بث تجريبي

الغموض النووي الصيني: كيف تعيد بكين صياغة ميزان الردع العالمي؟

تقارير وملفات - Foresight

لم تعد الزيادة المتسارعة في القدرات النووية الصينية مجرد قضية تتعلق بالأرقام أو بحجم الترسانة العسكرية، بل أصبحت أحد أبرز المؤشرات على التحول العميق الذي يشهده النظام الدولي في مرحلة الانتقال من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية. فالصين، التي حرصت لعقود على تقديم نفسها باعتبارها قوة نووية "معتدلة" تعتمد سياسة الردع الدفاعي والحد الأدنى من القدرات النووية، تبدو اليوم وكأنها تعيد رسم فلسفتها الاستراتيجية بما يتناسب مع مكانتها كقوة عظمى تنافس الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي.

ورغم استمرار بكين في التأكيد أن سياستها النووية لم تتغير، وأنها ما زالت ملتزمة بمبدأ "عدم البدء باستخدام السلاح النووي"، فإن التطورات الميدانية تشير إلى واقع مختلف. فالتوسع في بناء صوامع الصواريخ، وتسريع إنتاج الرؤوس النووية، واستكمال مكونات الثالوث النووي، وإجراء تجارب صاروخية بعيدة المدى، جميعها تعكس انتقال الصين من مرحلة الاكتفاء بالردع الرمزي إلى مرحلة بناء ردع استراتيجي متكامل قادر على الصمود في مواجهة أي صراع طويل مع الولايات المتحدة.

ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن البيئة الأمنية التي تشكلت خلال العقد الأخير. فقد دفعت المنافسة المتصاعدة مع واشنطن، والتوترات المستمرة في بحر الصين الجنوبي، وأزمة تايوان، وتعاظم القدرات العسكرية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، القيادة الصينية إلى إعادة تقييم فرضياتها الأمنية التقليدية. فمن وجهة نظر بكين، لم يعد امتلاك ترسانة نووية محدودة كافياً لضمان الردع، خصوصاً في ظل تطور أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية وقدرات الضربة التقليدية الدقيقة التي قد تستهدف البنية النووية الصينية في الساعات الأولى لأي مواجهة.

لهذا السبب، تبدو الاستثمارات الصينية في مئات صوامع الصواريخ الجديدة جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تعزيز القدرة على تنفيذ "الضربة الثانية"، أي ضمان الاحتفاظ بقدرة نووية كافية للرد حتى بعد التعرض لهجوم نووي مباغت. وتعد هذه القدرة حجر الزاوية في أي منظومة ردع مستقرة، لأنها تقنع الخصم بأن أي محاولة لتوجيه ضربة استباقية لن تمنعه من تلقي رد مدمر.

غير أن اللافت في السياسة الصينية هو استمرارها في الجمع بين الغموض والرسائل الاستراتيجية. فمن ناحية، ترفض بكين الكشف عن الحجم الحقيقي لترسانتها النووية أو خططها المستقبلية، وتصف التقديرات الغربية بأنها تكهنات سياسية، ومن ناحية أخرى، لا تتردد في استعراض قدراتها بصورة مدروسة عندما ترى أن البيئة الاستراتيجية تتطلب ذلك. فإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات فوق المحيط الهادئ، ثم الكشف عن الثالوث النووي المكتمل خلال العرض العسكري في بكين، لم يكونا مجرد استعراض للقوة، بل رسالتين سياسيتين موجهتين إلى واشنطن وحلفائها مفادهما أن الصين أصبحت تمتلك أدوات الردع التي تؤهلها لخوض منافسة استراتيجية طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، تبدو العقيدة النووية الصينية أكثر تعقيداً مما تعلنه البيانات الرسمية. فمبدأ "عدم البدء باستخدام السلاح النووي" لا يعني بالضرورة أن بكين تكتفي بالدفاع السلبي، بل إنه يوفر لها شرعية سياسية وأخلاقية على المستوى الدولي، بينما تستمر في الوقت ذاته في تطوير القدرات التي تجعل هذا التعهد قابلاً للتنفيذ. فالمشكلة الأساسية في الردع النووي لا تتعلق بإعلان النوايا، وإنما بقدرة الدولة على إقناع خصومها بأنها ستحتفظ بقدرتها على الرد مهما كانت طبيعة الهجوم الأول.

وتفسر هذه المعادلة سبب رفض الصين المستمر الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية للحد من التسلح مع الولايات المتحدة وروسيا. فمن منظور بكين، لا تزال الفجوة الكمية بين ترسانتها النووية وترسانتي القوتين النوويتين الأكبر في العالم واسعة للغاية، وبالتالي فإن أي اتفاق يفرض قيوداً متساوية على الجميع سيكرس التفوق النووي الأمريكي والروسي بدلاً من تحقيق التوازن. لذلك تصر الصين على أن المسؤولية الرئيسية عن خفض الأسلحة النووية تقع على عاتق واشنطن وموسكو، باعتبارهما تمتلكان معظم الرؤوس النووية في العالم.

لكن القراءة الأمريكية لهذا الموقف تختلف جذرياً. إذ ترى واشنطن أن التوسع النووي الصيني لا يهدف فقط إلى تحقيق توازن دفاعي، وإنما يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع القوة العالمية. فامتلاك قوة نووية أكبر يمنح الصين هامشاً أوسع للتحرك في الملفات الإقليمية، ولا سيما تايوان وبحر الصين الجنوبي، ويقلل من فاعلية الردع الأمريكي التقليدي، ويزيد كلفة أي تدخل عسكري محتمل في شرق آسيا.

ومن هنا، فإن القضية لم تعد تتعلق بعدد الرؤوس النووية التي تمتلكها الصين، بل بطبيعة البيئة الاستراتيجية التي تسعى إلى بنائها. فبكين تدرك أن المنافسة مع الولايات المتحدة لن تُحسم في معركة واحدة، وإنما في سباق طويل على النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة العسكرية. وفي مثل هذا السياق، تصبح الترسانة النووية بمثابة شبكة أمان استراتيجية تحمي بقية عناصر القوة الصينية، وتمنح القيادة السياسية حرية أكبر في إدارة الصراعات الإقليمية دون خشية من الضغوط العسكرية الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، تكشف السياسة النووية الصينية عن مفارقة لافتة؛ فهي تحاول طمأنة المجتمع الدولي عبر التمسك بخطاب الردع الدفاعي وعدم البدء باستخدام السلاح النووي، بينما تواصل عملياً بناء بنية تحتية نووية تقترب تدريجياً من معايير القوى النووية الكبرى. وهذا التناقض الظاهري لا يعكس ازدواجية في السياسة بقدر ما يعبر عن محاولة صينية للجمع بين متطلبات الصعود الدولي والحفاظ على الصورة التي بنتها لنفسها باعتبارها قوة مسؤولة لا تسعى إلى الهيمنة.

غير أن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر استراتيجية متزايدة. فكل خطوة صينية لتعزيز قدراتها النووية تدفع الولايات المتحدة إلى الاستثمار بصورة أكبر في أنظمة الدفاع الصاروخي، وتحديث ترسانتها النووية، وتعزيز تحالفاتها العسكرية في آسيا، وهو ما يدفع بكين بدورها إلى تسريع برامجها العسكرية، لتدخل القوتان في حلقة متصاعدة من سباق التسلح قد تكون أكثر تعقيداً من سباق الحرب الباردة، نظراً لتشابك المصالح الاقتصادية بينهما، واتساع مجالات المنافسة لتشمل التكنولوجيا والفضاء والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد العالمية.

في المحصلة، لا تسعى الصين إلى تحقيق تفوق نووي على الولايات المتحدة في المستقبل المنظور، بقدر ما تسعى إلى إزالة أي إمكانية لابتزازها استراتيجياً أو حرمانها من حرية الحركة في محيطها الإقليمي. ولهذا فإن التوسع النووي الصيني ينبغي أن يُقرأ باعتباره جزءاً من مشروع أشمل لإعادة صياغة توازن القوى العالمي، وليس مجرد تحديث تقني لترسانة عسكرية. ومع استمرار احتدام المنافسة بين واشنطن وبكين، سيغدو الملف النووي أحد أهم مؤشرات شكل النظام الدولي المقبل، وربما أحد أكثر عناصره حساسية، ليس بسبب احتمال اندلاع حرب نووية، وإنما لأنه يعيد تعريف قواعد الردع والتوازن بين القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين.