التصعيد الإقليمي وقدرة شبكة تصدير النفط السعودي على الصمود
على مدى أربعة عقود، سعت المملكة العربية السعودية إلى تقليص اعتمادها على مضيق هرمز، أحد أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم، عبر بناء شبكة أكثر مرونة لتصدير النفط الخام. وكان خط أنابيب شرق ـ غرب، الذي أُنشئ خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، إذ أتاح نقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، بما يوفر مسارًا بديلًا لتصدير الخام بعيدًا عن الخليج ومضيق هرمز.
ففي أدبيات أمن الطاقة وحماية البنية التحتية الحيوية، تُعرف هذه الاستراتيجية باسم التكرار أو الازدواجية التشغيلية (redundancy)؛ أي توفير مسارات أو منشآت بديلة يمكن الاعتماد عليها عندما يتعطل المسار الرئيسي.
لكن التطورات الأخيرة تفرض اختبارًا أكثر تعقيدًا لهذه الفكرة. فقد تعرض خط شرق ـ غرب لهجمات بطائرات مسيّرة أدت إلى تعليق تشغيله مؤقتًا، في وقت تواجه فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز اضطرابات حادة، بينما يتزايد الضغط العسكري الحوثي حول مضيق باب المندب.
وهنا ينتقل السؤال من مجرد امتلاك السعودية لمسارات بديلة إلى سؤال أكثر أهمية من منظور أمن الطاقة: هل تستطيع هذه البدائل أن تظل فعالة عندما تتعرض عدة حلقات في شبكة التصدير للاضطراب في الوقت نفسه؟
هذه النقلة من مفهوم "البديل" إلى مفهوم "المرونة في مواجهة التعطيل المتزامن" هي جوهر الاختبار الذي تواجهه استراتيجية تصدير النفط السعودية اليوم.
تجاوز هرمز لا يعني تجاوز مخاطر الاختناق
صُمم خط شرق ـ غرب لإعادة تشكيل جغرافيا تصدير النفط السعودي. فبدلًا من اضطرار الخام المنتج في شرق المملكة إلى المرور بالكامل عبر الخليج ومضيق هرمز، يستطيع الخط نقله غربًا إلى ينبع، ومنها إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر.
وفي الظروف الطبيعية، تمنح هذه البنية السعودية درجة مهمة من المرونة في إدارة صادراتها. لكنها لا تلغي مخاطر الاختناق البحري؛ بل تنقل جزءًا منها إلى نقطة أخرى في الشبكة.
فلكي تتحول قدرة خط شرق ـ غرب إلى صادرات فعلية على نطاق واسع، يجب أن تكون منظومة البحر الأحمر والممرات المؤدية منها إلى الأسواق العالمية متاحة أيضًا. وهنا يبرز باب المندب باعتباره الحلقة البحرية الأهم في هذا المسار.
وبالتالي، فإن تجاوز هرمز لا يعني بالضرورة التخلص من المخاطر الجيوسياسية، وإنما قد يعني إعادة توزيعها جغرافيًا.
وهذه المسألة تزداد أهمية مع توسع الوجود العسكري للحوثيين حول البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما في ذلك سيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
ومن ثم، فإن الضغط على البنية التحتية التي تربط مناطق إنتاج النفط في شرق السعودية بموانئ التصدير على البحر الأحمر يطرح سؤالًا أوسع من مجرد سلامة خط الأنابيب: إلى أي مدى تتمتع شبكة تصدير النفط السعودية بالمرونة عندما تتعرض عدة نقاط استراتيجية فيها للخطر في وقت واحد؟
خط شرق ـ غرب: بديل استراتيجي وليس ضمانة مطلقة
لا تكمن أهمية خط شرق ـ غرب في كونه مجرد مسار إضافي، بل في قدرته على نقل كميات ضخمة من النفط بعيدًا عن مضيق هرمز. وتشير تقديرات Rystad Energy إلى أن ما يصل إلى أربعة ملايين برميل يوميًا كان يمر عبر الخط في أواخر أغسطس.
لكن أهمية الخط لا تعني أنه محصّن ضد الاستهداف. فقد سبق أن تعرض لهجمات وأضرار أدت إلى تعليق العمليات مؤقتًا، بما في ذلك هجوم استهدف منشآت في المملكة عام 2019، فضلًا عن أضرار لحقت بالخط خلال الحرب مع إيران في 2026، وفق التقرير.
وهذا يعني أن استراتيجية السعودية لم تُبن أصلًا على افتراض أن خط شرق ـ غرب غير قابل للاستهداف. وظيفته الأساسية كانت توفير مسار بديل عندما يصبح المرور عبر هرمز أكثر صعوبة، وليس أن يكون منظومة مستقلة تمامًا عن بقية شبكة الطاقة السعودية.
غير أن الفارق الحاسم اليوم يتعلق بتزامن المخاطر، في عام 2019، تعرض خط الأنابيب لهجوم، لكن مسار التصدير عبر هرمز ظل متاحًا. وفي أبريل/نيسان 2026، كان مضيق هرمز يعاني من اضطرابات شديدة، لكن باب المندب لم يكن يواجه المستوى نفسه من القيود التي يواجهها حاليًا.
أما في سبتمبر/أيلول 2026، فتتعرض العناصر الثلاثة لشبكة التصدير السعودية لضغوط متزامنة: خط شرق ـ غرب، ومضيق هرمز، وباب المندب.
وهنا تظهر نقطة الضعف الأساسية في مفهوم "البديل": المسار الاحتياطي يكون أكثر قيمة عندما يتعطل المسار الرئيسي، لكنه يكون أقل فائدة إذا تعرض هو نفسه للاضطراب في اللحظة ذاتها.
ليست كل المسارات البديلة مستقلة عن بعضها
تملك السعودية أكثر من خيار لتوجيه صادراتها النفطية، وهو ما يعكس سنوات من الاستثمار في البنية التحتية وموانئ التصدير وخطوط النقل.
وتشير عروض شركة أرامكو لعام 2026 إلى مسار قناة السويس وخط أنابيب سوميد كأحد مسارات التصدير البديلة، مع امتلاك أرامكو حصة تبلغ 15% في سوميد.
لكن تعدد الوجهات لا يعني بالضرورة تعدد المسارات المستقلة، فقد يكون لدى السعودية أكثر من منفذ لتصدير الخام، بينما تعتمد بعض هذه المنافذ على البنية التحتية ذاتها في المراحل السابقة من سلسلة النقل. وينطبق ذلك بصورة خاصة على خط شرق ـ غرب وينبع، اللذين يمثلان عقدتين أساسيتين في قدرة المملكة على نقل النفط بكميات كبيرة من الشرق إلى البحر الأحمر.
وهنا تكمن إحدى أهم الفجوات بين التنويع والمرونة، فقد تبدو شبكة التصدير متنوعة على مستوى الوجهات النهائية، لكنها تكون أقل تنوعًا إذا كانت عدة مسارات تعتمد على عدد محدود من العقد الأساسية.
أرقام التدفقات تكشف المفارقة
تكشف بيانات حركة النفط في المنطقة هذه المعضلة بصورة أوضح. فمع تراجع التدفقات عبر مضيق هرمز من نحو 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الرابع من عام 2025 إلى نحو 4.9 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من عام 2026، اتجهت السعودية بصورة متزايدة إلى شبكة التصدير الغربية.
