بث تجريبي

سياسات المعارضة: هل أصبح التصدي للمغرب الاستراتيجية الوطنية طويلة الأمد للجزائر؟

دراسات وأبحاث - د. محمد شتاتو
د. محمد شتاتو
محلل سياسي وأستاذ علوم التربية بجامعة محمد الخامس - الرياض

مقدمة

قلّما توجد في العالم المعاصر علاقات ثنائية تتسم بقدر من العداء المستدام، وتترك في الوقت ذاته آثارًا عميقة على النظام الإقليمي، كما هو الحال في العلاقة التي تربط الجزائر والمغرب. فمنذ نيل الدولتين استقلالهما عن الاستعمار الفرنسي والإسباني في منتصف القرن العشرين، تراوحت علاقاتهما بين تعاون حذر وعداء مفتوح، تخللته حرب حدودية، وقطع للعلاقات الدبلوماسية، وإغلاق للحدود، وصراع على الزعامة الإقليمية يشبه إلى حد بعيد أجواء الحرب الباردة، واستمر عبر تعاقب جميع أجيال القيادات السياسية على جانبي معبر زوج بغال الحدودي.

ويطرح هذا المقال سؤالًا إشكاليًا مقصودًا: هل أصبح التصدي للمغرب، عمليًا، الاستراتيجية الوطنية طويلة الأمد للجزائر، بحيث يشكل المنطق المنظم لسياستها الخارجية، وعقيدتها العسكرية، ودبلوماسيتها الإقليمية، بل وحتى بعض عناصر شرعيتها الداخلية؟

إن طرح السؤال بهذه الصيغة الحادة يجعل من الصعب تبني هذه الفرضية بصورة مطلقة. فالجزائر دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من اثنين وثلاثين مليون نسمة، ويعتمد اقتصادها بصورة أساسية على عائدات المحروقات، ويغلب على سكانها الطابع الشبابي بما يحمله من تطلعات وإحباطات، كما تواجه تحديات مزمنة في الحوكمة، وتهديدات أمنية على خمس جبهات حدودية لا ترتبط بالمغرب. ومن ثم فإن اختزال فن إدارة الدولة الجزائرية في هاجس واحد سيكون تبسيطًا مخلًا لسياسة خارجية معقدة تشكلت عبر مسارات تاريخية متعددة وعوامل متشابكة. وفي المقابل، فإن الزعم بأن المغرب يشكل عاملًا ثانويًا أو هامشيًا في الاستراتيجية الجزائرية لا يقل افتقارًا إلى المصداقية.

وينطلق هذا المقال من موقف وسطي، يقوم على أن معارضة المغرب أصبحت أحد أكثر المبادئ التنظيمية رسوخًا ومأسسةً وكلفةً في السياسة الإقليمية الجزائرية، من دون أن تستوعب كامل الأفق الاستراتيجي للدولة الجزائرية. ويعتمد التحليل منهجًا استقرائيًا، فلا يفترض النتيجة مسبقًا، بل يسعى إلى بنائها تدريجيًا من خلال دراسة عدد من الأبعاد المترابطة للعلاقة بين البلدين.

ويبدأ المقال بتتبع الجذور التاريخية للتنافس، انطلاقًا من قضية الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية وحرب الرمال عام 1963، ثم ينتقل إلى دراسة نزاع الصحراء الغربية باعتباره العامل البنيوي الذي أعاد تشكيل العلاقات الثنائية منذ عام 1975. كما يستعرض الأدبيات الأكاديمية ذات الصلة، ويتناول البعد الهوياتي الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي، والمتصل بالتنافس حول الإرث الأمازيغي، ثم يرصد تجليات الصراع في مجالات الدبلوماسية والسياسة الداخلية والاقتصاد والعقيدة العسكرية والنماذج التنموية المتنافسة والدبلوماسية العامة. ويختتم بتقييم الأدلة المؤيدة والمعارضة للفرضية الرئيسة، قبل أن يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع البلدان تجاوز منطق اللعبة الصفرية الذي أدى، وفقًا لمعظم المؤشرات الاقتصادية والسياسية، إلى إضعاف منطقة المغرب العربي مقارنة بما تمتلكه من إمكانات كبيرة؟

الجذور التاريخية: من الحدود الاستعمارية إلى حرب الرمال

تسبق جذور العداء الجزائري–المغربي استقلال الجزائر نفسه. فقد أعادت الخرائط التي رسمها الاستعمار الفرنسي، على مدى أكثر من قرن، تشكيل الحدود الصحراوية وشبه الصحراوية الفاصلة بين ما أصبح لاحقًا الجزائر وبين السلطنة المغربية، وذلك عبر ضم مناطق مثل تندوف وكولومب بشار ومحيط فكيك إلى الجزائر الفرنسية، رغم أن المغرب كان يدير هذه المناطق تاريخيًا أو يعتبرها جزءًا من مجاله الترابي.

وقد حصل المغرب على استقلاله عام 1956، قبل الجزائر بست سنوات. وفي تلك المرحلة، نظر القوميون المغاربة، ومن بينهم الملك المستقبلي الحسن الثاني، إلى حرب التحرير الجزائرية باعتبارها قضية مغاربية مشتركة، فقدموا لجبهة التحرير الوطني الجزائرية ملاذًا آمنًا، وممرات لنقل السلاح، ودعمًا دبلوماسيًا طوال حرب الاستقلال بين عامي 1954 و1962.

وكانت الرباط تتوقع – وهو تصور ظل حاضرًا في السردية المغربية حتى اليوم – أن تبادر الجزائر المستقلة، عرفانًا لهذا الدعم، إلى التفاوض بشأن إعادة الأراضي التي اقتُطعت خلال الحقبة الاستعمارية. غير أن هذا التصور اصطدم بعقيدة تبنتها القيادة الجزائرية الجديدة برئاسة أحمد بن بلة، تقوم على أن الحدود الموروثة عن الاستعمار مقدسة وغير قابلة للتفاوض. وقد تحولت هذه العقيدة لاحقًا إلى مبدأ قاري عندما أقرته منظمة الوحدة الأفريقية في قرار القاهرة لعام 1964 بشأن احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار وعدم المساس بها.

وأدى هذا التباين إلى اندلاع حرب الرمال في أكتوبر (تشرين الأول) 1963، حين اشتبكت القوات المغربية والجزائرية في منطقتي تندوف وفكيك. ورغم أن الحرب لم تدم سوى أسابيع قليلة، وانتهت بوقف لإطلاق النار بوساطة منظمة الوحدة الأفريقية وجهود تحكيم إثيوبية، فإنها خلفت إرثًا عميقًا من انعدام الثقة الاستراتيجية لم يتبدد حتى اليوم.

فمن منظور النخبة الثورية الجزائرية الوليدة، أكدت الحرب الاعتقاد بأن النظام الملكي المغربي يحمل نزعة توسعية ومطالب ترابية، ويتحالف مع المصالح الغربية المحافظة. أما من منظور القصر الملكي المغربي، فقد رسخت الحرب صورة الجزائر باعتبارها دولة ذات توجه أيديولوجي ثوري، تميل إلى المعسكر السوفيتي، ومستعدة لاستخدام القوة ضد دولة سبق أن احتضنت حركة تحريرها الوطنية.

ورغم ما تنطوي عليه هاتان الروايتان من تحيزات متبادلة، فإنهما أثبتتا قدرة لافتة على البقاء، إذ عادتا إلى الظهور في كل أزمة لاحقة شهدتها العلاقات الثنائية.

الرؤى الأكاديمية حول التنافس الجزائري–المغربي

شهدت الأدبيات الأكاديمية المتعلقة بالعلاقات الجزائرية–المغربية قدرًا ملحوظًا من التقارب في تشخيص طبيعة هذا التنافس، وإن اختلفت في زوايا التركيز.

فقد وصفت الدراسات المقارنة المتعلقة بالأمن الإقليمي في المغرب العربي كلا البلدين بأنهما «مزودان إقليميان للأمن» يتنافسان على قيادة الإقليم، وهو ما يولد احتكاكًا هيكليًا يتجاوز أي نزاع منفرد.

أما المؤرخون المتخصصون في تاريخ الجزائر الفرنسية، وعلى رأسهم بنجامين ستورا، فقد أرجعوا جذور هذا التنافس إلى الإرث الاستعماري وتجربة التحرر الوطني. ويرى ستورا أن الاحتلال الفرنسي الذي استمر 130 عامًا، ثم حرب الاستقلال، شكلا الركيزة الأساسية للهوية السياسية الجزائرية، ورسخا ثقافة في السياسة الخارجية تقوم على التشبث بالسيادة ورفض التدخلات الخارجية، وجعلت الجزائر أكثر ريبة تجاه الارتباطات الخارجية، بما في ذلك علاقتها بالمغرب، مقارنة بالمسار الذي سلكه المغرب بعد الاستقلال.

وفي السياق نفسه، تؤكد الدراسات التي تناولت حراك 2019 أن المطالب الأساسية للحركة كانت داخلية ومؤسساتية، وتمحورت حول الشفافية والمساءلة وإصلاح منظومة الحكم، في حين لجأت الدولة، بعد انحسار الحراك، إلى توظيف سرديات التهديدات الخارجية في خطابها السياسي.

وتخلص هذه الأدبيات، مجتمعة، إلى نتيجة متوازنة؛ فهي لا تؤيد التفسير الأحادي الذي يجعل المغرب مفتاحًا لفهم السياسة الخارجية الجزائرية بأكملها، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن التنافس مع المغرب يشكل عنصرًا بنيويًا ومنظمًا للنظام الإقليمي، وليس مجرد عامل عارض أو ثانوي. كما تشير إلى أن جذوره المؤسسية والنفسية تمتد إلى الاختلافات العميقة في التجربتين الاستعمارية والثورية اللتين أفضتا إلى نشوء الدولتين بصورتيهما المعاصرتين.

البعد الأمازيغي والهوياتي

يُعد البعد المتعلق بالهوية الأمازيغية من الجوانب الأقل تناولًا في دراسة التنافس الجزائري–المغربي، رغم أهميته التحليلية. فالجزائر والمغرب يضمان كتلاً سكانية كبيرة ناطقة بالأمازيغية؛ إذ تتركز هذه المجموعات في منطقة القبائل والأوراس ووادي مزاب في الجزائر، وفي الريف والأطلس المتوسط ومنطقة سوس في المغرب. كما اتخذ البلدان، وإن بوتيرتين مختلفتين وبدرجات متفاوتة من الجدية، خطوات دستورية للاعتراف باللغة الأمازيغية (تمازيغت) لغةً رسمية؛ فقد أقرها المغرب في دستور عام 2011، بينما اعتمدتها الجزائر رسميًا عام 2016 (شتاتو، 29 يناير 2019).

غير أن الدلالة السياسية التي تمنحها كل من العاصمتين للهوية الأمازيغية تختلف بصورة جوهرية، وقد أصبح هذا الاختلاف جزءًا من التنافس الأوسع بين البلدين.

ففي الجزائر، طرحت الحركة الأمازيغية في منطقة القبائل، في بعض المراحل، مطالب بالحكم الذاتي أو بمزيد من اللامركزية، وهو ما تعاملت معه السلطات المركزية باعتباره قضية أمن قومي. كما اتهم مسؤولون جزائريون المغرب، في مناسبات مختلفة، بتشجيع النزعات الانفصالية في منطقة القبائل سرًا بهدف زعزعة استقرار البلاد، وهي اتهامات دأبت الرباط على نفيها.

أما في المغرب، فقد انتهج القصر الملكي سياسة مختلفة، تقوم على دمج الاعتراف بالثقافة الأمازيغية ضمن سردية وطنية جامعة تتمحور حول المؤسسة الملكية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها تهديدًا انفصاليًا. ويتجلى ذلك في إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية عام 2001، ثم في الإصلاح الدستوري لعام 2011 الذي منح اللغة الأمازيغية صفة رسمية (شتاتو، 29 يناير 2019).

ويبرز هذا التباين كيف أن إرثًا حضاريًا مشتركًا، تعود جذوره إلى المكون الأمازيغي الذي سبق الفتح العربي الإسلامي في المجتمعين الجزائري والمغربي، قد أُعيد تفسيره من خلال عدسة التنافس السياسي بين الدولتين، بدلًا من أن يتحول إلى أساس لتعاون ثقافي عابر للحدود.

نزاع الصحراء الغربية بوصفه العامل البنيوي الحاكم للعلاقة

إذا كانت حرب الرمال قد أرست البنية النفسية للتنافس بين الجزائر والمغرب، فإن نزاع الصحراء الغربية هو الذي منح هذا التنافس مضمونه المؤسسي المستدام.

فقد أدى انسحاب إسبانيا من مستعمرتها الصحراوية عام 1975، في أعقاب المسيرة الخضراء التي حشد خلالها المغرب نحو 350 ألف مدني غير مسلح، إلى إطلاق نزاع لا يزال يشكل الإطار الحاكم للعلاقات الثنائية منذ ما يقرب من نصف قرن.

وضم المغرب معظم أراضي الإقليم، وأصبح يديرها منذ ذلك الحين، مع طرح مشروع للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الأساس الواقعي الوحيد لتسوية النزاع.

في المقابل، ورغم تأكيد الجزائر رسميًا أنها لا تطالب بأي جزء من أراضي الصحراء الغربية، فإنها استضافت منذ عام 1976 حكومة جبهة البوليساريو في المنفى ومخيمات اللاجئين بالقرب من تندوف، وقدمت لها دعمًا دبلوماسيًا وماليًا، بل وعسكريًا في بعض المراحل، كما دافعت عن حق الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في تقرير المصير داخل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.

وتقوم رواية كل طرف على منطق متكامل يتناقض جذريًا مع رواية الطرف الآخر.

فالجزائر تقدم موقفها باعتباره تطبيقًا مبدئيًا لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وامتدادًا لتاريخها المناهض للاستعمار.

أما المغرب، ومعه عدد متزايد من المراقبين الدوليين، فيرى أن الجزائر ليست مجرد داعم محايد لحق الصحراويين في تقرير المصير، وإنما طرف فعلي في النزاع، مستشهدًا بموقع قيادة البوليساريو على الأراضي الجزائرية، واعتمادها المالي والمؤسسي على الجزائر (شتاتو، 22 أكتوبر 2021).

وقد أثبت هذا النزاع قدرته على إعادة إنتاج نفسه بصورة مستمرة. فبالنسبة للمغرب، تُعد السيادة على الصحراء قضية وحدة ترابية تمثل أقدس الثوابت الوطنية، بينما تراها الجزائر قضية تصفية استعمار ومبدأً لا يجوز التراجع عنه. ولذلك لا يمتلك أي من الطرفين هامشًا سياسيًا داخليًا يسمح بتقديم تنازلات دون أن يبدو وكأنه تخلى عن أحد أسس شرعيته الوطنية.

وعلى امتداد خمسة عقود، أدى هذا المأزق المتبادل إلى تحويل نزاع إقليمي على السيادة إلى المحور الثابت الذي تدور حوله معظم أبعاد العلاقات الجزائرية–المغربية، بل وجزء كبير من السياسة الخارجية الجزائرية نفسها.

وقد شهد ميزان التحركات الدبلوماسية تحولًا واضحًا بعد عام 2020، عندما اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية ضمن الاتفاق الثلاثي الذي أفضى إلى تطبيع العلاقات المغربية–الإسرائيلية. ثم تعزز هذا التحول مع اتجاه عدد متزايد من الدول الأوروبية والأفريقية – وفي مقدمتها فرنسا، بالنظر إلى أهمية معاهدة الشراكة الاستراتيجية الفرنسية–المغربية المنتظرة – نحو تأييد صريح أو ضمني لمقترح الحكم الذاتي المغربي.

وقد قرأت الجزائر هذا المسار باعتباره دليلًا على تعرضها لعملية تطويق استراتيجي، لا باعتباره حافزًا لإعادة تقييم سياساتها، وهو ما أدى، على العكس، إلى تشديد مواقفها وزيادة تصلبها (شتاتو، 26 فبراير 2026).

السياسة الخارجية الجزائرية من منظور التنافس مع المغرب

تكشف السياسة الخارجية الجزائرية منذ سبعينيات القرن الماضي عن نمط متكرر يتمثل في أن المبادرات التي تُطرح، ظاهريًا، باعتبارها أهدافًا مستقلة – مثل التضامن الأفريقي، والدبلوماسية الطاقوية، وعدم الانحياز، والتعاون الأمني – تؤدي في الوقت نفسه وظيفة أخرى تتمثل في الحد من النفوذ المغربي.

وتتجلى هذه السمة بوضوح في عدد من الساحات.

الاتحاد الأفريقي

كانت الجزائر صاحبة دور رئيسي في قبول الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عضوًا في منظمة الوحدة الأفريقية عام 1984، وهو القرار الذي دفع المغرب إلى الانسحاب من المنظمة طوال ثلاثة وثلاثين عامًا.

وعندما عاد المغرب إلى الاتحاد الأفريقي في يناير (كانون الثاني) 2017، متخليًا عن سياسة المقاطعة لصالح الانخراط الدبلوماسي المباشر، كثفت الجزائر بدورها تحركاتها داخل القارة، وعززت علاقاتها مع دول الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء، في إطار منافسة متجددة لكسب الاعتراف الأفريقي بالموقفين المتعارضين بشأن الصحراء الغربية.

التطبيع مع إسرائيل

أدخل قرار المغرب، في ديسمبر (كانون الأول) 2020، تطبيع العلاقات مع إسرائيل – مقابل اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على الصحراء الغربية – محورًا جديدًا بالكامل إلى التنافس الجزائري–المغربي.

فالجزائر، التي جعلت من دعم القضية الفلسطينية أحد المرتكزات الأيديولوجية لسياستها الخارجية، اعتبرت هذه الخطوة إعادة اصطفاف استراتيجية تسمح بوجود أمني واستخباراتي إسرائيلي على حدودها الغربية (شتاتو، 22 يونيو 2026).

وعقب ذلك، روج مسؤولون جزائريون ووسائل إعلام قريبة من الدولة لفكرة وجود «محور معادٍ للجزائر» يضم الرباط وواشنطن وتل أبيب.

ورغم أن هذا الطرح يبدو، على الأرجح، مبالغًا في تقدير مدى مركزية الجزائر في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية داخل المغرب العربي، فإنه أسهم بصورة ملموسة في تشكيل التصورات الجزائرية للتهديد، وانعكس على تخطيطها الدفاعي وسياساتها الأمنية (شتاتو، 22 يونيو 2026).

القطيعة والتصعيد: عام 2021

في أغسطس (آب) 2021، أعلنت الجزائر رسميًا قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، متهمة الرباط بارتكاب ما وصفته بـ«الأعمال العدائية». وأعقب ذلك سلسلة من الإجراءات التصعيدية، شملت إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات المدنية والعسكرية المغربية، والوقف الدائم لعمل خط أنابيب الغاز المغاربي–الأوروبي الذي ظل، طوال خمسة وعشرين عامًا، ينقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر الأراضي المغربية، فضلًا عن الإبقاء على إغلاق الحدود البرية المغلقة أصلًا منذ عام 1994.

ولا تزال هذه الإجراءات سارية حتى تاريخ كتابة هذا المقال، وتمثل، من الناحية المؤسسية، أشد مظاهر العداء بين البلدين منذ حرب الرمال. كما تعكس إلى أي مدى أصبحت الخلافات الثنائية تؤثر في سياسات الجزائر المتعلقة بالبنية التحتية والطاقة والمجال الجوي، بعدما تجاوزت نطاق الخلافات السياسية التقليدية (شتاتو، 14 أكتوبر 2025).

إعادة الاصطفاف الجيوسياسي في عام 2026

أسهمت مشاركة المغرب، بصفته أحد الأعضاء المؤسسين، في مبادرة «مجلس السلام» (Board of Peace) التي رعتها الولايات المتحدة في يناير (كانون الثاني) 2026، في توسيع الفجوة الدبلوماسية بين الرباط والجزائر. فقد كان المغرب أول مساهم مالي في المبادرة، وأول دولة عربية تعلن التزامًا عسكريًا بإطارها، وهو ما عزز مكانته باعتباره – وفقًا لأحد التحليلاتالركيزة العربية لنظام إقليمي ناشئ يرتكز على الشراكة مع الولايات المتحدة (شتاتو، 26 فبراير 2026).

وفي المقابل، واصلت الجزائر توثيق علاقاتها الدفاعية والطاقوية مع روسيا، وبدرجة متزايدة مع الصين، لتجد نفسها على الجانب الآخر من خط صدع جيوسياسي آخذ في التشكل. ورغم أن هذا التباين لا يقتصر على التنافس التقليدي بين الرباط والجزائر، فإنه يتقاطع معه بصورة وثيقة ويعيد إنتاجه في سياق دولي أوسع.

السياسة الداخلية وتوظيف التنافس الخارجي

تذهب شريحة واسعة من أدبيات العلوم السياسية إلى أن الأنظمة السلطوية أو الهجينة التي تعاني من أزمات في الشرعية الداخلية غالبًا ما تستفيد سياسيًا من تضخيم التهديدات الخارجية، وهي الظاهرة التي تُعرف أحيانًا بـنظرية الصراع الإلهائي (Diversionary Conflict Theory).

ويقدم التاريخ السياسي الجزائري أمثلة متكررة على هذا النمط.

فخلال الحرب الأهلية الدامية في تسعينيات القرن الماضي، التي اندلعت بعد إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية لعامي 1991–1992، والتي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ودخلت البلاد بعدها في صراع مسلح استمر عقدًا كاملًا وأسفر عن مقتل ما بين 150 ألفًا و200 ألف شخص، عززت المؤسسة العسكرية والأمنية نفوذها بصورة كبيرة.

ووصف منتقدون ومعارضون هذه المنظومة، في إطار مفهوم ظل مثيرًا للجدل لكنه واسع التداول، بأنها «السلطة» (Le Pouvoir) أو «مافيا الجنرالات»، في إشارة إلى بنية حكم تتشابك فيها المصالح العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، وتبقى بمنأى إلى حد كبير عن المساءلة الانتخابية (شتاتو، 11 مايو 2026).

وفي ظل هذا السياق، وجدت هذه المنظومة، في مناسبات مختلفة، أن من الملائم استدعاء التهديدات الخارجية – وفي مقدمتها المغرب – لتعزيز التماسك الداخلي وصرف الأنظار عن أوجه القصور في إدارة الشأن العام.

وجاءت حركة الحراك الشعبي التي اندلعت في فبراير (شباط) 2019، عقب إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ترشحه لولاية خامسة، لتشكل أخطر تحد داخلي لهذا النظام خلال جيل كامل.

واتسمت الاحتجاجات بطابعها السلمي، وشاركت فيها مختلف الفئات العمرية، وتمحورت مطالبها حول قضايا داخلية، أبرزها إنهاء هيمنة النخبة السياسية–العسكرية على السلطة، وإجراء انتخابات شفافة، وإرساء نظام حكم قائم على المساءلة، ولم تكن السياسة الخارجية ضمن أولوياتها الأساسية (سويح، 2021).

ومع ذلك، فإن استجابة الدولة لأزمة الشرعية التي كشفها الحراك لم تقتصر على إدخال بعض الإصلاحات المؤسسية، بل شهدت أيضًا تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب الرسمي حول التهديدات الخارجية، حيث تكررت الاتهامات بوجود تدخلات أجنبية، ولا سيما من جانب المغرب، ثم إسرائيل بعد عام 2020، في الخطاب الرسمي ووسائل الإعلام المقربة من الدولة (شتاتو، 14 أكتوبر 2025).

وتكرر هذا النمط خلال أزمة قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2021، التي جاءت في أعقاب فترة اتسمت باستمرار التوترات الاجتماعية وبطء عملية الانتقال السياسي في عهد الرئيس عبد المجيد تبون.

ومع ذلك، سيكون من التبسيط المفرط القول إن إدارة الدولة الجزائرية تقوم حصريًا على هذا المنطق الإلهائي. فالجزائر تواصل الاستثمار، وبمستويات كبيرة أحيانًا، في برامج الإسكان، ودعم المواد الغذائية والوقود، والتوسع في التعليم العالي، وجهود تنويع الاقتصاد، وهي أولويات تنموية حقيقية تعمل بصورة مستقلة عن التنافس مع المغرب.

لكن التزامن المتكرر بين فترات الاحتقان السياسي الداخلي وتصاعد الخطاب الرسمي المناهض للمغرب يصعب اعتباره مجرد مصادفة، ويشكل أحد أوضح الآليات التي ترسخ من خلالها التنافس الخارجي داخل إدارة الشأن السياسي الداخلي.

الكلفة الاقتصادية للمواجهة

لا يظهر الثمن الحقيقي لاستمرار التنافس الجزائري–المغربي بوضوح أكبر مما يظهر في المجال الاقتصادي.

فقد تأسس اتحاد المغرب العربي عام 1989 وسط آمال كبيرة، بمشاركة الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا، بهدف إنشاء سوق مشتركة، وتنسيق مشروعات البنية التحتية، ثم إقامة اتحاد جمركي على غرار تجربة التكامل الأوروبي.

غير أن الاتحاد ظل، طوال أكثر من ثلاثة عقود، مؤسسة شبه معطلة؛ إذ توقفت اجتماعاته الوزارية إلى حد كبير، ولم تتحقق معظم أهدافه التأسيسية.

ولا تزال التجارة البينية بين دول المغرب العربي تُعد من بين الأدنى عالميًا مقارنة بالتكتلات الإقليمية الأخرى، حيث تشير تقديرات مختلفة إلى أن حجم التجارة الرسمية بين الجزائر والمغرب لا يتجاوز 3% من إجمالي تجارة كل منهما، وهي نسبة متواضعة للغاية إذا ما قيست بمستوى التبادل التجاري المعتاد بين اقتصادات متجاورة تمتلك موارد متكاملة.

كما أدى استمرار إغلاق الحدود البرية منذ عام 1994 – وهو القرار الذي اتخذه المغرب عقب الهجوم الإرهابي في مراكش، والذي حمّل فيه الرباط السلطات الجزائرية جزءًا من المسؤولية الأمنية، قبل أن يبقى الإغلاق قائمًا رغم محاولات التقارب اللاحقة – إلى ترسيخ هذا الانفصال الاقتصادي.

وفي المقابل، نشأ اقتصاد غير رسمي واسع النطاق يعتمد على التهريب عبر الحدود، لا يحقق إيرادات ضريبية، ولا يوفر فرص عمل منظمة لأي من البلدين.

وجاء قرار الجزائر عام 2021 بوقف العمل نهائيًا بخط أنابيب الغاز المغاربي–الأوروبي ليقضي على واحد من آخر مظاهر الاعتماد الاقتصادي المتبادل التي صمدت أمام الأزمات السياسية السابقة.

ومنذ ذلك الحين، اتجه كل طرف إلى بناء ممرات طاقة منفصلة ومتنافسة.

فقد أعادت الجزائر توجيه صادراتها من الغاز إلى إسبانيا عبر خط ميدغاز (Medgaz) البحري المباشر، بينما شرع المغرب في تطوير مشروع خط أنابيب الغاز الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، الذي يهدف إلى نقل الغاز من غرب أفريقيا إلى الأسواق الأوروبية عبر مسار يتجاوز الأراضي الجزائرية، ويحد، بصورة غير مباشرة، من النفوذ الجزائري في مجال عبور الطاقة الإقليمية (شتاتو، 14 أكتوبر 2025).

وعند مقارنة هذه الحالة بتكتلات إقليمية أخرى – مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، أو الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (SADC)، أو حتى مجلس التعاون الخليجي يتضح أن هذه الكيانات، رغم محدودية التكامل الطبيعي بين اقتصاداتها مقارنة بحالة الجزائر والمغرب، نجحت في تحقيق مستويات أعلى بكثير من التجارة البينية والاستثمارات المشتركة في البنية التحتية.

ويشير ذلك إلى أن تعثر التكامل المغاربي يعود، في جوهره، إلى قيود سياسية أكثر منه إلى عوامل جغرافية أو اقتصادية.

ويرى متخصصون في اقتصاد التكامل الإقليمي أن منطقة المغرب العربي كان بإمكانها تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة لو تبنت نهجًا تعاونيًا حقيقيًا، من خلال إنشاء ممرات نقل متكاملة تربط الدار البيضاء ووهران والجزائر العاصمة وتونس، وتعزيز التجارة البينية بالاستفادة من المزايا النسبية لكل دولة، ولا سيما المحروقات الجزائرية والصناعات والزراعة المغربية، وتطوير مشروعات مشتركة للطاقة المتجددة تستثمر الإمكانات الشمسية الهائلة للصحراء، وتعميق أسواق المال الإقليمية، وتوسيع سوق السياحة المغاربية، فضلًا عن تعزيز القوة التفاوضية الجماعية مع الاتحاد الأوروبي والشركاء التجاريين الآخرين.

غير أن الواقع سار في اتجاه مختلف؛ إذ انتهج البلدان استراتيجيات تنموية متوازية وغير متكاملة، تمثلت في إنشاء بنى تحتية متشابهة للموانئ والخدمات اللوجستية، والتنافس – بدلًا من التنسيق – على النفوذ في منطقة الساحل وأفريقيا، إلى جانب توجيه جزء معتبر من الإنفاق الدفاعي نحو الردع المتبادل.

ولذلك، يرى عدد من خبراء الاقتصاد الإقليمي أن منطقة المغرب العربي تمثل اليوم واحدة من أكبر الفرص الضائعة للتكامل الاقتصادي في العالم النامي، وأن تكلفة استمرار الصراع السياسي بين الجزائر والمغرب لا تقتصر على البلدين، بل تمتد إلى مجمل المنطقة المغاربية.