بث تجريبي

كيف تكشف طائرات «بوينغ» تحولات الحرب السودانية؟

دراسات وأبحاث - Foresight

لم يعد الصراع السوداني مجرد حرب أهلية تدور بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، بل أصبح نموذجًا معقدًا لحروب القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل الشركات الخاصة، وشبكات النقل العابرة للحدود، والمرتزقة، والطائرات المدنية المعدلة، مع الحسابات الإقليمية والدولية. ويكشف التقرير الجديد للجنة خبراء الأمم المتحدة، المقرر نشره في سبتمبر (أيلول)، جانبًا من هذه الصورة، من خلال توثيقه ما يشبه جسرًا جويًا استخدم في نقل المقاتلين والأسلحة والطائرات المسيّرة إلى دارفور لصالح «قوات الدعم السريع».

ولا تكمن أهمية التقرير في إثبات عمليات نقل جوي فحسب، بل في أنه يقدم لأول مرة رواية أممية أكثر تفصيلاً عن آليات الإمداد العسكري التي سمحت لقوات الدعم السريع بالحفاظ على قدرتها القتالية، رغم اتساع رقعة الحرب، وتشديد الرقابة الدولية على دارفور منذ فرض حظر السلاح عام 2004.

الحرب تتحول إلى شبكة لوجستية عابرة للحدود

يكشف التقرير أن الحرب السودانية لم تعد تعتمد على خطوط الإمداد التقليدية داخل السودان، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة إقليمية معقدة تمتد من تشاد إلى ليبيا، وصولًا إلى الصومال، عبر أسطول من الطائرات التجارية القديمة التي تعمل خارج أنظمة التتبع الجوية المعتادة.

وهنا تبرز إحدى أهم سمات الصراعات الحديثة؛ فبدلاً من الجيوش النظامية التي تتحرك في وضح النهار، أصبحت الحروب تعتمد على شركات نقل خاصة، ومسارات جوية غير معلنة، وأطقم تشغيل مدنية، بما يجعل تعقب حركة السلاح أكثر صعوبة، ويحد من فعالية أدوات الرقابة الدولية التقليدية.

ويشير التقرير إلى أن طائرات «بوينغ 727» هبطت ليلاً في مدينة نيالا، التي تحولت خلال العامين الماضيين إلى المركز اللوجستي والعسكري الأهم لقوات الدعم السريع في دارفور، حاملةً مقاتلين ومرتزقة وأسلحة وطائرات مسيّرة. ويعزز ذلك ما توصلت إليه تحقيقات صحفية سابقة، التي رصدت تحركات الطائرات بين نجامينا ومواقع تابعة لقوات الدعم السريع دون أن تظهر في أنظمة الملاحة الجوية المفتوحة، في مؤشر على استخدام وسائل متقدمة لإخفاء مسارات الطيران.

من الحرب المحلية إلى الاقتصاد العسكري الخاص

تكشف القضية أيضًا عن تحول آخر في طبيعة النزاعات المسلحة، يتمثل في تنامي دور الشركات الخاصة والمتعاقدين العسكريين السابقين.

فالتقرير يربط بين الطائرات المستخدمة وشبكة شركات ارتبطت باسم متعاقد عسكري أمريكي سابق، دون أن يقدم دليلاً على مخالفات قانونية مباشرة أو على فرض عقوبات بحقه. لكن مجرد وجود شركات مدنية ضمن سلسلة الإمداد العسكري يعكس اتجاهاً أصبح مألوفًا في النزاعات الحديثة، حيث تتولى شركات خاصة خدمات النقل والصيانة والإمداد التي كانت تقوم بها الجيوش النظامية في السابق.

وتثير هذه الظاهرة إشكالية قانونية معقدة، إذ يصعب في كثير من الأحيان تحديد المسؤولية الجنائية أو السياسية لهذه الشركات، خاصة عندما تعمل عبر دول متعددة، أو تستخدم هياكل ملكية معقدة، أو تمارس أنشطتها في بيئات تشهد ضعفًا في الرقابة.

تشاد... الحلقة الأكثر حساسية

يضع التقرير تشاد في قلب المشهد اللوجستي للحرب.

فبحسب لجنة الخبراء، انطلقت الطائرات من مطار نجامينا العسكري قبل انتقالها إلى نيالا، بينما أكدت السلطات التشادية أن الطائرات لم تحصل على تصاريح للطيران المدني، مشيرة إلى أن الرحلات العسكرية تخضع لاعتبارات السرية الدفاعية.

ورغم أن التقرير لا يتهم الحكومة التشادية بالمشاركة في عمليات الإمداد، فإن مجرد استخدام الأراضي التشادية كنقطة انطلاق يعيد تسليط الضوء على هشاشة الحدود بين البلدين، وعلى صعوبة الفصل بين الاعتبارات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل، حيث تتداخل شبكات التهريب مع خطوط النزاعات المسلحة.

كما أن الموقع الجغرافي لتشاد يجعلها محورًا لا يمكن تجاهله في أي تحليل للصراع السوداني، سواء بوصفها دولة مضيفة لملايين اللاجئين، أو باعتبارها إحدى أهم البوابات اللوجستية نحو إقليم دارفور.

المرتزقة... الوجه الجديد للحرب

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير هو الحديث عن وجود ما بين 1500 وألفي مقاتل كولومبي يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع.

فإذا صحت هذه التقديرات، فإن السودان ينضم إلى قائمة متزايدة من النزاعات التي تعتمد بصورة متزايدة على المرتزقة، على غرار ما شهدته ليبيا وأوكرانيا وعدد من دول الساحل الأفريقي.

ولا يقتصر دور هؤلاء المقاتلين على المشاركة في العمليات القتالية، بل يشمل تشغيل الطائرات المسيّرة، والتخطيط العسكري، وإدارة بعض العمليات الميدانية، وهو ما يعكس انتقال الحروب الحديثة من الاعتماد على الأعداد الكبيرة من المقاتلين إلى توظيف خبرات عسكرية متخصصة يمكنها مضاعفة الكفاءة القتالية للفصائل المسلحة.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للأمم المتحدة؟

يمثل التقرير اختبارًا جديدًا لفعالية نظام العقوبات الدولي.

فحظر السلاح المفروض على دارفور قائم منذ أكثر من عشرين عامًا، ومع ذلك تمكنت قوات الدعم السريع، وفق ما يورده التقرير، من إنشاء منظومة إمداد جوي متكاملة، استمرت لأشهر، ونقلت أسلحة ومعدات ومقاتلين بصورة منتظمة.

وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ قراراتها، في ظل تطور وسائل الالتفاف على العقوبات، وتنامي دور الشركات الخاصة، وغياب آليات رقابة قادرة على متابعة شبكات النقل الحديثة.

كما يعكس التقرير محدودية أدوات مجلس الأمن في النزاعات التي تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، حيث يصبح توثيق الانتهاكات أسهل بكثير من منع وقوعها.

دارفور... مركز الثقل الجديد للحرب

ويؤكد التقرير أن مدينة نيالا لم تعد مجرد مدينة رئيسة في جنوب دارفور، بل أصبحت القلب اللوجستي لقوات الدعم السريع، ومنها تدار عمليات الإمداد والتحشيد العسكري.

وتفسر هذه الحقيقة جانبًا من الإصرار على السيطرة على الفاشر، باعتبارها آخر مركز حضري كبير خارج سيطرة قوات الدعم السريع في الإقليم. فالمعركة لم تعد تدور حول مدينة بعينها، وإنما حول السيطرة على البنية اللوجستية التي تحدد مستقبل الحرب بأكملها.

ما بعد التقرير

قد لا يؤدي التقرير الأممي إلى تغيير فوري في موازين القوى على الأرض، لكنه يمثل وثيقة مهمة في توثيق تطور الصراع السوداني من حرب داخلية إلى نزاع متعدد المستويات، تتداخل فيه الشركات الخاصة، والمرتزقة، وشبكات النقل الدولية، والفاعلون الإقليميون.

ويرى مراقبون أن القيمة الحقيقية للتقرير لا تكمن في كشف وجود طائرات «بوينغ» أو مرتزقة كولومبيين، بل في إظهاره كيف أصبحت الحرب السودانية جزءًا من منظومة إقليمية ودولية معقدة، لم تعد الحدود الوطنية أو العقوبات الدولية قادرة على احتوائها.

وفي هذا السياق، تبدو الأزمة السودانية مرشحة لمزيد من التعقيد، ما لم تتوافر إرادة دولية تتجاوز مجرد توثيق الانتهاكات إلى بناء آليات أكثر فاعلية لقطع شبكات التمويل والإمداد، ومحاسبة الأطراف التي تسهم في إطالة أمد الحرب. فالجسر الجوي الذي يكشفه التقرير ليس مجرد مسار للطائرات، بل مؤشر على تحول بنيوي في طبيعة الصراع، حيث أصبحت اللوجستيات، بقدر ما أصبحت القوة العسكرية، العامل الحاسم في استمرار الحرب أو إنهائها.