بث تجريبي

تداعيات الحرب في إيران على الاقتصاد العالمي: صدمات الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم

تحليلات وتقدير موقف - Foresight

تشكل الحروب في مناطق إنتاج الطاقة العالمية نقطة تحول في الاقتصاد الدولي، إذ تمتد آثارها سريعًا إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية. وفي هذا السياق، تبرز الحرب الأخيرة في إيران باعتبارها واحدة من أكثر الأزمات الجيوسياسية تأثيرًا على الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة. فالتصعيد العسكري في منطقة الخليج، التي تعد شريانًا رئيسيًا لإمدادات النفط والغاز، يهدد بإحداث موجة جديدة من ارتفاع الأسعار والتضخم، ليس فقط في الولايات المتحدة بل في الاقتصاد العالمي بأسره.

صدمة في أسواق الطاقة العالمية

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية. ومع اندلاع الحرب وتوقف جزء كبير من حركة الشحن في المضيق، خرجت كميات ضخمة من الإمدادات من السوق العالمية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط والغاز.

ورغم أن الولايات المتحدة حققت مستويات قياسية من إنتاج الطاقة المحلي خلال السنوات الأخيرة، فإن أسعار الوقود داخلها لا تزال مرتبطة بالسوق العالمية. فالعولمة المتزايدة لأسواق الطاقة، إضافة إلى توسع البنية التحتية لتصدير النفط والغاز الأمريكيين، جعلت الاقتصاد الأمريكي أكثر حساسية للصدمات الخارجية في الإمدادات.

وتنعكس هذه الصدمة مباشرة على أسعار البنزين والكهرباء، حيث يشكل النفط الخام جزءًا رئيسيًا من تكلفة الوقود، بينما يعتمد قطاع الكهرباء الأمريكي بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي في توليد الطاقة.

تداعيات ممتدة على أسعار الكهرباء والطاقة

منذ بدء الولايات المتحدة تصدير الغاز الطبيعي المسال عام 2016، أصبحت أسعار الغاز المحلية مرتبطة بشكل متزايد بالأسواق الدولية. ونتيجة لذلك، فإن أي ارتفاع في الطلب العالمي على الغاز أو أي اضطراب في الإمدادات ينعكس مباشرة على الأسعار داخل الولايات المتحدة.

وقد أظهرت التجارب السابقة – مثل الحرب في أوكرانيا عام 2022 – أن صدمات الطاقة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الكهرباء خلال فترة قصيرة. وفي ظل التصعيد الحالي، ارتفعت بالفعل أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي المسال في الأسواق الأوروبية والآسيوية بنسب كبيرة، وهو ما قد يترجم لاحقًا إلى زيادة في فواتير الطاقة للأسر والشركات.

الغذاء في مرمى أزمة الطاقة

لا تقتصر تداعيات الحرب على قطاع الطاقة فحسب، بل تمتد أيضًا إلى أسواق الغذاء العالمية. فالوقود الأحفوري يلعب دورًا أساسيًا في الإنتاج الزراعي، سواء من خلال تشغيل المعدات الزراعية أو نقل المنتجات أو إنتاج الأسمدة.

وتشير التقديرات إلى أن الوقود قد يمثل ما بين 40% و50% من التكاليف المتغيرة لزراعة المحاصيل في بعض الاقتصادات الزراعية الكبرى. كما أن إنتاج الأسمدة يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، الذي قد يشكل ما يصل إلى 80% من تكلفة الإنتاج.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء موقع دول الخليج – مثل قطر والسعودية والإمارات – ضمن كبار منتجي الأسمدة عالميًا، إضافة إلى مرور جزء كبير من تجارة الأسمدة عبر مضيق هرمز. وبالتالي فإن أي اضطراب في هذه الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا، وهو ما قد ينعكس في نهاية المطاف على أسعار الغذاء ويزيد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي في بعض المناطق.

اضطراب سلاسل الإمداد العالمية

إلى جانب تأثيرات الطاقة والغذاء، يمكن أن تمتد تداعيات الحرب إلى سلاسل الإمداد الصناعية. فارتفاع أسعار الوقود يزيد تكاليف النقل البحري والجوي، كما يدفع شركات الطيران والشحن إلى تغيير مساراتها لتجنب مناطق النزاع، ما يؤدي إلى زيادة زمن النقل والتكاليف اللوجستية.

كما قد تتأثر الصناعات التكنولوجية، خاصة صناعة أشباه الموصلات، نتيجة احتمال حدوث نقص في بعض المواد الأساسية المستخدمة في التصنيع، مثل الهيليوم والبروم. ويُعد الخليج مركزًا مهمًا لإعادة تصدير هذه المكونات، ما يجعل أي اضطراب في حركة التجارة عبره ذا تأثير واسع على الصناعات التكنولوجية العالمية.

كذلك قد تتعرض صناعات أخرى لضغوط مماثلة، مثل الصناعات التي تعتمد على الألومنيوم، حيث يمثل الخليج نسبة مهمة من الإنتاج العالمي لهذه المادة.

ضغوط تضخمية على الاقتصاد العالمي

تشير الخبرة الاقتصادية إلى أن صدمات أسعار الطاقة تعد من أهم العوامل المحركة للتضخم. فارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، وهو ما ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات.

وتشير تقديرات بعض المؤسسات المالية إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% يمكن أن يرفع معدل التضخم بنحو 0.3 إلى 0.4 نقطة مئوية خلال أشهر قليلة. وإذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة، فقد يؤدي ذلك إلى إبقاء معدلات التضخم العالمية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعًا.

أخيرا، تكشف الحرب في إيران مرة أخرى عن مدى ترابط الاقتصاد العالمي وحساسيته للأزمات الجيوسياسية في مناطق الطاقة الحيوية. فالتصعيد العسكري في الخليج لا يقتصر تأثيره على الدول المنخرطة مباشرة في الصراع، بل يمتد إلى أسواق الطاقة والغذاء والصناعة في مختلف أنحاء العالم. وكلما طال أمد الصراع، ازدادت احتمالات تحوله إلى صدمة اقتصادية أوسع، تتمثل في ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والغذاء، وتزايد الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن تداعيات الحرب لن تقتصر على الميدان العسكري، بل قد تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي خلال الفترة المقبلة.