كيف نقرأ التراث؟ مقدمة منهجية في نقد القراءة الأدونيسية للثقافة العربية
قبل البدء..
ليست هذه الكلمات محاكمة شاعر، ولا هي محاولة للنيل من مكانة أديب، وليست كذلك دعوة إلى إغلاق باب الاجتهاد الفكري، أو مصادرة حق أي مفكر في إعادة النظر في الموروث الثقافي بل العكس.
إن من أعظم ما تحتاج إليه الأمم الحية أن تعيد مساءلة تراثها باستمرار، وأن تراجع مسلماتها، وأن تفتح أبواب الأسئلة الكبرى دون خوف أو تردد، لكن السؤال الذي يسبق كل سؤال هو:
كيف نقرأ التراث أصلًا؟
لأن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في الجواب الذي ننتهي إليه، بل في الطريقة التي وصلنا بها إلى هذا الجواب، وقد يكون الخطأ في المنهج أخطر من الخطأ في النتيجة، فالنتيجة الخاطئة يمكن تصحيحها، أما المنهج الخاطئ فإنه قادر على إنتاج عدد لا نهائي من النتائج الخاطئة، ولهذا فإن هذه المقالات لا تنطلق أساسًا من خلاف مع أدونيس كشاعر أو كمثقف، وإنما تنطلق من خلاف مع طريقة معينة في النظر إلى التاريخ والثقافة والحضارة.
طريقة أرى أنها لا تكتفي بقراءة التراث، بل تعيد أحيانًا إنتاجه وفق تصورات مسبقة، ولا تكتفي بفهم الماضي، بل تدفعه إلى قول ما لم يقله، فمن أكثر الأخطاء شيوعًا في الخطاب الثقافي الحديث النظر إلى التراث وكأنه كتلة جامدة، شيء قديم وُضع في صندوق كبير اسمه "الماضي"، ثم أغلق عليه الباب، لكن التراث ليس كذلك، فالتراث ليس مجموعة كتب صفراء، ولا عددًا من المخطوطات، ولا أسماء محفوظة في كتب التراجم، فالتراث هو التاريخ الحي لعقل أمة كاملة، هو حصيلة قرون طويلة من الصراع والاجتهاد والبناء والنقد والتجاوز والتراكم، إنه عالم متحرك لا عالم ساكن، وحين نتعامل معه بوصفه شيئًا جامدًا فإننا نكون قد شوّهناه قبل أن نبدأ في قراءته.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كان التراث متحركًا أم ثابتًا؟
بل: كيف كانت أنماط الحركة داخله؟ وما أشكال التجديد التي عرفها؟ وما الآليات التي أنتج بها المعرفة؟ وما الحدود التي تحرك في إطارها؟ هذه الأسئلة أكثر تعقيدًا، لكنها أيضًا أكثر قربًا من الحقيقة.
إن العقل البشري يحب التبسيط، ولهذا يبحث دائمًا عن مفاتيح كبرى تفسر كل شيء، مرة باسم الصراع الطبقي، ومرة باسم الاقتصاد، ومرة باسم الجنس، ومرة باسم السلطة، ومرة باسم الحداثة، لكن التاريخ يعاقب دائمًا من يحاول اختزاله في مفتاح واحد، فالحضارات أعقد من ذلك، والثقافات أوسع من ذلك، والإنسان أغنى من أن يُحبس داخل معادلة واحدة، ومن هنا ينبغي الحذر من كل نظرية تدّعي أنها اكتشفت القانون السري الذي يفسر ألف سنة من التاريخ، لأن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة، إنه شبكة هائلة من العوامل المتداخلة، وكل محاولة لاختزاله في ثنائية واحدة أو قانون واحد تنتهي غالبًا إلى استبدال الواقع بنموذج ذهني مريح.
وثَمَّ فرق بين أن تفهم الماضي وأن تحاكمه، وبين أن تفسر أفكار الناس وأن تطالبهم بأن يشبهونا، فكل عصر يعيش داخل شروطه الخاصة، ولكل حضارة أسئلتها التي تختلف عن أسئلة غيرها، ولهذا فإن أول واجبات الباحث هو أن يحاول فهم النصوص في سياقاتها الأصلية، لا أن ينتزعها من بيئتها ثم يعيد توظيفها في معارك معاصرة.
والتاريخ لا يتكلم بصوت واحد، ولهذا فإن الباحث النزيه لا يبحث فقط عن الشواهد التي تؤيده، بل يبحث أيضًا عن الشواهد التي تزعجه، فالفرضية القوية ليست تلك التي تفسر الوقائع الموافقة لها، بل تلك التي تستطيع تفسير الوقائع المخالفة أيضًا، أما حين تتحول القراءة إلى عملية اختيار مستمرة لما ينسجم مع الفكرة المسبقة، فإن التاريخ يتحول إلى مخزن أمثلة لا إلى موضوع معرفة، وعندها يصبح الباحث أشبه بمحامٍ يدافع عن قضية، لا بعالم يحاول اكتشاف الحقيقة.
وقد عانت الثقافة العربية طويلًا من موقفين متقابلين، موقف يرى التراث مقدسًا بالكامل، وموقف يرى التراث متهمًا بالكامل، الأول لا يرى فيه خطأ والثاني لا يرى فيه فضيلة، الأول يرفض النقد والثاني يرفض الفهم، وكلاهما يبتعد عن الحقيقة، فالتراث ليس مقدسًا، لكنه ليس جريمة أيضًا، إنه تجربة إنسانية كبرى، فيها الصواب والخطأ، وفيها الإبداع والقصور، وفيها النور والظل، ومن أراد أن يفهمها حقًا فعليه أن يتحرر من الرغبة في تمجيدها كما يتحرر من الرغبة في إدانتها.
ومن الأخطاء المتكررة في بعض القراءات الحديثة ربط الإبداع بالتمرد ربطًا مطلقًا، وكأن كل جديد لا يولد إلا من القطيعة، لكن التاريخ الفعلي للحضارات يقول غير ذلك، فأعظم الإنجازات الإنسانية لم تكن دائمًا ثورات على الماضي، بل كانت في كثير من الأحيان امتدادات خلاقة له، إن الشجرة لا تنمو لأنها قطعت جذورها، بل لأنها احتفظت بجذورها وأضافت إليها أغصانًا جديدة، وهكذا الحضارات فهي لا تتقدم بإلغاء ذاكرتها، بل بإعادة توظيفها، ولا تتجدد بمحو ماضيها، بل بإعادة قراءته، ولهذا فإن السؤال ليس: هل نتمرد على التراث؟ أو: هل نخضع له؟ بل: كيف نحاوره؟ وكيف نحوله إلى مصدر طاقة لا إلى قيد؟
إن هذه المقالات ليست محاولة لإغلاق النقاش الذي فتحه أدونيس، بل محاولة لإعادة فتحه، وليس سعيًا إلى استبدال عقيدة بعقيدة، بل محاولة للعودة إلى التاريخ نفسه، إلى النصوص، إلى الوقائع، إلى الشخصيات كما كانت لا كما نريدها أن تكون، إن القضية التي تشغل هذه الصفحات ليست الدفاع عن التراث ضد أدونيس، ولا الدفاع عن أدونيس ضد التراث، بل الدفاع عن حق التاريخ في أن يُقرأ قراءة أكثر اتساعًا وتعقيدًا وإنصافًا.
فكل قراءة للتراث تكشف بقدر ما تخفي، وكل عدسة تضيء جانبًا وتحجب جانبًا آخر، ولا يوجد قارئ يملك الحقيقة كاملة، لكن هناك فرقًا بين قراءة تعرف حدودها، وقراءة تظن أنها امتلكت المفتاح النهائي للتاريخ، ومن هنا تبدأ هذه المقالات، لا باعتبارها الكلمة الأخيرة في النقاش، بل باعتبارها اعتراضًا على وهم الكلمة الأخيرة، واعتراضًا على كل محاولة لاختزال حضارة امتدت قرونًا طويلة في ثنائية واحدة، أو فكرة واحدة، أو معركة واحدة، فالتراث العربي أكبر من أن يُختصر، وأعقد من أن يُحبس في قالب، وأغنى من أن تستنفده أي قراءة مهما بلغت من الذكاء والجرأة والبلاغة، ولهذا فإن الطريق إلى فهمه لا يبدأ باليقين، بل يبدأ بالتواضع أمام اتساعه.
