بث تجريبي

الصين واليابان تعيدان ضبط استراتيجياتهما التجارية عبر ممر بحر قزوين

تقارير وملفات - كمال بخاري
كمال بخاري
زميل أول مقيم في مجلس سياسة الشرق الأوسط، ومدير أول في معهد New Lines Institute for Strategy and Policy بواشنطن.

شكّلت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في أرمينيا خلال شهر يونيو ضربة قوية للمحاولة الروسية الرامية إلى إعادة بسط نفوذها على منطقة جنوب القوقاز، ولم تقتصر تداعيات هذه النتائج على موسكو وواشنطن وبروكسل فحسب.

فبالنسبة لكل من بكين وطوكيو، اللتين عززتا بهدوء حضورهما في المنطقة باعتبارها جسرًا بريًا يربط آسيا بأوروبا، فإن نتائج الانتخابات، التي كرّست استمرار رئيس الوزراء نيكول باشينيان في السلطة، تحمل دلالات جيواقتصادية بالغة الأهمية.

ويعكس الفوز الحاسم الذي حققه باشينيان رفضًا شعبيًا واضحًا للمعسكر المؤيد للكرملين، كما يمثل إخفاقًا كبيرًا لمحاولة موسكو إيصال قيادة أكثر قربًا منها إلى الحكم في يريفان. وبالقدر نفسه، يُعد هذا التطور انتكاسة لإيران أيضًا، التي كانت تُعد من أبرز الداعمين لأرمينيا انطلاقًا من عدائها المشترك لأذربيجان. فالمجتمع الأذربيجاني، الذي يشكل الشيعة غالبية سكانه لكنه يتبنى نظامًا علمانيًا، يمثل في حد ذاته نقيضًا للنموذج الإسلامي السلطوي الذي تفرضه طهران.

وترتبط كل من روسيا وإيران باتفاقيات دفاعية وأمنية وشراكة إقليمية تستند إلى معارضة مشتركة للنفوذ الغربي والتركي، وهي الرؤية التي رفضها الناخب الأرمني بصورة واضحة في هذه الانتخابات. وفي ظل ما تعانيه روسيا من استنزاف نتيجة الحرب في أوكرانيا، وانشغال إيران بمواجهتها المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أصبحت القوتان التقليديتان في جنوب القوقاز أكثر تقييدًا من أي وقت مضى خلال العقود الأخيرة.

ويكتسب هذا الفراغ أهمية استثنائية بالنسبة للاقتصادات الآسيوية التي أمضت السنوات الماضية في البحث عن ممرات تجارية لا تمر عبر الأراضي الروسية أو الإيرانية.

معضلة الممر الأوسط

منذ عام 2022، كثفت الصين جهودها الدبلوماسية والتجارية لتطوير «الممر الأوسط»، وهو الطريق العابر لبحر قزوين الذي يربط الصين بأوروبا مرورًا بآسيا الوسطى وبحر قزوين وجنوب القوقاز وتركيا، متجاوزًا عمدًا خطوط السكك الحديدية الروسية الخاضعة للعقوبات. وتنظر بكين إلى هذا الممر باعتباره وسيلة تحوط لمبادرة الحزام والطريق، بما يضمن استمرار تدفق البضائع نحو الغرب حتى في حال استمرار العقوبات المفروضة على روسيا. كما يمكن أن يتحول هذا الممر إلى شريان استراتيجي طويل الأمد إذا اندلع صراع واسع مع الغرب.

وقد ظلت كل من جورجيا وأذربيجان تمثلان عقدتين محوريتين في هذه الاستراتيجية، غير أن أرمينيا، التي كانت تاريخيًا خارج الحسابات الرئيسية، بدأت تكتسب أهمية متزايدة مع تنامي التقارب الجورجي مع روسيا. ومن اللافت في هذا السياق انسحاب شركة صينية مؤخرًا من مشروع تطوير ميناء أناقليا العميق على ساحل البحر الأسود في جورجيا.

ومن شأن التوصل إلى سلام دائم بين أرمينيا وأذربيجان، يستند إلى «مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي»، أن يفتح مسارات عبور جديدة عبر الأراضي الأرمينية، ويعزز استقرار الممر التجاري الذي تراهن عليه شركات الخدمات اللوجستية والمخططون الحكوميون في الصين.

غير أن هذا الاستقرار سيتحقق وفق ترتيبات تضعها واشنطن بدرجة أكبر من بكين، وهو تطور لن يلقى ترحيبًا كاملاً لدى صناع القرار الصينيين، رغم استفادتهم من الاستقرار الإضافي الذي سيوفره. ومن المرجح أن تواصل الصين استثماراتها الهادئة في البنية التحتية بآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز للحفاظ على نفوذها في مستقبل هذا الممر، بينما تترك للولايات المتحدة تحمل التكلفة الدبلوماسية لوساطة السلام.

استراتيجية اليابان الهادئة لتنويع مسارات التجارة

أما اليابان، فإن مصالحها لا ترتبط بالمنافسة حول مبادرة الحزام والطريق بقدر ما ترتبط بتنويع سلاسل الإمداد. فقد عملت طوكيو خلال السنوات الأخيرة على تعميق علاقاتها مع دول آسيا الوسطى عبر منصة «آسيا الوسطى + اليابان»، بهدف تقليل الاعتماد على الطرق التجارية التي تهيمن عليها الصين، إلى جانب تنويع مصادر الحصول على المعادن الحيوية وموارد الطاقة.

ويجعل استقرار جنوب القوقاز، بعد تراجع احتمالات تجدد الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، وتراجع فرص تعطيله من قبل روسيا أو إيران، الممر البري الواصل إلى أوروبا والخليج أكثر جاذبية بالنسبة للشركات التجارية والمصنعين اليابانيين الساعين إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الممرات الروسية أو الصينية.

ويزيد ضعف إيران من أهمية هذا التوجه، إذ طالما مثّلت طهران، رغم محدودية دورها، شريكًا بديلًا في مجالي النقل والطاقة بالنسبة للاقتصادات الآسيوية التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على طرق الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. إلا أن الضغوط التي تواجهها إيران على حدودها الشمالية، إلى جانب تزايد عزلتها في منطقة الخليج، تجعلها شريكًا أقل موثوقية، الأمر الذي يدفع مخططي الطاقة في آسيا، بمن فيهم الصينيون رغم شراكتهم الاستراتيجية الممتدة لـ25 عامًا مع طهران، إلى تسريع جهود تنويع الممرات البرية عبر القوقاز وآسيا الوسطى.

المعركة الدستورية المقبلة

ومع ذلك، فإن هذه التطورات لا تزال بعيدة عن الحسم. فنتائج الانتخابات الأرمينية تمثل بداية لمسار جديد وليست نهايته.

فقد حصل حزب «العقد المدني» بزعامة باشينيان على 49.8% من الأصوات، بما منحه 64 مقعدًا من أصل 105 مقاعد في البرلمان، وهو ما يكفل له الاحتفاظ بالأغلبية، لكنه لا يمنحه أغلبية الثلثين اللازمة لإجراء تعديلات دستورية، الأمر الذي يعقد جهود إتمام اتفاق سلام نهائي مع أذربيجان.

وقد اشترطت أذربيجان موافقتها على الاتفاق إدخال تعديل على الدستور الأرميني لإزالة أي نصوص يمكن تفسيرها باعتبارها مطالبة بإقليم ناغورنو كاراباخ، الذي استعادت باكو السيطرة عليه عام 2023.

ورغم أن الدستور الأرميني لا يتضمن نصًا مباشرًا يطالب بأراضٍ أذربيجانية، فإن الإشكالية تكمن في ديباجته، التي تتبنى مبادئ وأهداف إعلان الاستقلال الأرميني لعام 1990، وهو الإعلان الذي يشير صراحة إلى قرار الأول من ديسمبر 1989 بشأن «إعادة توحيد» أرمينيا وناغورنو كاراباخ، وهو إقليم معترف به دوليًا بوصفه جزءًا من أذربيجان. ونتيجة لذلك، يرتبط الإطار الدستوري الأرميني بوثيقة تأسيسية تتضمن مطالبة بأراضٍ أذربيجانية.

ومن دون تعديل دستوري، فإن أي اتفاق سلام سيظل عرضة للإلغاء من قبل أي حكومة مستقبلية، وهو ما يقوض الاستقرار طويل الأمد الذي تحتاج إليه الاقتصادات الآسيوية قبل ضخ استثمارات كبيرة في المنطقة.

وتجدر الإشارة إلى أن تعديل الدساتير لتحقيق السلام ليس أمرًا استثنائيًا في العلاقات الدولية؛ فقد سبق للعديد من الدول تعديل قوانينها الأساسية خدمةً لمصالحها الاستراتيجية. ويُعد تعديل الدستور الإيرلندي في إطار اتفاق الجمعة العظيمة المثال الأبرز، حيث أصبح حجر الأساس لتسوية النزاع مع المملكة المتحدة. كما أصرت اليونان لسنوات على إدخال تعديلات دستورية في مقدونيا، وهو ما مهد لاحقًا لاتفاق بريسبا وفتح الطريق أمام انضمام مقدونيا الشمالية إلى المؤسسات الأوروبية والأطلسية.

ويرجح الكاتب أن يتمثل الخيار الأكثر واقعية أمام باشينيان في تشكيل ائتلاف محدود يركز فقط على التعديلات الدستورية المرتبطة باتفاق السلام، مع تقديمها باعتبارها متطلبات فنية لتحقيق التطبيع الدولي، وليس تنازلات سياسية. وستحدد قدرته على تأمين الأصوات الإضافية المطلوبة ما إذا كان التوجه الأرميني نحو الغرب، والانفتاح الأوسع لممر جنوب القوقاز، سيصبحان واقعًا لا رجعة فيه.

لماذا ينبغي لآسيا أن تتابع هذه التطورات؟

بالنسبة للحكومات والشركات الآسيوية التي تخطط لمسارات التجارة والطاقة وتدفقات المعادن خلال العقد المقبل، فإن الصراع الدستوري الدائر في أرمينيا ليس مجرد قضية داخلية لدولة من دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، بل يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة أحد أهم الممرات البديلة بين آسيا وأوروبا على تحقيق الاستقرار، ولتحديد الطرف الذي سيضع قواعد هذا الممر.

ولدى كل من الصين واليابان دوافع قوية لنجاح عملية السلام، حتى وإن لم تكن أي منهما قادرة على التحكم في مسارها. ففي الوقت الذي تبذل فيه موسكو جهودًا حثيثة لإفشال هذا المسار، وتراقب طهران التطورات بقلق متزايد، سيكون من الحكمة أن تتابع بكين وطوكيو هذه التطورات بالقدر نفسه من الاهتمام، وأن تعملا على دعم قيام جنوب قوقاز أكثر استقرارًا وفاعلية، بما يخدم مصالح التجارة الإقليمية والدولية.