الانتخابات الإسرائيلية.. صراع على السلطة في ظل أزمة سياسية وأفق فلسطيني محدود

تقارير وملفات - Foresight

تقارب المعسكرات المتنافسة، واحتمالات تعثر تشكيل الحكومة، ومحدودية الفوارق بين نتنياهو وآيزنكوت في الملف الفلسطيني، عوامل تجعل الانتخابات اختبارًا للنظام السياسي الإسرائيلي أكثر من كونها تحولًا مضمونًا في السياسات القائمة.

تدخل إسرائيل انتخاباتها البرلمانية في ظل مشهد سياسي شديد الاستقطاب، تتداخل فيه الحسابات الحزبية مع تداعيات الحرب على غزة، والإخفاقات الأمنية التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر 2023، والخلافات بشأن مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين. ولا تتعلق أهمية هذه الانتخابات باختيار الحكومة المقبلة فحسب، بل تمتد إلى اختبار قدرة النظام السياسي على إنتاج أغلبية مستقرة في ظل تقارب المعسكرات المتنافسة، وتباين مصالح القوى التي يتوقف عليها تشكيل الائتلاف الحكومي.

وتعكس الاستعدادات الأمنية المكثفة، التي شملت نشر نحو 22 ألف شرطي تحسبًا لاضطرابات محتملة عقب إعلان استطلاعات الخروج، حجم القلق من تداعيات النتيجة. ووفقًا لما أوردته صحيفة «جيروزاليم بوست»، تضمنت السيناريوهات الأمنية احتمال رفض أحد المعسكرين الاعتراف بالنتائج، والادعاء بوجود تزوير، ثم التحرك لتقويض النظام العام، في مشهد استُحضر فيه الهجوم على مبنى الكونغرس الأمريكي في السادس من يناير 2021.

ويكتسب هذا الاحتمال دلالة سياسية تتجاوز الترتيبات الأمنية، إذ يشير إلى أن التنافس الانتخابي قد يتحول، في ظل الاستقطاب الحاد، إلى أزمة ثقة في المؤسسات والعملية الديمقراطية نفسها. ومع ذلك، فإن الاستعداد لمثل هذا السيناريو لا يعني بالضرورة وقوعه، بل يعكس تقديرًا للمخاطر المحتملة في انتخابات يُتوقع أن تكون نتائجها متقاربة.

نتنياهو وآيزنكوت.. تقارب انتخابي وصراع على تشكيل الحكومة

تأتي الانتخابات بوصفها الأولى منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، التي أعادت الأمن إلى صدارة النقاش العام ووضعت أداء حكومة بنيامين نتنياهو تحت ضغط سياسي واسع. ومع ذلك، لم تُظهر استطلاعات الرأي السابقة للاقتراع تقدمًا حاسمًا لأي من المعسكرين الرئيسيين، بما يعكس استمرار الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي وصعوبة ترجمة الاعتراض على الحكومة إلى أغلبية برلمانية بديلة.

وبحسب التقديرات الواردة في التقرير، كان متوقعًا أن يحصل معسكر نتنياهو، الذي يضم ستة أحزاب، على 51 مقعدًا من أصل 120 في الكنيست، مقابل العدد نفسه للمعسكر المناهض له، بقيادة غادي آيزنكوت وحزب «ياشار» الوسطي. ويعني هذا التقارب أن أياً من الطرفين لا يستطيع تشكيل الحكومة منفردًا، وأن حسم المنافسة سيتوقف على مواقف الأحزاب الصغيرة واستعدادها للدخول في تحالفات قد تتعارض مع بعض مواقفها المعلنة خلال الحملة الانتخابية.

وتكمن إحدى نقاط الضعف في معسكر نتنياهو في طبيعة علاقاته بشركائه من اليمين المتطرف. فاستمرار دعم إيتمار بن غفير، زعيم حزب «عوتسما يهوديت» ووزير الأمن القومي، ليس مضمونًا في ظل الخلافات المتكررة بينه وبين رئيس الحكومة. كما يرتبط موقف بتسلئيل سموتريتش، زعيم الصهيونية الدينية، بمدى قدرة الحكومة المقبلة على مواصلة سياسات تتفق مع أجندته الأيديولوجية، ولا سيما فيما يتعلق بالاستيطان والأراضي الفلسطينية.

وفي المقابل، لا يبدو معسكر آيزنكوت بمنأى عن القيود نفسها. فحتى إذا نجح في استقطاب أصوات الرافضين لاستمرار نتنياهو، فإن ذلك لا يضمن امتلاكه قاعدة برلمانية متماسكة أو قدرته على التوفيق بين الشركاء المحتملين. وهكذا، لا ينحصر التحدي في عدد المقاعد التي يحصل عليها كل معسكر، بل في مدى قدرته على بناء ائتلاف قابل للاستمرار، لا تنهار توازناته عند أول خلاف سياسي أو أيديولوجي.

الأحزاب العربية.. موقع حاسم وحدود سياسية ضيقة

في ظل تقارب المعسكرين، تبرز الأحزاب العربية بوصفها أحد العوامل التي قد تحدد هوية الحكومة المقبلة. وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى احتمال حصول «القائمة المشتركة»، التي تضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي، على تسعة مقاعد، مقابل خمسة مقاعد للقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس.

ومن شأن المقاعد الأربعة عشر، إذا تحققت هذه التقديرات، أن تمنح الأحزاب العربية قدرة على ترجيح كفة أحد المعسكرين. غير أن هذه الإمكانية تصطدم بعوائق سياسية وأيديولوجية؛ فقيادة القائمة المشتركة تربط استعدادها لدعم معسكر مناهض لنتنياهو بتلبية شروط، من بينها فتح مسار نحو إقامة دولة فلسطينية، بينما يرفض نتنياهو هذا الخيار، ويعلن رفضه تشكيل ائتلاف حكومي مع الأحزاب العربية.

أما آيزنكوت، فعلى الرغم من تقديم نفسه بوصفه بديلًا سياسيًا لنتنياهو، فقد أعلن أيضًا رفضه حل الدولتين بصيغته المطروحة، مؤكدًا أن المشاركة في حكومته تتطلب قبول إسرائيل بوصفها دولة يهودية ديمقراطية، والالتزام بموقفه من حركة حماس. وقد عبّر عن شكوكه في إمكان العثور على حزب عربي يقبل بهذه الشروط.

وتكشف هذه المواقف عن مفارقة أساسية في النظام السياسي الإسرائيلي: يمكن للأحزاب العربية أن تمتلك وزنًا برلمانيًا مؤثرًا، لكن قدرتها على تحويل هذا الوزن إلى نفوذ حكومي فعلي تظل محدودة بفعل المواقف المعلنة للقوى اليهودية الرئيسية. كما تكشف أن الخطوط الحمراء التي ترسمها الأحزاب خلال الحملات الانتخابية قد تصبح موضع تفاوض عندما تبدأ المساومات على تشكيل الحكومة، وهو ما يجعل المواقف المعلنة مؤشرًا مهمًا، لكنه ليس ضمانة نهائية لمسار التحالفات.

وإذا استبعد المعسكران التعاون مع الأحزاب العربية، فقد يجد كل منهما نفسه مضطرًا إلى استقطاب نواب أو أحزاب من المعسكر المنافس، أو القبول بترتيبات سياسية هشة. وفي جميع الأحوال، ستظل القدرة على تشكيل حكومة مرتبطة بالتوازن بين الحسابات البرلمانية والمصالح الأيديولوجية، لا بمجرد النتائج الأولية للاقتراع.

أزمة تشكيل الحكومة.. اختبار لمرونة النظام السياسي

تزيد طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي من أهمية المفاوضات التي تعقب الاقتراع. فالنظام يقوم على التمثيل النسبي على مستوى البلاد، حيث يصوّت الناخبون لقوائم حزبية، وتُوزع المقاعد وفقًا لحصة كل حزب من الأصوات. ومع غياب حزب قادر على الحصول منفردًا على أغلبية مقاعد الكنيست، تصبح الحكومات الائتلافية هي القاعدة، وتتحول المفاوضات اللاحقة للانتخابات إلى مرحلة حاسمة في تحديد السياسات الحكومية.

ويتطلب تشكيل الحكومة تأمين 61 مقعدًا على الأقل من أصل 120. ووفقًا للآلية الواردة في التقرير، يكلف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ المرشح الذي يُعتقد أنه الأقدر على تشكيل الحكومة بمحاولة بناء ائتلاف خلال 42 يومًا. وإذا أخفق، يُمنح مرشح آخر 28 يومًا، ثم يمكن أن تنتقل الفرصة إلى مرشح تقترحه مجموعة من أعضاء الكنيست. وإذا استمر الفشل بعد هذه المراحل، فقد تُجرى انتخابات جديدة.

وتعني هذه الآلية أن إعلان النتائج لا يمثل نهاية الصراع السياسي، بل بداية مرحلة أخرى قد تكون أكثر تعقيدًا. فكل مقعد إضافي يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوضية، وكل شريك محتمل قد يربط مشاركته بمطالب تتعلق بالحقائب الوزارية أو الموازنات أو السياسات الأمنية والاستيطانية. وفي ظل التوازن المتوقع بين المعسكرين، يمكن أن تؤدي هذه المطالب إلى إطالة أمد المفاوضات أو إنتاج حكومة تعتمد على أغلبية ضيقة يصعب الحفاظ عليها.

ومن ثم، فإن أحد الاختبارات الأساسية للانتخابات يتمثل في قدرة النظام السياسي على تحويل التنافس الحزبي إلى حكومة مستقرة، بدلًا من الدخول في دورة جديدة من الانسداد السياسي. وقد لا يكون الفوز العددي هو العامل الحاسم بقدر ما تكون القدرة على إدارة التناقضات داخل الائتلاف.

الفلسطينيون.. اختلاف في الأسلوب واستمرار في جوهر السياسات

من المنظور الفلسطيني، لا يبدو أن التنافس بين نتنياهو وآيزنكوت ينطوي بالضرورة على تحول استراتيجي كبير في السياسات الإسرائيلية، حتى إذا أسفرت الانتخابات عن تغيير في هوية رئيس الحكومة. فالفوارق بين الرجلين في قضايا الاستيطان ومستقبل غزة وإمكان إقامة دولة فلسطينية تبدو، وفق المواقف المنقولة في التقرير، أقل حدة من الخلافات بينهما بشأن إدارة الحكومة وتشكيل الائتلاف.

فقد شهدت فترة حكومة نتنياهو توسعًا في الاستيطان بالضفة الغربية، بالتوازي مع تصاعد العنف ضد التجمعات الفلسطينية. كما أعلن نتنياهو رفضه إقامة دولة فلسطينية، ودعم المضي في مشروع استيطاني بمنطقة «إي 1»، الذي يثير اعتراضات بسبب تداعياته المحتملة على التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية.

وفي المقابل، عارض آيزنكوت الموافقة على مشروع «إي 1»، لكنه أبدى تأييده للمستوطنات التي تتوافق مع القانون الإسرائيلي، رغم أن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي. ويكشف هذا التباين عن اختلاف في الموقف من مشروع استيطاني محدد، لكنه لا يشير بالضرورة إلى تبنّي نهج مختلف جذريًا بشأن مستقبل الاستيطان أو الحقوق الوطنية الفلسطينية.

أما في غزة، فقد أيد آيزنكوت الإطار الأمريكي للسلام، لكنه ربط الانسحاب الإسرائيلي من القطاع بنزع سلاح حماس، وتعهد بإنهاء حكم الحركة خلال 18 شهرًا من توليه السلطة، سواء عبر تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أو من خلال العمل العسكري.

ويثير هذا التعهد تساؤلات بشأن الوسائل التي يمكن أن تتيح تحقيق هدف لم تتمكن حكومة نتنياهو من إنجازه خلال سنوات الحرب. كما أن ربط الانسحاب بنزع السلاح يترك مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في القطاع معلقًا على شروط أمنية وسياسية لم تتضح آليات تنفيذها أو فرص التوصل إلى توافق بشأنها.

وبذلك، قد يرى الفلسطينيون أن تغيير رئيس الحكومة، في حد ذاته، لن يكون كافيًا لإحداث تحول ملموس في السياسات المتعلقة بالاحتلال والاستيطان وغزة. فالاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في هوية رئيس الحكومة، بل في مدى استعداد الائتلاف المقبل لتغيير السياسات القائمة، والقبول بمسار سياسي يتيح للفلسطينيين تقرير مستقبلهم الوطني.

ما بعد الاقتراع.. بين التغيير السياسي واستمرار الانسداد

تكشف الانتخابات الإسرائيلية عن معضلة تتجاوز المنافسة بين شخصيتين سياسيتين؛ إذ تتمثل في الفجوة بين الرغبة في تغيير القيادة والقدرة على تغيير السياسات. فقد يؤدي تقارب النتائج إلى إطالة المفاوضات، أو إعادة إنتاج تحالفات قائمة على تنازلات متبادلة، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة إذا تعذر الاتفاق على حكومة.

وفي الوقت نفسه، لا يضمن وصول قيادة جديدة حدوث تحول في الملف الفلسطيني، ما دامت المواقف الأساسية بشأن الدولة الفلسطينية والاستيطان ومستقبل غزة تحظى بمساحة مشتركة بين أطراف متنافسة. وهذا لا يعني انعدام الفوارق السياسية أو استحالة التغيير، لكنه يشير إلى أن التغيير في رأس السلطة لا يؤدي تلقائيًا إلى تغيير في توجهات الدولة.

وتبقى النتائج النهائية للمفاوضات الائتلافية، ومواقف الأحزاب العربية، وطبيعة التفاهمات بين القوى اليمينية والوسطية، عوامل حاسمة في تحديد شكل الحكومة المقبلة. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فستظل القضية المركزية هي ما إذا كان التنافس الداخلي الإسرائيلي سيفتح مجالًا لمسار سياسي مختلف، أم سيقتصر على إعادة ترتيب موازين القوى داخل نظام يستمر فيه الانسداد بشأن الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وفي المحصلة، تبدو هذه الانتخابات اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج أغلبية مستقرة، واختبارًا لمدى إمكان انتقال التغيير الحكومي إلى تغيير فعلي في السياسات. وبين هذين المسارين، ستتحدد دلالات الاقتراع، ليس فقط بالنسبة إلى مستقبل الحكم في إسرائيل، بل أيضًا بالنسبة إلى آفاق التسوية السياسية مع الفلسطينيين.