تمثل الزيارة المرتقبة التي سيجريها رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزايدي، إلى واشنطن الأسبوع المقبل فرصة لإعادة صياغة التوقعات بشأن طبيعة العلاقات العراقية-الأمريكية. فكثيرًا ما تُختزل النقاشات حول العراق في واشنطن في ثلاث زوايا رئيسية: الصراع، والإرهاب، والمنافسة مع إيران. ورغم أهمية هذه الملفات، فإنها لا تعكس الصورة الكاملة للعلاقة بين البلدين.
واليوم، يمتلك كل من العراق والولايات المتحدة فرصة لبناء شراكة عملية ترتكز على التنمية الاقتصادية، وأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي.
وتنطلق هذه العلاقة من حقيقة بسيطة، وهي أن كلا البلدين لا يزال بحاجة إلى الآخر.
فبالنسبة للعراق، تظل الولايات المتحدة شريكًا أمنيًا مهمًا، ومصدرًا للاستثمارات والتكنولوجيا، ولاعبًا دوليًا مؤثرًا تنعكس سياساته على الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية العراقية. أما بالنسبة لواشنطن، فما يزال العراق يتمتع بأهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعه الجغرافي، وموارده الهيدروكربونية، ودوره في التجارة الإقليمية، وأهميته المستمرة في منع عودة التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).
وفي الوقت نفسه، يتعين على الحكومتين التعامل مع واقع سياسي معقد. فالعراق يسعى إلى الحفاظ على علاقات مثمرة مع واشنطن، مع تجنب الانخراط في الصراع القائم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى دعم استقرار العراق مع الحد من نفوذ القوى المتحالفة مع إيران. وهذه الأهداف ليست متعارضة بالضرورة، لكنها تتطلب إدارة دقيقة وتوقعات واقعية.
ويظل الأمن هو المصلحة المشتركة الأكثر إلحاحًا. فعلى الرغم من أن تنظيم «داعش» لم يعد يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي، فإنه لم يختفِ، إذ لا تزال شبكاته تنشط في أجزاء من العراق وسوريا. ويدرك الجانبان أن المكاسب الأمنية قد تتآكل إذا تراجع مستوى اليقظة. ورغم التطور الكبير الذي شهدته القوات الأمنية العراقية خلال العقد الماضي، فإن استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب، والدعم الفني المتخصص الذي تقدمه الولايات المتحدة لا يزال يمثل قيمة كبيرة.
ومن المهم الإشارة إلى أن التعاون الأمني اليوم يختلف عن الوجود العسكري الأمريكي الواسع الذي ميز المراحل السابقة من الانخراط الأمريكي في العراق. فالقادة العراقيون يؤكدون بصورة متزايدة مبدأ الشراكة بدلاً من الاعتماد. وهدفهم ليس استضافة عمليات قتالية أجنبية، وإنما تعزيز قدرات المؤسسات العراقية لتتولى بنفسها مسؤولية حفظ الأمن، وهو هدف ينبغي أن يحظى بالترحيب في واشنطن.
وتعد حماية السيادة قضية محورية أخرى. فكثيرًا ما يجد القادة العراقيون أنفسهم أمام ضغوط متنافسة من أطراف خارجية. ومعظم العراقيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، لا يريدون أن يتحول العراق إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين. ومن المرجح أن يؤكد علي الزايدي أن العراق يسعى إلى إقامة علاقات بناءة مع جميع شركائه الرئيسيين، مع الاحتفاظ بحرية اتخاذ قراراته انطلاقًا من مصالحه الوطنية.
وهذا الحرص على السيادة لا يعني معاداة الولايات المتحدة. بل على العكس، فقد كان قيام عراق مستقل ومستقر أحد المبررات التي استندت إليها الولايات المتحدة في غزو عام 2003. ومن ثم فإن احترام استقلال العراق، بالتوازي مع الحفاظ على تعاون قوي بين الجانبين، من شأنه أن يعزز العلاقة لا أن يضعفها.
وقد تثبت القضايا الاقتصادية في نهاية المطاف أنها أكثر أهمية من الملفات الأمنية. فالعراق يمتلك موارد طبيعية هائلة، وسكانًا شبابًا متعلمين، ومزايا جغرافية كبيرة، لكنه يواجه في المقابل تحديات مزمنة، من بينها نقص الكهرباء، وضعف البنية التحتية، وارتفاع معدلات البطالة، وقلة الاستثمارات في القطاعات الحيوية.
وتوفر هذه التحديات فرصًا لتعاون يعود بالنفع على الطرفين. فالشركات الأمريكية تمتلك خبرات متقدمة في إنتاج الطاقة، وتوليد الكهرباء، وتحديث شبكات الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا المتقدمة. ويحتاج العراق إلى شركاء يساعدونه على تحويل اقتصاده الريعي القائم على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد منتج للخدمات والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
ويحتل قطاع الطاقة أهمية خاصة. فعلى الرغم من أن العراق يعد أحد كبار منتجي النفط، فإنه لا يزال يعاني نقصًا في الكهرباء، ويعتمد على واردات الطاقة من إيران. ومن شأن توسيع إنتاج الغاز الطبيعي المحلي، والحد من حرق الغاز المصاحب، وتحديث شبكة الكهرباء، وزيادة القدرة الإنتاجية، أن يعزز الاقتصاد العراقي ويرفع مستوى أمنه الطاقوي.
وهنا تتقاطع مصالح بغداد وواشنطن بصورة واضحة. فالعراق يسعى إلى قدر أكبر من الاستقلال في مجال الطاقة، بينما ترغب الولايات المتحدة في تقليل تعرض العراق للضغوط الخارجية واضطرابات الإمدادات. ويمكن للشراكات الاستثمارية والتكنولوجية أن تحقق هذين الهدفين معًا.
ويمثل تعزيز الترابط الإقليمي مجالًا واعدًا آخر للتعاون. فالعراق بات ينظر إلى نفسه ليس بوصفه مصدرًا للنفط فحسب، بل باعتباره مركزًا للنقل والتجارة يربط بين دول الخليج وتركيا ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع. ومن شأن مشروعات البنية التحتية التي تربط بين الموانئ والسكك الحديدية والطرق والمناطق الصناعية أن تحول العراق إلى ممر تجاري رئيسي.
ولن يقتصر أثر هذا التطور على العراق وحده، بل سيمتد إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي، إذ إن الدول المرتبطة بشبكات التجارة والاستثمار تمتلك عادةً دوافع أقوى للحفاظ على علاقات سلمية. وسيشكل عراق مزدهر ومندمج في الاقتصاد الإقليمي مصدرًا مهمًا للاستقرار.
ومع ذلك، لا يمكن لأي نقاش حول العلاقات الأمريكية-العراقية أن يتجنب ملف إيران، الذي سيظل على الأرجح القضية الأكثر حساسية في أي لقاء بين علي الزايدي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فالولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران والشبكات المرتبطة بها داخل العراق. ومن المرجح أن يواصل المسؤولون الأمريكيون الضغط على بغداد لتعزيز احتكار الدولة للسلاح، وتحسين آليات المساءلة، وضمان حماية الأفراد الأمريكيين من الهجمات.
غير أن القادة العراقيين يواجهون قيودًا لا تحظى غالبًا بالتقدير الكافي خارج البلاد. فالعراق يتقاسم حدودًا طويلة مع إيران، ويرتبط معها بعلاقات اقتصادية واسعة، كما يتعين عليه إدارة مشهد سياسي داخلي شديد التعقيد. ولذلك، فإن السياسات التي تبدو واضحة من منظور واشنطن قد تترتب عليها تداعيات معقدة داخل العراق.
ويتمثل التحدي أمام الطرفين في تجنب تحويل كل قضية إلى اختبار للولاء. فالعراق لا يريد أن يختار بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما يسعى إلى إقامة علاقات بناءة مع كلتيهما، مع الحفاظ على مصالحه الوطنية. وسواء استوعبت واشنطن هذا النهج أم لا، فإنه يعكس الواقع السياسي الذي يعيشه العراق.
وسيكون النجاح الحقيقي لزيارة علي الزايدي نجاحًا عمليًا لا استعراضيًا. فبدلاً من الاتفاقيات الشاملة أو الاختراقات التاريخية، سيتمثل النجاح في إحراز تقدم تدريجي ومستمر في مجالات المصالح المشتركة.
ولم يعد العراق اليوم هو العراق الذي كان قبل عشرين عامًا، ومن ثم ينبغي أن تعكس السياسة الأمريكية هذه الحقيقة. وبالمثل، يمتلك القادة العراقيون فرصة لإثبات أن العراق، وهو دولة ذات سيادة، قادر على أن يكون فاعلًا إقليميًا مستقلًا وشريكًا أمريكيًا موثوقًا في الوقت نفسه.
