كيف تُغيِّر الحرب مع إيران ديناميكيات الأمن في الشرق الأوسط
أدت الحرب الأميركية الإيرانية الممتدة إلى دفع العديد من دول الخليج العربي إلى إعادة تقييم احتياجاتها الدفاعية. أما بالنسبة لباكستان، التي اضطلعت بدور الوسيط في المفاوضات بين طهران وواشنطن، فقد أوجد الصراع فرصة لتحقيق قدر من الاستقرار لاقتصادها الهش، وتعزيز حضورها الدبلوماسي.
لكن الشراكات الناشئة بين إسلام آباد والعواصم الشرق أوسطية تعيد أيضاً تشكيل ديناميكيات الأمن في المنطقة، عبر دفع دول الخليج الأقل قوة عسكرياً إلى توثيق علاقاتها مع جارتين أكبر وأكثر تسليحاً، هما باكستان والهند.
وقال أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، لإذاعة RFE/RL، في إشارة إلى العلاقات بين السعودية وباكستان، والإمارات والهند، والصين وباكستان: «الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة تبدو أقرب إلى شراكات متداخلة منها إلى تكتلات ثابتة».
وأضاف أن هذه الترتيبات تمنح «الدول هامشاً أوسع للمناورة، لكنها تجعل الأزمات الإقليمية أكثر تعقيداً وأصعب إدارة».
وكما هو الحال مع بقية دول الخليج، تعرضت الكويت لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قبل المصادقة على الاتفاقية، ما أدى إلى أضرار في البنية التحتية وسقوط ضحايا. وتستضيف الكويت ما لا يقل عن ثلاث قواعد عسكرية أميركية تضم نحو 13 ألف جندي.
وفي ظل وجود هذه القواعد على أراضيها، أصبحت الكويت ثاني دولة خليجية تصادق على اتفاقية دفاع مع باكستان، تنص على التدريب العسكري، وتبادل الأفراد، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. ورغم توقيع الاتفاق في يونيو (حزيران) 2023، فإنه لم يحصل على الموافقة النهائية من مجلس الوزراء الكويتي إلا الأسبوع الماضي، وفق ما أعلنته الجريدة الرسمية الكويتية «الكويت اليوم» في 26 يوليو (تموز).
أما السعودية، فقد وقعت العام الماضي اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك مع باكستان، تتضمن بنداً مشابهاً للمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ينص على أن «أي اعتداء على أي من البلدين يُعد اعتداءً على كليهما».
وفي الوقت نفسه، يقول مسؤولون باكستانيون إن مسودة ترتيب دفاعي منفصل بين تركيا وباكستان والسعودية قد أُعدت بالفعل، وهي بانتظار التوافق النهائي بين الأطراف الثلاثة.
وفضلاً عن ذلك، يناقش قادة ما يُعرف بـ«الرباعي الإقليمي» (R4)، الذي يضم باكستان والسعودية ومصر وتركيا، تعزيز التعاون الأمني منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025.
«مركز الثقل»
يرى محللون أن استعجال دول الخليج الثرية لإبرام اتفاقيات دفاعية مع باكستان وبناء تحالفات جديدة يعود إلى انكشاف منظوماتها الدفاعية أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، رغم تحالفها مع الولايات المتحدة، القوة العسكرية الأكبر في العالم.
وقال مشاهد حسين سيد، عضو مجلس الشيوخ الباكستاني السابق والمحلل الدفاعي المقيم في إسلام آباد، إن دول الشرق الأوسط أعادت النظر في معادلاتها الأمنية بعدما «عجزت نحو 16 قاعدة أميركية عن حمايتها من الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية».
وأضاف أن باكستان أصبحت «مركز الثقل» لأنها تؤدي دور الجسر بين طهران وواشنطن في جهود السلام، وفي الوقت نفسه تتمتع بعلاقات وثيقة مع الصين.
من جانبه، قال فاتانكا إن باكستان تجمع بين القدرات العسكرية والمرونة الاستراتيجية.
وأضاف: «تحافظ إسلام آباد على علاقات مع السعودية وإيران والصين والولايات المتحدة من دون أن تنضم بالكامل إلى أي معسكر، وهو ما يجعلها شريكاً أمنياً مفيداً في منطقة تتجه نحو تعددية الأقطاب».
وفي الوقت الذي توسع فيه باكستان حضورها في الشرق الأوسط، كانت جارتها الأكبر، الهند، قد نجحت بالفعل في بناء علاقات قوية مع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، التي كانت تُعد يوماً من أقرب حلفاء باكستان.
ويبدو أن أبوظبي لم تكن راضية عن تنامي العلاقات الدفاعية بين باكستان والسعودية، ولا عن الدور الوسيط الذي اضطلعت به إسلام آباد في الصراع الأميركي الإيراني؛ إذ طلبت من باكستان، في أبريل (نيسان)، السداد الفوري لقرض بقيمة 3.5 مليار دولار.
وعلى مدى عقود، ظلت باكستان، وهي دولة نووية، تعتمد على القروض والدعم المالي من دول الخليج الغنية، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر. كما ظل اقتصادها الهش يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الأميركية، ولا سيما خلال الحرب في أفغانستان بين عامي 2001 و2021، إضافة إلى قروض صندوق النقد الدولي.
وقال فيروز هـ. خان، العميد المتقاعد في الجيش الباكستاني وأستاذ الأبحاث في كلية الدراسات العليا البحرية بولاية كاليفورنيا: «بالنسبة لباكستان، يتمثل الدافع الأساسي في هشاشة اقتصادها واستمرار خطر العزلة الذي تفرضه عليها جارتها الأكبر في جنوب آسيا، الهند. أما بالنسبة لدول الخليج، فإن الدافع يكمن في تعزيز قدراتها الدفاعية من خلال تطوير صناعاتها العسكرية الوطنية والتقدم التكنولوجي، وهو ما دفع الطرفين إلى التقارب».
وأضاف خان لإذاعة RFE/RL أن دول الخليج فقدت ثقتها بالمنظومة الأمنية السابقة التي كانت تقوم تحت المظلة الأميركية، بعدما تعرضت لهجمات من كل من إيران وإسرائيل.
وقال: «أصبحت هذه الدول اليوم أكثر اهتماماً ببناء منظومة أمنية ذاتية بدلاً من الاعتماد على قوى خارجية».
وقد خاضت باكستان والهند، وكلتاهما دولتان نوويتان، عدة حروب منذ استقلالهما عن بريطانيا عام 1947. ونظراً لتفوقها في المساحة والسكان والاقتصاد والقدرات العسكرية، ظلت الهند تُعد القوة الإقليمية الرئيسية في جنوب آسيا.
ويختتم خان قائلاً: «في إطار تعزيز أهميتها الاستراتيجية، نجحت باكستان في رسم دور لنفسها في الشرق الأوسط من خلال تقديم نفسها بوصفها الحصن الشرقي للعالم الإسلامي. وبدلاً من محاولة منافسة الهند، الأكبر حجماً، داخل جنوب آسيا، استطاعت باكستان توظيف الصراع الأميركي الإيراني بنجاح لإعادة تموضعها باعتبارها قوة شرق أوسطية.»
