هل تنجح الدولة السورية في استعادة احتكار القوة؟
لم يعد انتشار السلاح في سوريا مجرد أحد مخلفات الحرب الممتدة منذ أكثر من عقد، بل تحول إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه الدولة السورية الجديدة في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد. فمع انتقال البلاد من مرحلة الصراع العسكري إلى محاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة، باتت معركة استعادة احتكار استخدام القوة لا تقل أهمية عن معارك تثبيت الأمن أو إطلاق عملية إعادة الإعمار، إذ إن نجاح أي مشروع سياسي أو اقتصادي سيظل رهناً بقدرة الدولة على إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، وإعادة فرض القانون على كامل الجغرافيا السورية.
وفي هذا السياق، تكتسب المعلومات التي تتحدث عن قرب صدور قانون جديد لتنظيم حيازة الأسلحة أهمية استثنائية، ليس فقط لأنه سيملأ فراغاً تشريعياً طالما استمر طوال سنوات الحرب، وإنما لأنه يمثل مؤشراً على انتقال الحكومة السورية من مرحلة إدارة التداعيات الأمنية إلى مرحلة بناء منظومة قانونية تستعيد من خلالها احتكار الدولة لوسائل القوة.
وتأتي هذه الخطوة استجابةً لضغوط مجتمعية متزايدة فرضتها موجة من الحوادث المسلحة التي شهدتها مختلف المحافظات السورية خلال الأسابيع الأخيرة. فما كان يبدأ بخلاف مالي، أو نزاع عائلي، أو حتى مشادة مرورية، سرعان ما يتحول إلى اشتباكات تستخدم فيها الأسلحة الفردية والقنابل اليدوية، وهو ما يعكس حجم السلاح المنتشر وسهولة الوصول إليه، ويكشف أن العنف بات يمثل وسيلة لحسم النزاعات اليومية في مجتمع لا يزال يعيش آثار الحرب.
إن أخطر ما تكشفه هذه الحوادث ليس عدد الضحايا أو حجم الخسائر المادية، وإنما التحول التدريجي في الثقافة الأمنية داخل المجتمع. فحين يصبح السلاح أداة طبيعية لحل الخلافات، تنتقل الدولة من مواجهة مشكلة جنائية إلى مواجهة أزمة بنيوية تمس احتكارها للعنف المشروع، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. ومن هنا، فإن قضية السلاح لم تعد مسألة أمنية فحسب، بل أصبحت قضية تتعلق بإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.
ولا يقتصر مصدر هذا التهديد على النزاعات المدنية. فملف السلاح يرتبط أيضاً بتعقيدات المرحلة الانتقالية وما تحمله من إرث سياسي وأمني ثقيل. فوجود عناصر سابقين في أجهزة النظام السابق أو المجموعات المسلحة المرتبطة به، وما يمتلكه بعضهم من أسلحة، خلق بيئة خصبة لعمليات الانتقام والتصفية خارج إطار القانون، وهو ما يضع العدالة الانتقالية أمام اختبار حقيقي. فكلما تأخر القضاء في محاسبة المتهمين بارتكاب الانتهاكات، زادت احتمالات لجوء الضحايا أو ذويهم إلى العدالة الفردية، بما يهدد بتقويض سلطة الدولة الناشئة.
ومن هنا، فإن نجاح مشروع نزع السلاح لا يرتبط فقط بإصدار قانون صارم، بل بقدرة مؤسسات العدالة على ترسيخ الثقة بأن القانون قادر على إنصاف الضحايا، وأن الدولة وحدها هي المخولة بتطبيق العدالة. فالتجارب الدولية تؤكد أن نزع السلاح في المجتمعات الخارجة من النزاعات المسلحة لا ينجح عندما يُنظر إليه باعتباره إجراءً أمنياً مجرداً، وإنما عندما يكون جزءاً من مشروع متكامل يشمل المصالحة الوطنية، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء المؤسسات.
وتواجه الحكومة السورية تحدياً آخر يتمثل في الحجم الهائل للأسلحة المنتشرة بين المدنيين. فسنوات الحرب الطويلة، وانهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية في المراحل الأخيرة من سقوط النظام، ونهب المستودعات العسكرية، وترك الميليشيات المتحالفة مع النظام السابق كميات كبيرة من الأسلحة خلفها، كلها عوامل جعلت من المستحيل تقريباً معرفة الحجم الحقيقي لترسانة الأسلحة الموجودة خارج سيطرة الدولة. بل إن كثيراً من هذه الأسلحة لا يزال يُكتشف حتى اليوم داخل الأحياء السكنية والمزارع والمستودعات المهجورة.
ولعل ما يزيد من تعقيد المشهد أن انتشار السلاح لم يعد يقتصر على المجموعات المسلحة أو الأطراف السياسية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية امتدت إلى داخل العائلات نفسها. وتشير شهادات مواطنين إلى أن كبار العائلات باتوا يكتشفون امتلاك أبنائهم للأسلحة بعد وقوع الاشتباكات، الأمر الذي يعكس مدى سهولة الحصول عليها، وصعوبة السيطرة عليها حتى داخل البيئات الاجتماعية التقليدية التي كانت تمارس دوراً في احتواء النزاعات المحلية.
وتبدو السلطات السورية مدركة لحجم هذا التحدي، وهو ما يفسر اتجاهها نحو إعداد قانون أكثر تشدداً ينظم حيازة الأسلحة، ويحدد أنواعها، وآليات الترخيص، والعقوبات المترتبة على استخدامها أو حملها بصورة غير قانونية. كما أن الاتجاه إلى إخضاع موظفي الدولة، بمن فيهم المنتسبون إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية، لأحكام القانون نفسه، يحمل دلالة سياسية مهمة مفادها أن مبدأ سيادة القانون ينبغي أن يسري على الجميع دون استثناء.
غير أن التشريع، مهما بلغت صرامته، لن يكون كافياً بمفرده. فنجاح أي سياسة لنزع السلاح يتطلب توافر بيئة مجتمعية داعمة، تشمل حملات توعية واسعة، وإشراك القيادات المحلية والوجهاء، وتفعيل دور المؤسسات الدينية في تجريم الاستخدام العشوائي للسلاح، فضلاً عن توفير ضمانات أمنية تعزز ثقة المواطنين بأن الدولة قادرة على حمايتهم دون حاجة إلى امتلاك السلاح.
وفي المحصلة، لا تبدو معركة تنظيم السلاح في سوريا مجرد حملة أمنية مؤقتة، بل تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الجديدة على الانتقال من واقع فرضته سنوات الحرب إلى نموذج الدولة الحديثة القائمة على سيادة القانون واحتكار القوة الشرعية. فكلما نجحت دمشق في استعادة السيطرة على السلاح، اقتربت من ترسيخ الاستقرار، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتهيئة البيئة اللازمة لإعادة الإعمار والتنمية. أما إذا بقي السلاح منتشراً خارج إطار الدولة، فإن خطر إعادة إنتاج دوامات العنف سيظل قائماً، مهما بلغت الإنجازات السياسية أو الاقتصادية التي قد تتحقق في المرحلة المقبلة.
