دور لتصنيفات الأداء المناخي في تحديد الدول التي تحقق أداءً جيداً؟
كتب: شيراغ دهارا، كمال موراري، وسيباستيان بلوك
حتى منتصف القرن السادس عشر، كانت الملاحة في أعالي البحار عملية معقدة بسبب عدم تطابق الخرائط آنذاك مع اتجاهات البوصلة، ما كان يفرض على البحارة إجراء تصحيحات مستمرة للمسار.
وفي عام 1569، قدم رسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس مركاتور إسقاطاً خرائطياً أحدث تحولاً كبيراً في علم رسم الخرائط، إذ مكّن البحارة من تحديد اتجاه واحد والحفاظ عليه طوال الرحلة. لكن هذا الإسقاط تضمن سمة لافتة تمثلت في المبالغة بشدة في أحجام مناطق اليابسة الشمالية، فجعل أوروبا وأمريكا الشمالية تبدوان أكبر بكثير مقارنة بأفريقيا وأمريكا الجنوبية.
وخلال القرون التالية، انتقل إسقاط مركاتور من السفن إلى الفصول الدراسية، وأصبح النموذج القياسي في الكتب المدرسية حول العالم. وأسهم التشويه في أحجام القارات الذي أظهرته هذه الخرائط في تشكيل التصور الجغرافي لأجيال من الطلاب، وأدى من دون قصد إلى ترسيخ رؤية تتمحور حول أوروبا.
وتحمل هذه الحكاية درساً مستمراً: حتى الخيارات التقنية البحتة، التي تُتخذ من دون قصد أيديولوجي، يمكن أن تحمل في داخلها رؤى معينة للعالم، وأن تشكل تصورات مشوهة عندما تُستخدم في سياق مختلف.
وهذا الدرس مهم في أعقاب صدور مؤشر الأداء البيئي لعام 2026 (EPI)، وهو أحد أشهر التصنيفات البيئية في العالم، ويحظى باستشهاد واسع من الحكومات ووسائل الإعلام والمؤسسات الدولية.
ففي نسخة 2026، يصنف مؤشر الأداء البيئي الدول الأوروبية باعتبارها صاحبة أفضل أداء بيئي في العالم، بينما تشغل دول من الجنوب العالمي معظم المراتب الأخيرة.
لكن ما لا يحظى بالقدر الكافي من الاهتمام هو أن أي مؤشر من هذا النوع يعتمد بدرجة كبيرة على خيارات ذاتية تدخل في عملية بنائه، مثل المؤشرات التي يتم اختيارها، والأوزان التي تُمنح لكل منها، والمعايير المرجعية التي يتم تطبيقها.
وعلى الرغم من أن هذه الخيارات غالباً ما تُقدَّم باعتبارها قرارات تقنية بحتة، فإنها تحمل بالضرورة أحكاماً قيمية لها آثار واقعية.
فعلى سبيل المثال، يصنف مؤشر الأداء البيئي لعام 2026 الولايات المتحدة في المرتبة 43 من أصل 177 دولة في الأداء المناخي، وهي مرتبة مرتفعة نسبياً بالنسبة إلى أكبر مصدر تاريخي للانبعاثات في العالم.
وفي المقابل، يصنف مؤشر أداء تغير المناخ لعام 2026 (CCPI)، وهو مؤشر آخر يحظى باحترام واسع وتنتجه منظمة «جيرمان ووتش» و«معهد المناخ الجديد»، الولايات المتحدة ضمن أسوأ ثلاث دول أداءً، إلى جانب السعودية، والمفارقة، إيران.
فلماذا تصل مؤشّران موثوقان وقائمان على أسس علمية إلى أحكام متباينة بهذا القدر بشأن الدول نفسها؟ وماذا يخبرنا ذلك عن «الأداء المناخي الحقيقي» لأي دولة؟
تتتبع دراسة حديثة أعدها مؤلفو هذا المقال ونُشرت في دورية Climate Policy جزءاً كبيراً من هذا التباين إلى خيار مهم في تصميم منهجية كل مؤشر: ما الوزن الذي يمنحه لانبعاثات الدولة الإجمالية مقارنة بانبعاثاتها لكل فرد؟
يميل القسم الخاص بتغير المناخ في مؤشر الأداء البيئي إلى النهج الأول، إذ يستند إلى حقيقة فيزيائية مفادها أن الغلاف الجوي لا يستجيب إلا للمخزون الإجمالي من غازات الدفيئة المتراكمة فيه، ما يعني أن الانبعاثات المطلقة للدولة هي العامل الحاسم.
وبموجب هذا المنطق، تُعاقب الدول التي تمر بمرحلة التصنيع بسبب ارتفاع انبعاثاتها، بغض النظر عن سياقها التاريخي أو التنموي. فعلى سبيل المثال، فإن تطوير البنية التحتية في الدول «النامية»، التي تشهد تحضراً سريعاً، سيؤدي حتماً إلى مستويات مرتفعة من انبعاثات غازات الدفيئة.
ويجسد هذا النهج جزئياً مبدأ «الملوِّث يدفع».
أما مؤشر أداء تغير المناخ، فيميل إلى النهج الثاني، الذي يستند إلى مبدأ أخلاقي مفاده أن لكل إنسان حقاً متساوياً في الغلاف الجوي باعتباره مورداً مشتركاً ومحدوداً.
وبموجب هذا المنطق، تُعاقب الدول الغنية بسبب ارتفاع انبعاثاتها لكل فرد، بغض النظر عن حجم انبعاثاتها الإجمالية كدولة.
ومن ثم، فإن سبب اختلاف نتائج المؤشرين لا يعود إلى أن أحدهما خاطئ بالضرورة، بل إلى أنهما يطرحان سؤالين مختلفين جذرياً:
هل تتزايد مساهمة هذه الدولة الهامشية في ظاهرة الاحتباس الحراري أم تتراجع؟
مقابل:
هل تستحوذ هذه الدولة على أكثر من نصيبها العادل من المشاعات الجوية؟
عندما تغير المنهجية النتيجة
ولمعرفة مدى تأثير هذا الاختيار في النتائج، قامت الدراسة المنشورة في Climate Policy ببناء نسخة معدلة من القسم الخاص بتغير المناخ في مؤشر الأداء البيئي، واستبدلت فقط المؤشرين الأكثر وزناً فيه بمؤشرات مكافئة تستند إلى مفهوم العدالة، مع الإبقاء على بقية بنية المؤشر دون تغيير.
وكانت النتيجة لافتة؛ إذ انتقلت الدول الأوروبية التي حققت أفضل أداء في النسخة الأصلية من مؤشر الأداء البيئي إلى النصف الأدنى من الترتيب في النسخة المعدلة القائمة على مفهوم العدالة.
إذا كانت الفرضية هي التي تحدد الإجابة، فإن المغالطة الحقيقية تكمن في التعامل مع أي مؤشر باعتباره حكماً علمياً محايداً.
فالمؤشر، في الواقع، هو عملية مشبعة بالقيم بطبيعتها، وتعكس اختيارات ضمنية بشأن ما يعتبره مطورو المؤشر عادلاً، وعاجلاً، وقابلاً للقياس.
ولا يمكن لأي مؤشر منفرد أن يدعي أنه يمثل بصورة موضوعية أفضل الدول وأسوأها في الأداء المناخي، تماماً كما لا يمكن لإسقاط خرائطي واحد أن يدعي أنه أفضل تمثيل ممكن للعالم.
وهذه ليست مجرد مسألة أكاديمية.
ففي عام 2022، رفضت الحكومة الهندية مؤشر الأداء البيئي باعتباره «غير علمي»، بينما رفض رئيس الوزراء الأسترالي آنذاك مؤشر أداء تغير المناخ في عام 2019 لأسباب مماثلة.
وفي الحالتين، كان الاعتراض في جوهره موجهاً إلى إطار معياري قُدِّم في صورة حكم واقعي، وليس بالضرورة إلى خطأ في البيانات نفسها.
والواقع أن اختيار المؤشر الذي ينبغي إنشاؤه، أو المؤشر الذي ينبغي الوثوق به، يمثل في حد ذاته فعلاً سياسياً دقيقاً.
لا يوجد منظور واحد للأداء المناخي
في نهاية المطاف، علينا أن نستوعب حقيقة أن وجهات النظر المتعددة، التي قد تبدو أحياناً غير قابلة للتوفيق، يمكن أن تتعايش في التعامل مع المشكلات الاجتماعية والبيئية المعقدة، وأن يكون لكل منها في الوقت نفسه أساس يمكن الدفاع عنه ضمن منطقه الخاص.
ومن ثم، فإن النقاش حول الأداء المناخي سيكون أكثر فائدة إذا قام مطورو المؤشرات بدراسة تداعيات خياراتهم المنهجية، والإفصاح عنها بشفافية.
وبالمثل، ينبغي لمؤسسات الحوكمة وصانعي السياسات ووسائل الإعلام مقاومة إغراء الاعتماد على مؤشر واحد، والرجوع بدلاً من ذلك إلى مجموعة من المؤشرات التي تمثل وجهات نظر متعددة، من أجل الوصول إلى فهم أكثر دقة وتعقيداً.
فعلى سبيل المثال، يمكن قراءة الأداء الضعيف للهند في مؤشر الأداء البيئي باعتباره ضرورة لخفض انبعاثاتها، بينما يمكن قراءة أدائها الأفضل في مؤشر أداء تغير المناخ باعتباره حقاً في الحصول على تمويل دولي للمناخ.
لقد أدى إسقاط مركاتور إلى تشويه تصوراتنا للعالم، ليس بدافع سوء النية، وإنما لأن أداة صُممت خصيصاً للملاحة جرى تبنيها لاحقاً، من دون نقد كافٍ، لاستخدامات أوسع.
أما التغير المناخي فهو موضوع أكثر استقطاباً بكثير، وقد تكون الخيارات المتضمنة في بناء المؤشر، أو في اختيار المؤشر الذي ينبغي الاستشهاد به، مدفوعة بدوافع أقل براءة.
عن المؤلفين والمحرر
شيراغ دهارا عالم في مجال الاستدامة بجامعة كريا في الهند.
كمال موراري يدرّس في برنامج تغير المناخ بمعهد تاتا للعلوم الاجتماعية في الهند.
سيباستيان بلوك قاد دورة عام 2024 من مؤشر الأداء البيئي، ويواصل حالياً تطوير مؤشرات الاستدامة في معهد هايدلبرغ لتكنولوجيا المعلومات الجغرافية في ألمانيا.
المصدر: نُشر هذا المقال في 360info.
