بث تجريبي

كيف يشير سقوط فرنسا إلى صعود الصين في منطقة الساحل

دراسات وأبحاث - راغفيندرا كومار
راغفيندرا كومار
زميل غير مقيم في برنامج آسيا بمعهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI)، وزميل ما بعد الدكتوراه في كلية العلاقات الدولية ودراسات السلام بجامعة نالاندا.

في خطوة أثارت القلق، وإن كانت متوقعة إلى حد بعيد، قطعت بوركينا فاسو علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا في 26 يونيو (حزيران) 2026، متهمةً القوة الاستعمارية السابقة بالسعي إلى تحقيق «أطماع استعمارية جديدة»، والحفاظ على «شبكات تخريبية»، بل وحتى بدعم جماعات إرهابية ضد الدولة البوركينية. ووصف الجانب الفرنسي القرار بأنه «عدائي ولا يستند إلى أي أساس»، في حين اعتبرت واغادوغو أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، مستندةً إلى ما وصفته بالتدخلات الفرنسية المستمرة في شؤونها الداخلية، وإلى غياب الثقة والاحترام المتبادل واحترام السيادة، وهي المبادئ التي تُعد أساساً لأي علاقة دبلوماسية طبيعية. ولم يكن هذا الانفصال النهائي مفاجئاً، إذ سبقته سلسلة من الإجراءات بدأت بطرد القوات الفرنسية من البلاد عام 2023، ثم طرد الدبلوماسيين الفرنسيين في عام 2024.

ولم يقتصر الأمر على القطيعة الدبلوماسية، بل جاء ضمن عملية إعادة اصطفاف إقليمي أوسع. ففي يونيو 2026، أعلنت بوركينا فاسو، إلى جانب مالي والنيجر، انسحابها الرسمي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، معتبرةً أن المنظمة الإقليمية باتت تخدم بصورة متزايدة مصالح فرنسا وشركائها الغربيين على حساب المصالح الوطنية وسيادة الدول الأعضاء. كما جاء هذا القرار متزامناً مع انسحاب الدول الثلاث من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تعكس توجهاً أشمل لإعادة تشكيل البنية المعيارية للنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة، بعيداً عن الهيمنة الغربية.

وفي الوقت نفسه، عززت هذه القرارات التزام الدول الثلاث بتطوير تحالف دول الساحل (AES)، الذي تتولى بوركينا فاسو رئاسته الدورية عام 2026 بقيادة النقيب إبراهيم تراوري. وقد تأسس هذا التحالف بموجب ميثاق ليبتاكو-غورما الموقع في 16 سبتمبر (أيلول) 2023، ليشكّل كونفدرالية تمتد على مساحة تقارب 2.8 مليون كيلومتر مربع، ويقطنها نحو 75 مليون نسمة. ورغم أن التحالف نشأ في البداية بوصفه اتفاقاً للدفاع المشترك والأمن الجماعي، فإنه تطور تدريجياً إلى إطار سياسي وأمني واقتصادي أكثر شمولاً.

ومن ثم، فإن القطيعة مع فرنسا لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد حلقة جديدة في موجة «إزالة الطابع الغربي» التي تشهدها منطقة الساحل، أو كرد فعل مباشر على الضغوط الغربية المطالبة بالديمقراطية، بل باعتبارها جزءاً من تحول جيوسياسي أعمق. ويرى الكاتب أن عاملين رئيسيين يفسران هذا التحول.

التاريخ يصنع ما يبدو اليوم حتمياً

يتمثل العامل الأول في أن النزعة المتنامية نحو التحرر من النفوذ الغربي في دول الساحل، وعلى رأسها بوركينا فاسو، تستند إلى جذور تاريخية عميقة مرتبطة بالإرث الاستعماري، وتحظى في الوقت نفسه بتأييد شعبي واسع يقوم على اعتبارات واقعية ومادية. وقد نجح الحاكم العسكري ورئيس المرحلة الانتقالية، النقيب إبراهيم تراوري، في توظيف هذا المزاج الشعبي بمهارة، مستحضراً الإرث المناهض للاستعمار للرئيس الثوري الراحل توماس سانكارا، الذي اغتيل عام 1987، ويُنظر إليه باعتباره «أب الثورة البوركينية»، وغالباً ما يُلقب بـ«تشي غيفارا أفريقيا».

وحوّل تراوري إرث سانكارا إلى أداة قوية للتعبئة السياسية، بينما جرى تضخيم هذه الرسالة داخل أفريقيا وامتداداتها في الشتات عبر منظومة إعلامية رقمية واسعة، تضم وسائل إعلام متعاطفة، وأحياناً شبكات منسقة وغير أصيلة، تحظى بدعم من شركاء غير غربيين.

وعلى خلاف الخطاب التقليدي للعالم الثالث خلال الحرب الباردة، الذي ركز على التضامن بين الدول النامية ومقاومة النفوذ الرأسمالي الغربي والشيوعية السوفييتية، أو النظريات التي فسرت علاقة الجنوب بالغرب من منظور التبعية الاقتصادية، فإن خطاب السيادة الجديد في بوركينا فاسو يسعى إلى تحويل فكرة التخلص من الهيمنة الغربية إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة يمكن للمواطن أن يلمسها في حياته اليومية.

ويرى الكاتب أن نجاح هذا الخطاب لا يقاس بمدى صحته النظرية، بل بقدرته على إقناع الرأي العام بأنه يحقق إنجازات وطنية حقيقية. ويستشهد في ذلك بسياسات مثل تأميم احتياطيات الذهب، وإطلاق برنامج زراعي ورعوي تتجاوز قيمته مليار دولار، وما ترتب عليه من وقف استيراد الأرز بعد تحقيق إنتاج قياسي من الحبوب، فضلاً عن تنفيذ مشروعات واسعة للبنية التحتية تشمل الطرق والسدود ومصانع الصناعات الغذائية. وتُقدَّم هذه الإنجازات باعتبارها دليلاً على إمكانية تحقيق الاعتماد على الذات من دون الخضوع لشروط برامج الإنقاذ التي يفرضها صندوق النقد الدولي، والتي عادة ما تتضمن إجراءات تقشفية، وخصخصة، وتحريراً للأسواق.

ويلاحظ الكاتب أن كثيراً من التحليلات الغربية ما زالت تفسر التحولات الجارية في منطقة الساحل من منظور ضيق يركز على رغبة الأنظمة العسكرية في البقاء بالسلطة، متجاهلةً أن قطاعات واسعة من المواطنين تطالب أيضاً بالسيادة الوطنية، والاستفادة من الثروات المحلية، وتحقيق التنمية. كما أن العقوبات الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية التي يفرضها الغرب قد تؤدي، بحسب الكاتب، إلى نتيجة عكسية، إذ تعزز المشاعر المناهضة للغرب بدلاً من احتوائها.

الصين تغتنم الفرصة

أما العامل الثاني، فيتجاوز الإطار المحلي ليحمل دلالات جيوسياسية أوسع. فبينما أصبحت منطقة الساحل، وبوركينا فاسو على وجه الخصوص، مختبراً لحركة التحرر من النفوذ الغربي في أفريقيا، سارعت الصين إلى استغلال الفرصة لترسيخ وجودها داخل الهياكل السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة، مستخدمةً هذا التحول لتوسيع مجال نفوذها وتعزيز عمقها الاستراتيجي.

وتحتل بوركينا فاسو موقعاً محورياً في هذه الرؤية الصينية. فعلى الرغم من كونها دولة حبيسة تعاني من النزاعات، فإن موقعها في قلب غرب أفريقيا يجعلها حلقة الوصل بين الصحراء الكبرى والمناطق الداخلية المطلة على خليج غينيا. ومعظم طرق التجارة البرية الممتدة من موانئ أبيدجان ولومي وكوتونو نحو الداخل الساحلي تمر عبر أراضيها أو عبر شركائها في تحالف دول الساحل، الأمر الذي يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية.

إضافة إلى ذلك، تُعد بوركينا فاسو رابع أكبر منتج للذهب في أفريقيا، بعدما سجل إنتاجها مستوى قياسياً بلغ 94 طناً عام 2025. كما أسهم اكتشاف احتياطيات من الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة والكوبالت في وضعها ضمن خريطة المعادن الاستراتيجية التي تتنافس عليها القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين. وفي المقابل، أصبحت البلاد أيضاً بؤرة رئيسية للعنف الجهادي في منطقة الساحل، إذ تشير التقديرات إلى أن جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» تنازع الحكومة السيطرة على نحو 60 في المائة من أراضي البلاد، ما جعل بوركينا فاسو واحدة من أكثر الدول الأفريقية هشاشة وتأثراً بالإرهاب، واحتلت المرتبة الثانية عالمياً من حيث تأثير الإرهاب خلال عام 2025.

ويرى الكاتب أن هذه المعادلة تمنح أي قوة تساعد الرئيس إبراهيم تراوري في مواجهة التهديدات الأمنية نفوذاً استراتيجياً يتجاوز حدود بوركينا فاسو ليشمل قلب منطقة الساحل بأكملها، إضافة إلى ممرات النقل التي تربطها بالساحل الأطلسي. ومن هذا المنطلق، قدمت الصين دعماً مالياً وعسكرياً ودبلوماسياً ولوجستياً وتقنياً واسع النطاق، ساعد الحكومة البوركينية في تعزيز جهودها لمواجهة الجماعات المسلحة.

غير أن حكومة إبراهيم تراوري لم تستبدل راعياً خارجياً بآخر، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل انتهجت ما يصفه الكاتب بسياسة «الاصطفاف المتعدد» (Polyalignment)، وهي استراتيجية تقوم على بناء شراكات متوازية مع عدد من القوى غير الغربية، بحيث يؤدي كل شريك وظيفة مختلفة، بما يضمن لبوركينا فاسو أكبر قدر ممكن من الاستقلالية الاستراتيجية، ويجنبها الارتهان لطرف واحد.

فروسيا، على سبيل المثال، تمثل الركيزة السياسية والأمنية لهذه المقاربة، وذلك في ضوء الاتفاقية الثنائية الأساسية التي وقعها البلدان في موسكو في فبراير (شباط) 2026. وتنص هذه الاتفاقية على نشر عناصر من «فيلق أفريقيا» الروسي لتوفير الحماية للنظام الحاكم، إلى جانب التعاون مع مؤسسة «روساتوم» في مشروع للطاقة النووية المدنية، فضلاً عن دعم المنظومة الإعلامية التي تروج لخطاب السيادة الوطنية والتحرر من الهيمنة الغربية الذي تتبناه حكومة تراوري.

وفي المقابل، برزت تركيا بوصفها شريكاً رئيسياً في مجالي الدفاع والبنية التحتية الحيوية. فقد زودت أنقرة بوركينا فاسو بطائرات مسيّرة مسلحة، كما وسعت استثماراتها في قطاع الطاقة، ومن أبرزها محطة كهرباء بقدرة 119 ميغاواط تنفذها شركات تركية بتمويل من مؤسسة التمويل الأفريقية، ويتوقع أن تصبح أكبر منشأة لإنتاج الكهرباء في البلاد عند دخولها الخدمة عام 2027. أما دول الخليج، فقد لعبت دوراً مكملاً عبر سد فجوات التمويل في عدد من القطاعات الاقتصادية والتنموية.

ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أن روسيا تواجه قيوداً هيكلية تحد من قدرتها على الحفاظ على هذا الدور على المدى الطويل. فالعقوبات الغربية وتكاليف الحرب في أوكرانيا أضعفت الاقتصاد الروسي وأثرت في صادراته العسكرية، إذ تظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن صادرات الأسلحة الروسية تراجعت بنحو 64 في المائة بين الفترتين 2015-2019 و2020-2024. وهذا التراجع يعكس محدودية قدرة موسكو على تمويل مشروعات التنمية أو توفير دعم اقتصادي مستدام لحلفائها، رغم استمرارها في تقديم المساندة السياسية والعسكرية.

ومن هنا، يخلص الكاتب إلى أن الصين أصبحت الشريك الخارجي الأكثر أهمية بالنسبة لبوركينا فاسو، لأنها تمتلك ما لا تمتلكه روسيا ولا غيرها من الشركاء، وهو القدرة على الجمع بين التمويل طويل الأجل، وبناء البنية التحتية، وتوفير القدرات الصناعية، وتصدير المعدات العسكرية، ونقل التكنولوجيا، وبناء منظومات الاتصال والمعلومات، ضمن حزمة متكاملة تجعلها بمثابة «مركز الثقل المادي» في شبكة العلاقات الخارجية التي تنسجها واغادوغو.

بكين تملأ الفراغ الذي تركه الغرب

ويؤكد الكاتب أن بكين تحركت بسرعة لملء الفراغ الذي لم ينجح الغرب في شغله. فمنذ أن استعادت بوركينا فاسو علاقاتها الدبلوماسية مع الصين عام 2018، بعد قطع علاقاتها مع تايوان، شهدت العلاقات الثنائية تطوراً متسارعاً، بلغ مرحلة جديدة عقب توقيع اتفاق دفاعي متعدد المراحل عام 2024 مع شركة NORINCO الصينية المملوكة للدولة، بهدف تعزيز قدرات الجيش البوركيني.

ومنذ ذلك الحين، تلقت واغادوغو دفعات متتالية من المعدات العسكرية الصينية، شملت مركبات مدرعة مقاومة للألغام من طرازي VP11 وCS/VP14، ومنصات دعم ناري VN22B، ومدافع هاون ذاتية الحركة PLL-05، ومنظومات إطلاق صواريخ متعددة SR5، إضافة إلى تجهيزات عسكرية متطورة أخرى. ويرى الكاتب أن هذه الأسلحة وفرت للقوات البوركينية، لأول مرة، قدرات هجومية بعيدة المدى، وعززت بشكل ملحوظ قوة نيرانها وحركتها في مواجهة جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

والأهم من ذلك، أن هذه المنظومات لم تُسلَّم خلال سنوات كما يحدث عادة مع الموردين الغربيين، بل خلال أشهر قليلة، وبتمويل مرن يعتمد في جزء منه على صادرات الذهب المستقبلية، من دون أن تقترن بشروط سياسية أو اقتصادية كتلك التي غالباً ما ترافق برامج المساعدات الغربية.

وبفضل هذا التوسع، أصبحت الصين تستحوذ على نحو 26 في المائة من واردات الأسلحة إلى غرب أفريقيا، متجاوزةً روسيا بوصفها أكبر مزود للسلاح في أفريقيا جنوب الصحراء. لكن الكاتب يشدد على أن العلاقة بين بكين وواغادوغو تتجاوز كثيراً مجرد تجارة السلاح.

فالصين أصبحت أيضاً شريكاً تنموياً رئيسياً، إذ تمول مشروعات الطاقة، والبنية التحتية، وشبكات الاتصال الرقمي، كما توسع حضورها في استخراج ومعالجة المعادن الاستراتيجية، وهو القطاع الذي تتمتع فيه الشركات الصينية بقدرات عالمية متقدمة. وإلى جانب ذلك، نقلت بكين تقنيات لم تكن فرنسا قد قدمتها طوال عقود وجودها في البلاد، شملت أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وبرنامج «بوركينا الذكية» المخصص للأمن الحضري، فضلاً عن دخول شركة يونهونغ الصينية في أعمال استكشاف المعادن النادرة. كما يعكس تعيين رجل الأعمال الصيني لي يوباو، الذي حصل على الجنسية البوركينية، مستشاراً خاصاً للرئيس، مدى التحول الذي تشهده العلاقات بين البلدين نحو مستوى مؤسسي أعمق.

ويرى الكاتب أن ما تقدمه الصين لا يقتصر على تمويل المشروعات أو بيع المعدات، بل يشمل أيضاً بناء القدرات المؤسسية للدولة. فقد قدمت بكين أكثر من 30 مليون دولار في صورة منح مباشرة، كما أدرجت بوركينا فاسو ضمن خطة عمل منتدى التعاون الصيني الأفريقي (FOCAC) للفترة 2024-2027، وهو ما أتاح إطاراً مؤسسياً لتوسيع التعاون في مجالات الأمن والبنية التحتية والتنمية. ويعكس ذلك، بحسب الكاتب، طموح الصين إلى تحويل بوركينا فاسو إلى نموذج لتطبيق رؤيتها القائمة على الدمج بين الأمن والتنمية في منطقة الساحل.

غير أن الكاتب يؤكد أن فهم الحضور الصيني في الساحل من زاوية التعاون الثنائي فقط يغفل البعد الأكثر أهمية، وهو الاستراتيجية الجيو-اقتصادية لبكين، التي ترى في دول الساحل الغنية بالموارد، رغم كونها دولاً حبيسة، أدوات للوصول في النهاية إلى ساحل المحيط الأطلسي، وليس مجرد شركاء اقتصاديين مستقلين.

يرى الكاتب أن النظر إلى انخراط الصين في منطقة الساحل بوصفه مجرد توسع لنفوذها داخل أفريقيا أو شراكة ثنائية مع بوركينا فاسو، يُغفل البعد الأكثر أهمية في الاستراتيجية الصينية، وهو البعد الجيو-اقتصادي. فالدول الحبيسة والغنية بالموارد الطبيعية في منطقة الساحل ليست، من منظور بكين، غاية في حد ذاتها، وإنما تمثل وسيلة استراتيجية للوصول إلى الساحل الأطلسي وتعزيز الحضور الصيني في أحد أهم الفضاءات البحرية التي ظلت لعقود حكراً على النفوذ الغربي.

ويشير الكاتب إلى أن النموذج الذي تتبعه الصين بات واضحاً ويمكن رصده في أكثر من منطقة. ففي المحيط الهندي، استثمرت بكين لأكثر من عشرين عاماً في الموانئ، وخطوط الأنابيب، والكابلات البحرية في جيبوتي، قبل أن يتحول هذا الاستثمار تدريجياً إلى قاعدة عسكرية ومنظومة لوجستية تخدم عقيدة «الدفاع في البحار البعيدة» التي تتبناها البحرية الصينية. واليوم، يرى الكاتب أن الصين تسعى إلى تكرار التجربة نفسها، ولكن بهدوء أكبر وباهتمام دولي أقل، على الساحل الغربي للقارة الأفريقية المطل على المحيط الأطلسي.

ويستشهد الكاتب بعدد من المؤشرات التي يراها دليلاً على هذا التوجه. فمنها خط أنابيب النفط بين النيجر وبنين، الذي يبلغ طوله نحو ألفي كيلومتر وتجاوزت تكلفته ستة مليارات دولار، ويعد من أطول خطوط الأنابيب في أفريقيا. ويؤكد أن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في ربط حقول النفط في النيجر بالأسواق العالمية، بل في كونه ينتهي عند محطة التصدير الأطلسية في سيمي-كراكي على ساحل بنين، بما يمنح الصين منفذاً استراتيجياً إلى المحيط الأطلسي.

كما يشير إلى أن شركة NORINCO الصينية، وهي أكبر شركة دفاع مملوكة للدولة، افتتحت أحدث مركز أفريقي للدعم والخدمات في العاصمة السنغالية داكار، التي تعد إحدى أهم بوابات الاتصال الأطلسية في غرب أفريقيا. ويهدف هذا المركز إلى تقديم التدريب والصيانة والدعم اللوجستي للقوات المسلحة في دول تحالف الساحل الثلاث، بما يعزز استدامة المنظومة العسكرية الصينية في قلب غرب أفريقيا.

ولا يقتصر الحضور الصيني، بحسب الكاتب، على المجال العسكري، بل يمتد إلى البنية التحتية البحرية. فالموانئ التي تمولها أو تنشئها الشركات الصينية تمتد من ميناء الصداقة في نواكشوط بموريتانيا، مروراً بسواحل خليج غينيا، وهي منشآت يعتبرها بعض المخططين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة متوافقة مع الرؤية الصينية الرامية إلى إنشاء موطئ قدم بحري دائم على الضفة الشرقية للمحيط الأطلسي.

ويضيف الكاتب أن شهر يناير (كانون الثاني) 2026 شهد إجراء أول مناورات بحرية من نوعها لدول «بريكس بلس» في مياه المحيط الأطلسي قبالة الساحل الغربي لجنوب أفريقيا، بمشاركة قطع بحرية صينية وروسية وإيرانية. ويعتبر أن هذه الخطوة ليست حدثاً منفصلاً، وإنما تأتي ضمن استراتيجية أوسع تعمل على ربط العمق الأفريقي بالساحل الأطلسي عبر سلسلة من المشروعات الاقتصادية والممرات اللوجستية والاستثمارات المتتابعة، بما يؤدي تدريجياً إلى إنشاء شبكة بحرية صينية جديدة خارج نطاق المحيطين الهندي والهادئ.

الأطلسي... ساحة المنافسة المقبلة

ويؤكد الكاتب أن التداعيات الاستراتيجية لهذا التحول يصعب تجاهلها. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظل المحيط الأطلسي يمثل القلب الاستراتيجي للقوة البحرية الغربية، حيث تمتعت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بتفوق شبه مطلق في هذا المجال.

لكن توسع الحضور الصيني على السواحل الأطلسية لأفريقيا، مدعوماً باستثمارات ضخمة في الموانئ التجارية القابلة للاستخدام المزدوج، وشبكات الدفاع والاتصالات والأقمار الصناعية، إلى جانب الوصول إلى الثروات المعدنية الهائلة في منطقة الساحل، يمنح بكين خيارات استراتيجية مشابهة لتلك التي وفرتها لها استثماراتها السابقة في جيبوتي وغوادر الباكستانية على المحيط الهندي.

ويرى الكاتب أن مثل هذه الشبكة ستسمح للبحرية الصينية بالحفاظ على وجود طويل الأمد بالقرب من أهم خطوط الملاحة البحرية العالمية، كما ستوسع نطاق المنافسة الاستراتيجية خارج منطقة الهندو-باسيفيك، وتعيد تدريجياً تشكيل ميزان القوى العالمي.

وفي هذا السياق، يستدعي الكاتب المقولة الشهيرة للمفكر البحري الأمريكي ألفريد ثاير ماهان: «القوة البحرية تبدأ من اليابسةومن هذا المنطلق، يخلص إلى أن بوركينا فاسو، رغم كونها دولة غير ساحلية، قد لا تستضيف يوماً قاعدة بحرية صينية، لكنها تمثل نقطة ارتكاز جغرافية تساعد بكين على بناء نفوذها البحري المستقبلي في المحيط الأطلسي، عبر السيطرة على الممرات البرية والاقتصادية المؤدية إليه.

غير أن الكاتب يلفت إلى أن هذه الاستراتيجية ليست خالية من التحديات، وأن النفوذ الصيني في منطقة الساحل ما زال يواجه عقبات حقيقية قد تحد من قدرته على التوسع بالوتيرة نفسها.

ومع ذلك، يرى الكاتب أن الاستراتيجية الصينية في منطقة الساحل لا تخلو من تحديات جوهرية قد تحد من قدرتها على تحقيق أهدافها بعيدة المدى. ففي النيجر، على سبيل المثال، واجهت بكين انتكاسات ملموسة عندما أقدمت السلطات على طرد عدد من مسؤولي شركات النفط الصينية، كما أعادت من جانب واحد النظر في الشروط التعاقدية التي تحكم عمليات الشركة الوطنية الصينية للبترول (CNPC) داخل البلاد. كذلك تعرض مشروع خط أنابيب النفط بين النيجر وبنين، الذي يمثل أحد أكبر الاستثمارات الصينية في غرب أفريقيا، لضغوط متزايدة نتيجة الهجمات المتكررة التي نفذتها جماعة «الجبهة الوطنية لتحرير الوطن»، وهي حركة متمردة مناهضة للمجلس العسكري الحاكم.

وفي مالي، شهدت العلاقات بين بكين وباماكو توتراً ملحوظاً عندما استدعت الحكومة المالية السفير الصيني احتجاجاً على ما وصفته بتجاوزات تتعلق بأنشطة التعدين الحرفي وغير المشروع، وهو القطاع الذي أصبح بدوره هدفاً لهجمات جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين». ويشير الكاتب إلى أن هذه التطورات تعكس اتجاهاً متزايداً داخل عدد من الدول الأفريقية، ولا سيما تلك التي تحكمها أنظمة عسكرية، نحو تطبيق سياسات القومية الاقتصادية على الصين بالقدر نفسه الذي تُطبق به على القوى الغربية، بما يعني أن بكين ليست بمنأى عن الضغوط الوطنية المطالبة بالسيطرة على الموارد الطبيعية.

ويضيف الكاتب أن الأسلحة الصينية، رغم ما وفرته من تطوير لقدرات الجيوش في منطقة الساحل، لم تُحدث تحولاً حاسماً في ميزان القوى على الأرض. فما زالت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (JNIM) توسع نطاق عملياتها العسكرية وتفرض حضورها في مساحات واسعة من المنطقة، على الرغم من الصفقات العسكرية المتتالية التي أبرمتها حكومات الساحل مع الصين. ولذلك، ينظر عدد من الخبراء الاستراتيجيين إلى التوسع الصيني في المنطقة باعتباره قائماً على بيئة سياسية وأمنية شديدة الهشاشة، بما يجعل استدامته أمراً غير مضمون.

ورغم هذه العقبات، يؤكد الكاتب أن الاتجاه العام للتوازنات الجيوسياسية يبدو واضحاً. فمن وجهة نظره، اعتمد الغرب خلال السنوات الأخيرة على أدوات مثل العقوبات الاقتصادية، وتعليق العلاقات الدبلوماسية، وفرض الشروط السياسية والاقتصادية باعتبارها وسائل رئيسية للتعامل مع الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل. غير أن هذه السياسة جاءت بنتائج عكسية، إذ أسهمت في تسريع عملية إعادة الاصطفاف الجيوسياسي التي كانت تسعى أصلاً إلى منعها، ودفعت دول المنطقة إلى البحث عن شركاء جدد خارج المنظومة الغربية.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن الديمقراطيات غير الغربية، إلى جانب القوى الوسطى والصاعدة في الجنوب العالمي، أصبحت تمتلك فرصة متزايدة للعب دور أكثر تأثيراً في أفريقيا، شريطة أن تنافس الصين ليس عبر الخطاب السياسي أو القيم المعيارية، وإنما من خلال سرعة التنفيذ، وحجم التمويل، وجودة البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، وبناء شراكات تنموية موثوقة.

ويضرب الكاتب مثالاً بـ الهند، التي يمكنها، إلى جانب قوى أخرى في الجنوب العالمي، أن تقدم لبوركينا فاسو بدائل استراتيجية تساعدها على تنويع شراكاتها وتقليل اعتمادها على أي قوة بعينها، من خلال توفير التمويل التنموي وفقاً لأولويات الدولة المستفيدة، ودعم بناء القدرات المؤسسية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القيمة المضافة للموارد الطبيعية، وتطوير البنية التحتية الرقمية باعتبارها منفعة عامة تخدم السيادة الوطنية، من دون فرض إملاءات سياسية بشأن اختيار الشركاء الدوليين.

ويخلص الكاتب إلى أن هذا النهج من شأنه أن يعزز الاستقلالية الاستراتيجية الحقيقية لبوركينا فاسو، ويضمن في الوقت نفسه أن تعمل جميع القوى الخارجية، بما فيها الصين، داخل بيئة تنافسية مفتوحة، بدلاً من أن تتحول إلى قوة مهيمنة جديدة تعيد إنتاج أنماط الهيمنة الاستعمارية السابقة تحت مسميات مختلفة.

الخلاصة

ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن المحك الحقيقي لعملية التحرر من النفوذ الغربي في أفريقيا، في ظل النظام الدولي متعدد الأقطاب الآخذ في التشكل، لن يكون مجرد استبدال شريك خارجي بآخر، وإنما قدرة الدول الأفريقية على تحقيق استقلالية استراتيجية فعلية، وإقامة شبكة من الشراكات المتوازنة متعددة الأطراف، تحول دون الوقوع في دورة جديدة من التبعية، أياً كان الطرف الخارجي الذي يقودها.

نُشر المقال أصلاً بواسطة معهد أبحاث السياسة الخارجية (Foreign Policy Research Institute – FPRI).