان الأب، على الرغم من ميوله العروبية الناصرية، يخاطب أبناءه بالفرنسية، بدافع من الكسل أو «الاستعجال»، كما تقول الساردة. وهكذا لم تكن الفرنسية في طفولتها اختياراً ثقافياً، بل كانت ببساطة لغة الحياة اليومية؛ اللغة التي تُفهم بها الأشياء وتُسمّى، والتي تتكون عبرها البدايات الأولى للوعي.

أما العربية، فكانت حاضرة بطريقة مختلفة. كانت تأتي من أسطوانات محمد عبد الوهاب، ومن أحاديث الوالدين، ومن بعض الإشارات العابرة إلى لبنان والعالم العربي، لكنها لم تكن بعد لغة معيشة. كانت أشبه بأرشيف عائلي حميم، تختلط فيه النبرة بالموسيقى والحنين، من دون أن يتحول إلى نظام لغوي متكامل تستطيع الطفلة أن تسكنه. لذلك بدت الفرنسية أكثر مباشرة وقدرة على إنتاج المعنى، بينما ظلت العربية، في وعيها المبكر، لغة بعيدة ومحمّلة بإيحاءات عاطفية أكثر مما هي أداة يومية للتفكير.

لكن انتقال الأسرة إلى الدار البيضاء غيّر المعادلة. هناك بدأت العربية، ولهجاتها المختلفة، تقترب من التجربة اليومية. التقطت الطفلة المغربية من الشارع والمدرسة والمحيط الاجتماعي، كما بدأت تتشكل لديها ذاكرة لغوية جديدة. ومع ذلك، ظل حضور الفرنسية قوياً، خصوصاً في المدرسة التي تصفها البزري باعتبارها فضاءً فرنسياً شبه مكتمل: المعلمون فرنسيون، والمناهج فرنسية، واللغة السائدة هي الفرنسية، بينما كان المغاربة أقلية داخل ذلك العالم، ومعهم عدد محدود من اليهود.

هكذا لم تكن رحلة اللغة منفصلة عن رحلة المكان. فكل مدينة تركت في وعيها طبقة لغوية وثقافية، وكل انتقال أضاف مفردات جديدة إلى خريطتها الداخلية. ومن دكار إلى الدار البيضاء، ثم إلى بيروت، وبعدها القاهرة والكويت، لم تكن البزري تنتقل بين الجغرافيا وحدها؛ كانت تنتقل أيضاً بين أنظمة لغوية ورمزية واجتماعية مختلفة. ولذلك تبدو السيرة، في جانب أساسي منها، تاريخاً للترحال بين اللغات بقدر ما هي تاريخ للترحال بين المدن.

ومع تقدم العمر، ارتبط التحول اللغوي بالنضج الفكري والسياسي. فالبزري لم تنتقل إلى العربية بوصفها خياراً مدرسياً أو قومياً مجرداً، وإنما في سياق أوسع من إعادة بناء الذات والانخراط في الحياة العامة. ومع دخولها الجامعة، ثم انغماسها في العمل السياسي والنشاط اليساري داخل «منظمة العمل الشيوعي اللبناني»، أصبحت اللغة جزءاً من ممارسة اجتماعية وسياسية يومية. لم تعد الكلمات مجرد مفردات يتعلمها الفرد، وإنما أصبحت وسيلة للمشاركة، والجدل، والإقناع، والتعبير عن الموقف.

هنا يأخذ الانتقال من الفرنسية إلى العربية معنى يتجاوز المسألة اللغوية. إنه انتقال من لغة النخبة التعليمية إلى لغة المجال الاجتماعي والسياسي، ومن لغة تشكلت فيها البدايات الأولى للوعي إلى لغة اختارتها صاحبة السيرة لتخاطب بها مجتمعها وتثبت داخل فضائه حضورها الفكري. كانت العربية، بهذا المعنى، جزءاً من بناء الذات لا مجرد وسيلة للتعبير عنها.

ولعل هذه النقطة تفسر خصوصية تجربة البزري. فهي لم تتخلَّ عن الفرنسية، ولم تتعامل معها باعتبارها لغة ينبغي التخلص منها كي تكتمل هويتها العربية. على العكس، ظلت الفرنسية حاضرة في تكوينها الثقافي والجمالي والفكري. لكنها أعادت ترتيب العلاقة بين اللغتين، بحيث لم تعد الفرنسية هي المركز والعربية هامشاً، وإنما أصبح الاثنان مجالين متداخلين للتفكير والكتابة.

تقول البزري: «أحب الفرنسية، أستمتع بأدبها وحتى بخطابات زعمائها، أناقة لغتهم وثرائها. وأستفيد كثيراً من ترجماتها... وأنا أتنقل بين اللغتين، العربية والفرنسية. أبحث عن الكلمة الأصح والأدق...». وفي هذه الحركة بين اللغتين تتضح إحدى أهم سمات تجربتها: لم تعد اللغة الأولى سجناً، ولم تصبح اللغة الثانية بديلاً إقصائياً؛ بل تحولت اللغتان إلى أداتين للمقارنة والتدقيق وإنتاج المعنى.

واللافت أن البزري تصف مع الزمن انقلاباً في اتجاه البحث عن المعنى: فبعد أن كانت تنتقل من الفرنسية إلى العربية بحثاً عن المقابل أو التفسير، أصبحت تبحث عن معنى العربية في الفرنسية. وهذه ليست مجرد ملاحظة لغوية عابرة، وإنما علامة على تحول أعمق في مركز الثقل داخل وعيها. فقد أصبحت العربية، التي بدأت حياتها بوصفها لغة بعيدة وملتبسة، لغة يمكن أن تنطلق منها إلى لغة أخرى.

من هنا تصبح اللغة في «الغار والزيتون» أشبه بسيرة داخل السيرة. فكلما تقدمت الأحداث، ظهرت اللغة باعتبارها مرآة للتحول الشخصي. الانتقال من مدرسة إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، ومن التعليم إلى السياسة، ومن العمل الأكاديمي إلى الصحافة والكتابة، كلها مراحل أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة باللغة. ولم يكن اكتساب العربية منفصلاً عن اكتساب العالم العربي نفسه؛ فاللغة كانت تقترب كلما اقتربت التجربة، وكانت تصبح أكثر تلقائية كلما اتسعت المشاركة في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية.

وهذا ما يمنح السيرة بعداً يتجاوز قصة فردية. فهي تضيء تجربة جيل كامل من المثقفين العرب الذين وجدوا أنفسهم في النصف الثاني من القرن العشرين أمام مفارقة ثقافية عميقة: الفرنسية والإنجليزية بوصفهما لغتي الحداثة والتعليم والنخبة، والعربية بوصفها لغة المجتمع والهوية والذاكرة. لكن البزري لا تقدم المسألة في صورة صراع بين لغتين، بل في صورة مفاوضة طويلة بين ذوات متعددة داخل الشخص نفسه.

ولذلك فإن عودتها إلى العربية لا تبدو عودة أيديولوجية إلى «الأصل»، بقدر ما تبدو محاولة للعثور على لغة تستطيع أن تلتصق بالحياة. العربية التي تبحث عنها ليست عربية معيارية جامدة أو لغة أصولية مغلقة، وإنما لغة يومية متحركة، تتغذى من اللهجات ومن الاحتكاك الاجتماعي ومن التجربة السياسية ومن التفاصيل الصغيرة. إنها العربية بوصفها توأماً للحياة، لا بوصفها نصباً تذكارياً للهوية.

وتتصل هذه الرؤية أيضاً بطبيعة الشخصية التي تكشفها السيرة. فالبزري، كما يشير الطاهر لبيب في مقدمة الكتاب، شخصية «متمردة»، لا تتردد في مراجعة ذاتها وإظهار عدم رضاها عنها. ولذلك لا تبدو الكتابة عندها احتفالاً بالمسار الشخصي، بقدر ما تبدو مساءلة له. إنها تستعيد نجاحاتها وإخفاقاتها، انخراطاتها السياسية وخيباتها، انتقالاتها وانقطاعاتها، كما تستعيد علاقتها باللغة بوصفها واحدة من أكثر مناطق الذات التباساً.

ومن اللافت أن هذه السيرة كتبت بعد مغادرة البزري بيروت إثر انفجار المرفأ، واستقرارها في تورنتو إلى جوار ابنتها. كأن الرحيل الأخير أعاد فتح كل الرحلات السابقة. وبعد عقود من الانتقال بين المدن والبلدان، وجدت نفسها تستعيد مسار حياتها من موقع جغرافي جديد، بعيد عن المدينة التي ظلت، رغم الحرب والانقسام والطائفية والانهيارات المتتالية، مركزاً أساسياً في ذاكرتها.

في هذا السياق، يبدو «الغار والزيتون» أشبه بمحاولة لترتيب الذاكرة قبل أن تصبح أبعد منالاً. فالوطن الذي تعود إليه البزري في الكتاب ليس وطناً مثالياً، وإنما وطن مثقل بالحروب والانقسامات والطائفية والانكسارات. وكذلك العالم العربي الذي عبرته في مسيرتها لا يظهر بوصفه فضاءً متجانساً، بل باعتباره مجالاً واسعاً من التناقضات والتحولات وخيبات المشروع السياسي والاجتماعي.

ومع ذلك، لا تأتي الكتابة محمّلة بالمرارة وحدها. ثمة رغبة واضحة في استعادة التجربة كما عاشت، بكل ما فيها من تناقضات ومفارقات، وبأقل قدر ممكن من التجميل. ولهذا تبدو لغة الكتاب مقتصدة وكثيفة، حادة أحياناً، ومباشرة في مواضع كثيرة، كأن صاحبة السيرة لا تريد أن تضيف إلى الحياة زخرفة لا تحتاجها.

ومن المفارقات اللافتة أن المرأة التي أمضت حياتها في البحث عن اللغة التي تستطيع أن تقول بها ذاتها، اختارت في نهاية المسار أن تكتب سيرتها بالعربية؛ اللغة التي لم تكن لغتها الأولى، لكنها أصبحت، بعد رحلة طويلة، مسكنها الرمزي. وفي ذلك ربما تكمن المفارقة الأجمل في الكتاب: أن الإنسان قد يولد في لغة، ويعيش بلغات، لكنه لا يجد بالضرورة لغته الحقيقية إلا بعد أن يقطع مسافة طويلة بينهما.

لذلك يمكن قراءة «الغار والزيتون» بوصفه كتاباً عن اللغة بقدر ما هو كتاب عن الحياة. إنه سيرة امرأة تنقلت بين الجغرافيا والهويات والتيارات الفكرية، لكنها كانت في كل محطة تعيد صياغة علاقتها بالكلمات. وفي النهاية، لم تعد اللغة مجرد وسيلة لحكي الماضي، بل أصبحت الطريقة التي استعادت بها صاحبة السيرة حقها في النظر إلى ذلك الماضي، ومساءلته، والاختلاف معه، والتصالح مع بعض وجوهه.

وبعد نشر الكتاب بأشهر قليلة، أعلنت البزري عبر صفحتها على «فيسبوك» إصابتها بالسرطان. عند هذه النقطة اكتسبت السيرة، بأثر رجعي، معنى إضافياً؛ فقد بدت كأنها كشف حساب شخصي وفكري، محاولة لتخفيف عبء السنين عن الجسد والذاكرة معاً. وبين الغار والزيتون، بين ما هو راسخ وما هو عابر، بين الوطن والرحيل، وبين الفرنسية التي بدأت بها والعربية التي انتهت إليها، تبدو سيرة دلال البزري في جوهرها سؤالاً مفتوحاً عن الإنسان حين يحاول أن يجد مكانه في العالم، لا في الجغرافيا وحدها، وإنما في الكلمات أيضاً.