بث تجريبي

لماذا تتحول الهجرة إلى اختبار ثلاثي بين الشباب والسياسة والحدود؟

تحليلات - Foresight

لم تكن موجة العبور الجماعي التي شهدها جيب سبتة الإسباني خلال الأيام الأخيرة مجرد حادثة هجرة غير نظامية جديدة، بل بدت أقرب إلى لحظة كاشفة للتداخل بين ثلاثة مستويات من الأزمات: الأزمة الاجتماعية داخل المغرب، والتوترات الكامنة في العلاقات المغربية-الإسبانية، والتحولات التي تشهدها السياسة الأوروبية تجاه الهجرة. فحين تمكن عشرات الآلاف من الوصول إلى الحدود الإسبانية خلال أيام معدودة، لم يكن السؤال الحقيقي هو كيف وصل هؤلاء، بل لماذا اختاروا هذه اللحظة بالذات؟

تعكس روايات الشباب المغاربة الذين اندفعوا نحو سبتة حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الهجرة لم تعد مجرد حلم بالثراء الأوروبي، وإنما أصبحت بالنسبة إلى كثيرين محاولة للهروب من انسداد الأفق الاقتصادي والاجتماعي. فارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، واتساع الفجوة بين التعليم وسوق العمل، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل جعلت فكرة المغامرة تبدو أقل خطورة من البقاء داخل واقع يفتقر إلى الفرص.

ولا يمكن فصل هذه الموجة عن الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدها المغرب خلال العام الماضي، والتي عكست تصاعد الضغوط الاقتصادية على فئات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب. فالمعطيات الرسمية التي تشير إلى أن نحو ربع الشباب المغاربة بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين خارج منظومات التعليم والعمل والتدريب، تكشف عن أزمة هيكلية تتجاوز تأثيرات الظرف الاقتصادي المؤقت، وتمس قدرة الاقتصاد على استيعاب الأجيال الجديدة.

لكن الأزمة الاجتماعية وحدها لا تفسر هذا التدفق المفاجئ.

فالتحول الحاسم جاء بعد انتشار واسع لمعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن حكم للمحكمة العليا الإسبانية يتعلق بإجراءات إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر. ورغم أن مضمون الحكم لم يمنح حق الإقامة التلقائي للمهاجرين، فإن تداول معلومات مجتزأة أو مضللة خلق انطباعًا لدى آلاف الشباب بأن فرصة العبور أصبحت أكثر أمانًا من السابق.

وهنا تكشف الحادثة عن دور جديد لوسائل التواصل الاجتماعي في صناعة موجات الهجرة. فهذه المنصات لم تعد مجرد وسيلة لنقل أخبار النجاح الفردي للمهاجرين، وإنما أصبحت فاعلًا مباشرًا في تشكيل قرارات الهجرة الجماعية، عبر إنتاج تصورات قد تكون بعيدة عن الواقع القانوني، لكنها كافية لتحريك آلاف الأشخاص في وقت قصير. وهو ما يجعل إدارة المعلومات جزءًا لا يقل أهمية عن إدارة الحدود نفسها.

في المقابل، جاء الرد الإسباني سريعًا وحازمًا، رغم أن الحكومة الاشتراكية بقيادة بيدرو سانشيز عُرفت خلال السنوات الماضية بمواقف أكثر انفتاحًا تجاه الهجرة مقارنة بكثير من الحكومات الأوروبية الأخرى. فقد وصف سانشيز ما حدث بأنه انتهاك للسيادة الإسبانية، وتعهد بتسريع عمليات إعادة المهاجرين، مع دراسة تعديلات تشريعية وتشديد الإجراءات الحدودية.

ويكشف هذا الموقف عن التحول الذي تشهده السياسات الأوروبية عمومًا، حيث باتت الحكومات، حتى ذات التوجهات الليبرالية، أكثر حساسية تجاه أي موجات هجرة جماعية، في ظل تصاعد نفوذ اليمين الشعبوي، وتحول ملف الهجرة إلى أحد أكثر الملفات تأثيرًا في الانتخابات الأوروبية.

غير أن البعد الأكثر تعقيدًا في الأزمة يتمثل في العلاقات المغربية-الإسبانية.

فالتاريخ القريب يجعل أي موجة هجرة واسعة تثير تلقائيًا تساؤلات حول ما إذا كانت مجرد نتيجة لعوامل اجتماعية، أم أنها تحمل أيضًا رسائل سياسية غير معلنة. فقد سبق أن شهدت سبتة في مايو (أيار) 2021 موجة مشابهة، فسّرها كثير من المراقبين آنذاك بأنها جاءت في سياق الأزمة الدبلوماسية بين الرباط ومدريد على خلفية استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو.

صحيح أن العلاقات الثنائية شهدت منذ ذلك الحين تحسنًا ملحوظًا، خصوصًا بعد دعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء، إلا أن الملفات الخلافية لم تختفِ بالكامل. فزيارة رئيس الوزراء الإسباني الأخيرة إلى الجزائر، وإقرار البرلمان الإسباني مشروع قانون يمنح الجنسية لأحفاد الصحراويين، أعادا فتح نقاشات حساسة داخل الرباط، وهو ما دفع بعض المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت موجة الهجرة الحالية تحمل أيضًا بعدًا سياسيًا، حتى وإن لم يكن ذلك معلنًا.

غير أن هذه القراءة تبقى محل خلاف.

فالسلطات المغربية، كما في أزمات سابقة، تنفي استخدام ملف الهجرة كورقة ضغط، بينما تتبنى الحكومة الإسبانية التفسير القائل إن ما جرى يعود أساسًا إلى انتشار معلومات غير صحيحة حول الحكم القضائي الإسباني، وليس إلى تغير في السياسة المغربية تجاه الحدود.

وبغض النظر عن صحة أي من التفسيرين، فإن الأزمة الحالية تكشف مرة أخرى هشاشة المعادلة التي تحكم الحدود الجنوبية لأوروبا. فسبتة ومليلية لم تعودا مجرد جيبين إسبانيين في شمال أفريقيا، وإنما أصبحتا مختبرًا دائمًا للتفاعل بين التنمية والهجرة والسياسة والجغرافيا.

ويرى مراقبون أن استمرار التعامل مع الهجرة بوصفها قضية أمنية فقط لن يكون كافيًا. فالمعطيات الاقتصادية والاجتماعية داخل المغرب، كما في كثير من دول جنوب المتوسط، تشير إلى أن الضغوط الدافعة للهجرة مرشحة للاستمرار، بينما تجعل وسائل الاتصال الحديثة من تنظيم محاولات العبور أسرع وأكثر قدرة على تجاوز الحدود التقليدية.

وفي المقابل، فإن أوروبا تجد نفسها أمام معضلة متكررة؛ فهي تحتاج إلى تعاون وثيق مع المغرب لضبط الحدود، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن استدامة هذا التعاون تظل مرتبطة بمناخ العلاقات السياسية بين الطرفين، وبقدرة الرباط على معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الشباب إلى التفكير في الهجرة.

وفي المحصلة، تبدو موجة سبتة الأخيرة أكثر من مجرد أزمة حدودية عابرة. فهي تعكس تلاقي أزمة داخلية مغربية، وتحولات في السياسة الأوروبية، وحساسيات جيوسياسية مستمرة بين الرباط ومدريد. ولذلك فإن معالجة الظاهرة لن تتحقق عبر تشديد الإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب مقاربة أشمل تربط بين التنمية، وإدارة الهجرة، واستقرار العلاقات الثنائية، لأن الحدود، مهما ارتفعت أسوارها، تظل عاجزة عن وقف الهجرة عندما يصبح فقدان الأمل هو الدافع الأقوى لعبورها.