بث تجريبي

الأسواق العربية الكردية تصنع الذاكرة المشتركة

تقارير وملفات - Foresight

فقد كانت هذه الاسواق وما تزال في كثير من الأماكن، أشبه بنسيج حيّ يختزن تفاصيل الحياة اليومية، ويكشف في الوقت نفسه عن طبقات عميقة من التعايش الإنساني الذي تشكّل عبر الزمن بعيداً عن ضجيج  السياسة.

حين يدخل الإنسان إلى سوق قديم في مدينة مختلطة أو منطقة ريفية متداخلة، سرعان ما يلاحظ أن المكان يتجاوز فكرة البيع والشراء، فهناك إيقاع خاص يحكم الحركة، هو أصوات الباعة، ونداءات الزبائن، ورائحة التوابل والخبز الطازج، ووجوه اعتادت أن ترى بعضها يومياً حتى أصبحت جزءاً من المشهد نفسه.
في هذه البيئة، لم يكن غريباً أن يتجاور البائع العربي مع نظيره الكردي، وأن يتقاسما المساحة ذاتها، والزبائن ذاتهم، بل وأحياناً المزاج اليومي نفسه.

الأسواق التقليدية في هذه المنطقة لم تكن تفصل بين الناس على أساس الهوية، بل كانت تفرض نوعاً من “المساواة العملية” التي تذيب الفوارق أمام حاجات الحياة اليومية.
فالمعيار الأساسي لم يكن الانتماء، بل الثقة، والسعر العادل، والقدرة على الاستمرارية في علاقة اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد، ومن هنا، تشكلت روابط تتجاوز البعد التجاري، لتصبح علاقات شبه شخصية تتكرر يومياً لسنوات.

في كثير من الحالات، كانت الأسواق أيضاً فضاءً لغوياً مشتركاً، فالتعامل اليومي بين العرب والكرد في هذه الأماكن أنتج لغة هجينة بسيطة، تعتمد على كلمات متداخلة، وإشارات جسدية، ونبرة صوت أكثر مما تعتمد على قواعد لغوية دقيقة، هذه اللغة العملية لم تكن تُدرّس، لكنها كانت تُكتسب تلقائياً من خلال التفاعل اليومي، حتى أصبحت جزءاً من ذاكرة المكان.

الأهم من ذلك أن السوق كان مساحة تساوي بين الناس في لحظة الحاجة، فالفلاح الذي يأتي بمنتجه، والحرفي الذي يعرض صنعته، والتاجر الصغير الذي يحاول تأمين رزقه اليومي، جميعهم يقفون في مستوى واحد أمام حركة العرض والطلب، وفي هذا المستوى بالتحديد، تتراجع الهويات الكبرى لصالح تفاصيل الحياة البسيطة التي تجمعهم.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الأسواق إلى خزائن غير مكتوبة للذاكرة المشتركة، فالأجيال التي كبرت في هذه البيئات لم تتعلم التعايش من الكتب أو الخطابات، بل من التجربة اليومية المباشرة، من الوقوف في الطابور نفسه، من المساومة على السعر ذاته، ومن تبادل التحية صباحاً ومساءً دون أسئلة إضافية.

حتى التحولات الاجتماعية التي شهدتها المنطقة لم تستطع محو هذا الأثر بالكامل، فرغم التغيرات السياسية والاقتصادية، ما زالت بعض الأسواق القديمة تحتفظ بروحها الأولى، وكأنها ترفض أن تتحول إلى مجرد مساحات استهلاكية باردة، فهي لا تزال تحمل شيئاً من دفء العلاقات القديمة التي تشكلت حين كان الناس أقرب إلى بعضهم البعض بحكم الضرورة والحياة اليومية.

ضمن هذا السياق، تأتي محاولات إعادة قراءة هذه المساحات بوصفها جزءاً من التاريخ الاجتماعي المشترك بين العرب والكرد، وليس مجرد خلفية اقتصادية هامشية.
وهنا تبرز أهمية المبادرات الثقافية التي تحاول استعادة هذه الذاكرة، ومنها حملة «تكامل… عرب وكرد… مصير مشترك»، احد مشروعات شبكة الاستشراف للدراسات والاستشارات والإعلام، التي تنظر إلى الأسواق وغيرها من الفضاءات اليومية باعتبارها مفاتيح لفهم أعمق للعلاقات بين الشعبين.

فالأسواق، في نهاية المطاف، لا تُخبرنا فقط كيف عاش الناس، بل تُظهر لنا كيف تشكّلت بينهم مساحات مشتركة صمدت أكثر من المشاريع السياسية، وبقيت شاهدة على أن التعايش ليس فكرة نظرية، بل ممارسة يومية بسيطة تتكرر كل صباح.

نقلا عن جريدة القلم الحر

https://qlm-hor.com/68102/