هل تتخلى حماس عن السلاح؟.. التحول الأصعب في تاريخ الحركة ومستقبل غزة
لم يكن إعلان حركة حماس استعدادها لمناقشة التخلي عن سلاحها، ضمن تسوية سياسية شاملة، مجرد تصريح عابر يمكن إدراجه في سياق المناورات التفاوضية المعتادة. فالحركة التي قامت منذ تأسيسها عام 1987 على فكرة «المقاومة المسلحة» باعتبارها جوهر مشروعها السياسي، لم يسبق لها أن فتحت الباب علنًا أمام نقاش يتعلق بمستقبل جناحها العسكري، حتى في أكثر مراحل الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرضت لها طوال العقود الأربعة الماضية.
لهذا السبب، استقطب الإعلان الأخير اهتمامًا دوليًا واسعًا، ليس لأنه يعني بالضرورة أن حماس قررت إلقاء السلاح، وإنما لأنه للمرة الأولى يكسر أحد أكبر الثوابت الفكرية والتنظيمية للحركة. فالحديث لم يعد يدور فقط حول هدنة أو تبادل أسرى أو ترتيبات إنسانية، وإنما حول إعادة تعريف طبيعة الحركة نفسها، وهل ستظل تنظيماً عسكرياً مقاوماً، أم تتحول تدريجياً إلى فاعل سياسي يعمل ضمن منظومة الدولة الفلسطينية إذا قامت.
لكن قراءة هذا التطور بعيدًا عن الانفعال السياسي تقتضي التمييز بين الاستعداد لمناقشة نزع السلاح وبين القبول الفعلي بالتخلي عنه. فحماس لم تقدم استسلامًا غير مشروط، وإنما ربطت أي خطوة في هذا الاتجاه بمجموعة من الالتزامات المتبادلة، تبدأ بانسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، ووقف دائم لإطلاق النار، وقيام دولة فلسطينية، وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة، قبل الانتقال إلى مرحلة تفكيك القدرات العسكرية تحت إشراف دولي.
وبذلك تحاول الحركة أن تنقل المعركة من الميدان العسكري إلى طاولة السياسة، واضعة إسرائيل أمام معادلة جديدة: إذا كان الهدف المعلن للحرب هو إنهاء القوة العسكرية لحماس، فهل ستكون الحكومة الإسرائيلية مستعدة لدفع الثمن السياسي المطلوب لتحقيق هذا الهدف دون استمرار العمليات العسكرية؟
حرب غيّرت حسابات الجميع
منذ اندلاع الحرب الحالية، تغيرت البيئة الاستراتيجية في غزة بصورة لم تشهدها الحركة منذ تأسيسها. فالدمار الهائل الذي لحق بالقطاع، والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية، والخسائر الكبيرة التي تعرضت لها قيادة الحركة وجناحها العسكري، فرضت واقعًا مختلفًا تمامًا عن الحروب السابقة.
ورغم أن حماس لا تزال تحتفظ بقدرات قتالية، فإن معظم التقديرات تشير إلى أن قدرتها على إدارة حرب طويلة بالشكل الذي كانت عليه قبل السابع من أكتوبر لم تعد قائمة. كما أن المجتمع الغزي نفسه يعيش تحت ضغوط إنسانية غير مسبوقة، الأمر الذي يجعل استمرار الحرب عبئًا على الحاضنة الاجتماعية للحركة.
ومن هنا يمكن فهم التحول في خطابها. فبدلاً من الحديث عن استمرار المقاومة المسلحة بوصفها الخيار الوحيد، بدأت الحركة تتحدث عن إمكانية إدماج هذا الملف في تسوية سياسية أشمل، بما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل غزة لن يُحسم بالسلاح وحده.
هل تغيرت حماس أم تغيرت الظروف؟
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كانت حماس قد غيرت عقيدتها، وإنما ما إذا كانت الظروف المحيطة بها هي التي فرضت عليها إعادة ترتيب أولوياتها.
فعلى امتداد تاريخها، رفضت الحركة أي حديث عن نزع سلاحها، معتبرة أن الاحتلال هو سبب وجود المقاومة، وأن انتهاء الاحتلال وحده يمكن أن يفتح الباب أمام أي نقاش من هذا النوع.
أما اليوم، فإنها لا تزال تتمسك بالمبدأ نفسه، لكنها تضعه ضمن إطار سياسي أكثر تعقيدًا، يقوم على تبادل الالتزامات لا على الإملاءات.
وبهذا المعنى، فإن الحركة لا تقول إنها ستتخلى عن سلاحها، بل تقول إنها مستعدة لأن يكون السلاح جزءًا من تسوية تاريخية، إذا حصل الفلسطينيون على دولة مستقلة وإنهاء فعلي للاحتلال.
وهذا فارق جوهري بين الاستسلام والتفاوض على مستقبل السلاح.
إسرائيل أمام معضلة جديدة
في المقابل، تضع هذه المبادرة إسرائيل أمام اختبار سياسي لا يقل تعقيدًا.
فالحكومة الإسرائيلية بنت خطابها منذ بداية الحرب على هدفين رئيسيين: القضاء على القدرات العسكرية لحماس، وإنهاء حكمها لقطاع غزة.
ولو افترضنا أن الحركة قبلت، ضمن اتفاق دولي، بالتخلي التدريجي عن سلاحها، فإن أحد أهم أهداف الحرب سيصبح قابلًا للتحقيق عبر التفاوض لا عبر العمليات العسكرية.
لكن المشكلة تكمن في أن المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية لا تثق بحماس، وتشكك في إمكانية التحقق من تفكيك بنيتها العسكرية أو الكشف عن كامل ترسانتها، فضلًا عن أن الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو يضم قوى ترفض أصلًا أي اتفاق يربط الانسحاب الإسرائيلي بقيام دولة فلسطينية أو يمنح حماس أي دور سياسي مستقبلي.
ومن ثم، فإن الأزمة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أزمة سياسية داخل إسرائيل أيضًا.
مجلس السلام... محاولة لإعادة هندسة الشرق الأوسط
لا يمكن فهم الإعلان الأخير بمعزل عن المبادرة الأمريكية المعروفة باسم "مجلس السلام"، التي تسعى إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة.
فالمبادرة لا تتحدث فقط عن وقف إطلاق النار، وإنما عن مشروع متكامل يشمل انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، ونشر قوة دولية، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وإعادة إعمار القطاع، وإطلاق مسار سياسي يقود إلى الدولة الفلسطينية، بالتوازي مع توسيع دائرة التطبيع العربي–الإسرائيلي.
وبذلك يصبح مستقبل حماس جزءًا من مشروع إقليمي أوسع، لا يتعلق بغزة وحدها، وإنما بإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
من يحكم غزة؟
يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا: إذا خرجت حماس من المعادلة العسكرية، فمن سيدير القطاع؟
حتى الآن، لا توجد إجابة واضحة.
فالسلطة الفلسطينية تعاني أزمة شرعية داخلية، بينما ترفض إسرائيل عودة حماس إلى الحكم، كما أن الإدارة الدولية أو العربية المؤقتة لا يمكن أن تتحول إلى حل دائم.
ولهذا تطرح بعض السيناريوهات إمكانية تحول حماس إلى حزب سياسي مجرد من السلاح، على غرار تجارب شهدتها مناطق نزاع أخرى، مع دمجها في العملية السياسية الفلسطينية، وصولًا إلى انتخابات عامة تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة.
غير أن نجاح هذا السيناريو يتطلب إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بالكامل، وهو تحدٍ لا يقل صعوبة عن إنهاء الحرب نفسها.
مستقبل السلاح... أم مستقبل القضية؟
قد يكون من المبكر اعتبار إعلان حماس نقطة تحول نهائية، فقد يتبين لاحقًا أنه مجرد ورقة تفاوضية لتحسين شروط الاتفاق.
لكن مجرد انتقال الحركة من رفض مطلق لأي نقاش حول سلاحها إلى قبول مبدئي بمناقشته يمثل تطورًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
فالسؤال الذي كان مطروحًا طوال الأشهر الماضية هو: متى تنتهي الحرب؟
أما اليوم فقد أصبح السؤال الأهم: كيف ستبدو غزة بعد الحرب؟
وهل تستطيع حماس أن تتحول من حركة مقاومة مسلحة إلى قوة سياسية داخل دولة فلسطينية، أم أن غياب الثقة بين جميع الأطراف سيعيد الجميع إلى نقطة الصفر؟
الإجابة لن تحدد مستقبل الحركة وحدها، بل قد تحدد مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها، لأن مصير السلاح لم يعد مجرد قضية عسكرية، بل أصبح مفتاحًا لإعادة رسم شكل النظام السياسي الفلسطيني، وربما ملامح الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
