الهند تعود إلى نفط الخليج بعد العقوبات على روسيا
كشفت وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية عن تحوّلٍ لافتٍ في خريطة استيراد النفط الهندي، بعد أن لجأت نيودلهي إلى زيادة مشترياتها من الخام القادم من دول الخليج العربي والولايات المتحدة، في أعقاب العقوبات الأمريكية الجديدة المفروضة على شركتين روسيتين تعملان في تصدير النفط.
وقالت الوكالة، في تقريرٍ نشرته الجمعة، إن شركة "ريلاينس إندستريز" الهندية - أكبر شركة تكرير في البلاد - اشترت ملايين البراميل من النفط الخليجي والأمريكي، في خطوةٍ تعكس مخاوف الأسواق من احتمال تعطل تدفقات الخام الروسي نحو المصافي الهندية بسبب العقوبات.
ونقلت "بلومبيرغ" عن مصادر مطلعة أن "ريلاينس" تعاقدت مؤخرًا على شحناتٍ متعددة من خاماتٍ خليجيةٍ متنوعة تشمل:
- الخفجي السعودي،
- البصرة المتوسط العراقي،
- الشاهين القطري،
- بالإضافة إلى كمياتٍ من خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI)، ومن المقرر أن يتم تسليم هذه الشحنات خلال شهري ديسمبر ويناير المقبلين.
انعكاسات العقوبات الأمريكية
وأوضحت "بلومبيرغ" أن العقوبات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت شركتين روسيتين تعملان في تسويق وتصدير النفط أحدثت اضطرابًا في تدفقات الطاقة العالمية، ودَفعت المستوردين الآسيويين، وفي مقدمتهم الهند والصين، إلى إعادة تقييم علاقاتهم النفطية مع موسكو.
وتُعد شركة "ريلاينس" أحد أكبر مستوردي الخام الروسي في الهند من حيث الكميات، إذ تعتمد على اتفاقٍ طويل الأمد مع شركة "روسنفت" الروسية — إحدى الكيانات المدرجة على القائمة السوداء الأمريكية — لتوريد كمياتٍ ضخمة بأسعارٍ تفضيلية.
لكن العقوبات الجديدة، بحسب مصادر "بلومبيرغ"، دفعت الشركة إلى مضاعفة وتيرة مشترياتها من نفط الشرق الأوسط لتأمين احتياجاتها التشغيلية وتفادي أي نقصٍ في الإمدادات.
كما توقّعت الوكالة أن تشهد الأسابيع المقبلة تراجعًا حادًّا في تدفق النفط الروسي إلى المصافي الهندية الكبرى، نتيجة تعقيد مسارات الدفع والتأمين والنقل البحري عقب القيود الأمريكية الجديدة، بينما أوقفت بعض الشركات الصينية وارداتها مؤقتًا في انتظار وضوح الصورة القانونية والتجارية للعقوبات.
خريطة واردات الطاقة في الهند
تُعد الهند من أكبر مستوردي النفط الخام في العالم، إذ تبلغ وارداتها اليومية نحو 4.84 ملايين برميل وفق بيانات وكالة "رويترز" لعام 2024. وتعتمد نيودلهي بشكلٍ رئيسي على الاستيراد لتغطية أكثر من 85% من احتياجاتها النفطية، ما يجعلها عرضةً لأي تغيّرٍ جيوسياسي أو اقتصادي في أسواق الطاقة العالمية.
وخلال العامين الماضيين، أصبحت روسيا المورّد الأول للنفط إلى الهند، مستحوذةً على ما يقرب من 36% من إجمالي وارداتها النفطية، مستفيدةً من الخصومات السعرية الكبيرة التي قدّمتها لمواجهة الحظر الأوروبي والعقوبات الغربية.
إلا أن تشديد العقوبات الأمريكية مؤخرًا يعيد رسم ملامح هذه المعادلة، ويفتح المجال أمام النفط الخليجي والأمريكي لاستعادة حصتهما التقليدية في السوق الهندية.
قراءة في المشهد الطاقي الجديد
يرى محللون أن التحول الهندي نحو نفط الخليج والولايات المتحدة لا يقتصر على كونه استجابةً ظرفية للعقوبات الأمريكية، بل يعكس أيضًا إعادة تموضعٍ استراتيجيًا تسعى من خلاله نيودلهي إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد المفرط على النفط الروسي.
فالهند، التي تربطها علاقاتٌ وثيقة بدول الخليج العربي من جهة، وبالولايات المتحدة من جهةٍ أخرى، تحاول الموازنة بين مصالحها الاقتصادية وتحالفاتها السياسية.
كما أن تقاربها المتزايد مع واشنطن في السنوات الأخيرة — خاصة في إطار تحالف "الرباعية" (QUAD) مع اليابان وأستراليا — يجعلها أكثر حذرًا في تحدي النظام العقابي الأمريكي المفروض على موسكو.
ويشير مراقبون إلى أن الخليج العربي قد يستفيد استراتيجيًا من هذا التحول، إذ يُتوقّع أن تزيد صادرات السعودية والعراق وقطر إلى الهند خلال الربع الأول من عام 2025، لتغطية الفجوة التي سيتركها انخفاض الإمدادات الروسية.
مكاسب الخليج من التحوّل الهندي
يمثل التحوّل الهندي نحو نفط الخليج فرصةً استراتيجيةً مهمة لدول مجلس التعاون، التي تسعى منذ سنوات إلى تعزيز شراكاتها الآسيوية وتنويع أسواق صادراتها النفطية بعيدًا عن أوروبا. فالهند، باعتبارها ثالث أكبر مستهلك للطاقة في العالم، تُعد سوقًا واعدةً ومستقرةً نسبيًا، ما يجعل عودتها إلى النفط الخليجي مكسبًا مزدوجًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا.
اقتصاديًا، سيؤدي هذا التحوّل إلى زيادة الطلب على خامات الخليج، وخصوصًا النفط السعودي والعراقي والقطري، ما يعزّز إيرادات هذه الدول ويمنحها موقعًا أقوى في التفاوض مع المشترين الآسيويين.
أما سياسيًا، فهو يُعيد ترسيخ الدور الخليجي كمصدر طاقة موثوق ومستقر في مواجهة التقلّبات الروسية والإيرانية، ويمنح العواصم الخليجية ورقة ضغطٍ إضافية في علاقاتها مع واشنطن ونيودلهي وبكين على حدّ سواء.
كما أن عودة الهند إلى السوق الخليجية قد تفتح الباب أمام صيغٍ جديدة من التعاون الاستثماري والتقني في مجالات التكرير والنقل والتخزين، وربما تسريع العمل بمشروعاتٍ مشتركة كانت مجمّدة بسبب وفرة الإمدادات الروسية الرخيصة.
وبذلك، يمكن القول إن العقوبات الأمريكية على موسكو، رغم كلفتها الجيوسياسية، منحت الخليج دفعةً غير متوقعةٍ نحو استعادة موقعه المحوري في خريطة الطاقة الآسيوية والعالمية.
تؤكد التطورات الأخيرة أن العقوبات الأمريكية على موسكو لا تقتصر آثارها على الاقتصاد الروسي، بل تمتد لتُحدث تحولاتٍ عميقة في أنماط التجارة النفطية العالمية.
فالهند، التي كانت أبرز المستفيدين من الخصومات الروسية، تجد نفسها اليوم مضطرة لإعادة بناء مزيجها النفطي اعتمادًا على شركاءٍ أكثر أمانًا من الناحية السياسية والاقتصادية، وعلى رأسهم دول الخليج والولايات المتحدة.
ويبدو أن الأشهر المقبلة ستشهد مرحلة إعادة توازنٍ جديدة في سوق الطاقة الآسيوية، يكون فيها النفط الخليجي لاعبًا رئيسًا في سدّ احتياجات ثالث أكبر اقتصادٍ في آسيا، في ظلّ معادلةٍ دوليةٍ متغيرةٍ تحكمها السياسة قبل الأسعار.
