مؤسسة غير ربحية

معارك مستمرة في الفاشر وإنزال جوي يبدّل موازين القوة

تقدير موقف - شبكة الاستشراف

الملخّص التنفيذي:

تواصلت خلال الساعات والأيام الماضية معارك ضارية حول مدينة الفاشر (عاصمة ولاية شمال دارفور)، حيث تصرّ قوات «الدعم السريع» على إسقاط المدينة بينما يواصل الجيش السوداني وقواته المساندة الدفاع عنها. نفّذ الجيش إنزالاً جوياً جديداً فجر اليوم لتأمين إمدادات وأسلحة للمحاصرين داخل المدينة — وهو الإنزال الثاني خلال عشرة أيام — ما أدّى إلى تصاعد الاشتباكات بعد وصول تسليح جديد إلى القوات المدافعة، وتوسّع العمليات إلى أحياء مدنية أسفر عن سقوط قتلى وجرحى. المنظمات المحلية تدق ناقوس الخطر إنسانياً، والأمم المتحدة تضغط لزيادة الوجود الأممي ورفع الحصار وتيسير إيصال المساعدات.

أولًا: الوضع الميداني الحالي

  • مدينة الفاشر محاصرة منذ مايو/أيار 2024 بمداخل ومخارج تُسيطر عليها قوات «الدعم السريع»، التي تشنّ هجمات شبه يومية برية ومدفعية وطائرات مسيّرة.
  • الجيش نفّذ إنزالاً جوياً فجر اليوم لإيصال أسلحة ومؤن إلى القوات داخل الفاشر، وهو الإنزال الثاني خلال عشرة أيام (الأول سبق أن نُفّذ بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول). الإنزال الأخير تزامن مع تدمير منظومات دفاع جوي كانت منصوبة حول المدينة.
  • الاشتباكات تصاعدت ووصلت إلى أحياء سكنية، مع تبادل اتهامات بين الطرفين بشأن خسائر وأهداف وادعاءات سيطرة على مواقع.
  • «الدعم السريع» أعلنت إسقاط مسيّرة من طراز «أكينجي» ووجّهت اتهامات للجيش باستخدام المسيرات التركية لتنفيذ «مجازر» في مناطق أخرى من دارفور، بينما تؤكد القوات الحكومية أنها صدّت هجوماً متعدد المحاور وألحقت خسائر كبيرة بالمهاجمين.

ثانياً: التطورات الإنسانية والرد الشعبي

  • تنسيقية لجان المقاومة في الفاشر حذّرت من تصاعد الانتهاكات داخل مناطق الاشتباك، وأكدت وقوع حالات «تصفيات» داخل منازل، وناشدت المدنيين القريبين من خطوط الاشتباك بالمغادرة إلى أحياء أكثر أمناً متى ما توفر ذلك.
  • التنسيقية دعت الأمم والمنظمات الإنسانية وقيادة الدولة لعمليات إنزال جوي عاجلة للمساعدات، مشيرة إلى نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه وارتفاع أعداد الجرحى وانتشار الأمراض.
  • الأمم المتحدة صرّحت بأنها جاهزة لتقديم المساعدة فور السماح بالوصول، وتواصل الضغط لزيادة الوجود الأممي ورفع الحصار وتوفير ممرّات آمنة. وقد ظلّ مئات الآلاف محاصرين في الفاشر لأكثر من 500 يوم وفق بياناتها.

ثالثاً: تقييم القدرات والرؤية الاستراتيجية

  • بحسب الخبير العميد جمال الشهيد، إصرار «الدعم السريع» على الهجوم رغم فشلها في تحقيق تقدم ملموس يعكس تخبّطاً استراتيجياً وضعف تقدير الموقف، فيما تحوّلت الفاشر إلى رمز للمقاومة ومركز ثقل استراتيجي.
  • الإنزالان الجويان اعتُبرا تحولاً نوعياً في مرونة وتنسيق الجيش بين القوات الجوية والوحدات الأرضية، وساهمتا في فكّ جزئي للحصار وتوفير إمدادات حيوية مما أعاد زمام المبادرة إلى الجيش.
  • تقارير ميدانية تشير إلى احتدام صراعات داخل صفوف المليشيا حول القيادة والتمويل والغنائم، ما أضعف التنسيق العملياتي والروح المعنوية لديها. بالمقابل تبدو القوات المسلحة أكثر تماسكاً وتطبق استراتيجية استنزاف ممنهجة تسعى لإضعاف المليشيا قبل السعي للحسم الكامل.

رابعاً: الأثر المحتمل على الأمن القومي والمناطق المحيطة

  • سقوط الفاشر سيمنح المليشيا زخماً دعائياً واستراتيجياً كبيرين، بينما بقاء المدينة صامدة يحوّلها إلى نموذج مقاومة ويشدّ من موقف القوات الحكومية داخلياً ودبلوماسياً.
  • استمرار الحصار وتدهور الأوضاع الإنسانية يفاقم أزمة النزوح والضغوط على المراكز الإقليمية والخدمات الإنسانية، ويزيد من احتمالات تصعيد دولي ودعوات لتدخل أممي أوسع.

خامساً: السيناريوهات المحتملة

  1. سيناريو الاستنزاف وصمود الفاشر (مرجح نسبياً): استمرار محاولات «الدعم» مع فشل متكرر في اقتحام المدينة، وتعزيز الجيش لخطوط الدفاع عبر عمليات جوية وإنزالات لوجستية، ما يؤدي إلى استنزاف المليشيا وتراجع قدرتها العملياتية.
  2. سيناريو تقدم محدود للمليشيا: نجاحات تكتيكية محلية تؤدي إلى سيطرة على نقاط محورية داخل أطراف المدينة أو طرق الإمداد، ما يزيد الضغط الإنساني ويطيل أمد المعارك.
  3. سيناريو تصعيد إقليمي/دولي: تزايد الضغوط الدولية قد يؤدي إلى محاولات لتوسيع الوجود الأممي أو فرض هدنة مؤقتة، أو إلى تدخلات دبلوماسية مكثفة مع مخاطر تصاعد العنف إن فشلت الجهود.

سادساً: توصيات عاجلة (لصانعي القرار والمنظمات الإنسانية)

  • للقوات الحكومية: الحفاظ على قواعد الاشتباك التي تقلل الخسائر المدنية، وتثبيت ممرّات آمنة لإخراج الجرحى والمدنيين عند توفر الإمكانية، والاستمرار في عمليات الإمداد الجوي الدقيقة لتفكيك الحصار دون تعريض المدنيين للمخاطر.
  • للمجتمع الدولي والأمم المتحدة: تكثيف الضغط السياسي لإتاحة وصول إنساني فوري، دعم عمليات إنزال جوي منظمة لتفادي الإضرار بالمدنيين، وفسح الطريق أمام زيادة الوجود الميداني لفرق الحماية والمراقبة.
  • للمنظمات الإنسانية: تجهيز خطط طوارئ لتوزيع المساعدات عبر إنزال جوي آمن وتنسيق مع الجهات المحلية لضمان نقل الإمدادات إلى المحتاجين فور السماح بالوصول.
  • للسكان المحليين والجهات المدنية: تنظيم قنوات إخلاء آمنة عند الإمكان وتوثيق الانتهاكات لإحالتها لاحقاً إلى جهات التحقيق المختصة.

خاتمة

الفاشر اليوم ليست مجرد موقع جغرافي في دارفور، بل اختبرت موقعًا رمزيًا واستراتيجيًا في الصراع الراهن. الإنزالان الجويان الأخيران أعادا توازنًا عملياً مؤقتاً إلى صفوف المدافعين، لكن التهديد الإنساني يتصاعد بسرعة ما يستدعي تحرّكاً دولياً ومنظماً عاجلاً لمنع تراكم كارثة إنسانية وتفادي تفاقم الصراع إلى مستويات يصعب السيطرة عليها.

كلمات مفتاحية: السودان الفاشر تقدير موقف