بث تجريبي

جنوب السودان على حافة اضطراب جديد

تقارير وملفات - Foresight

يشهد جنوب السودان منذ مطلع العام تصاعدًا في أعمال العنف والنزوح الجماعي، في مؤشر مقلق على تآكل اتفاق تقاسم السلطة الذي أنهى رسميًا الحرب الأهلية بين عامي 2013 و2018. فقد أدى انهيار التفاهمات السياسية بين الحكومة بقيادة الرئيس سلفا كير والمعارضة الرئيسية بقيادة ريك مشار إلى تجدد المواجهات المسلحة في عدة مناطق، ولا سيما في ولاية جونقلي، حيث أسفرت العمليات العسكرية عن نزوح مئات الآلاف وتفاقم الأزمة الإنسانية. غير أن هذه التطورات لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، وبخاصة الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023. إذ باتت أزمات الدولتين متشابكة على نحو متزايد، ما يجعل الصراع في جنوب السودان جزءًا من مشهد أمني إقليمي أكثر تعقيدًا يمتد عبر القرن الأفريقي وحوض النيل.

اتفاق سلام هش وبنية دولة غير مكتملة

تأسست الحكومة الانتقالية في جنوب السودان عام 2020 بموجب اتفاق سلام هدفه إنهاء الحرب الأهلية التي أودت بحياة نحو 400 ألف شخص. وقد قام الاتفاق على صيغة لتقاسم السلطة بين الرئيس سلفا كير، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وريك مشار، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة، الذي تولى منصب النائب الأول للرئيس. لكن الاتفاق ظل منذ البداية إطارًا هشًا لإدارة الصراع أكثر منه تسوية حقيقية له. فبدلًا من معالجة جذور الأزمة المرتبطة ببناء الدولة وتقاسم الموارد وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، ركّز الاتفاق على توزيع المناصب السياسية بين النخب المتنافسة.

ومع مرور الوقت، اتهمت المعارضة الحكومة باستخدام العملية السياسية لتعزيز سيطرتها على مؤسسات الدولة، عبر تشجيع الانشقاقات داخل صفوف المعارضة، وإضعاف برامج دمج القوات المتمردة في جيش وطني موحد. وقد بلغت الأزمة ذروتها مع اعتقال ريك مشار العام الماضي، وهي خطوة اعتُبرت تقويضًا مباشرًا لترتيبات تقاسم السلطة.

التصعيد العسكري في جونقلي

شهدت ولاية جونقلي تصعيدًا عسكريًا ملحوظًا بعد أن بدأ الجيش الوطني لجنوب السودان عمليات واسعة لاستعادة مواقع خسرها لصالح قوات المعارضة. وقد رافقت هذه العمليات اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، بما في ذلك القصف الجوي وحرق القرى وعمليات القتل والاختطاف. وقد أدى هذا التصعيد إلى موجة نزوح واسعة، حيث فرّ آلاف المدنيين إلى مناطق أكثر أمانًا أو عبروا الحدود إلى إثيوبيا. كما تعقّدت الأزمة الإنسانية نتيجة القيود المفروضة على وصول المساعدات إلى بعض المناطق المتضررة. وتشير هذه التطورات إلى أن العنف في جنوب السودان لم يعد مجرد اشتباكات متفرقة، بل بات يحمل سمات صراع أوسع قد يتجه نحو التصعيد إذا استمرت التوترات السياسية دون معالجة.

البعد الإثني وتآكل النسيج الاجتماعي

يشكل البعد الإثني عنصرًا مركزيًا في الصراع الحالي. فالكثير من العمليات العسكرية تدور في مناطق تقطنها مجتمعات النوير، التي تُعد قاعدة اجتماعية رئيسية للمعارضة المسلحة. وقد اتهمت المعارضة الحكومة باستهداف هذه المجتمعات، فيما تشير تقارير إلى تصاعد خطاب الكراهية بين بعض القيادات العسكرية. ويحذر محللون من أن تزايد دور الميليشيات المحلية، مثل «الجيش الأبيض»، إلى جانب المجموعات المسلحة المتحالفة مع الحكومة، قد يؤدي إلى تداخل الصراع السياسي مع النزاعات المجتمعية المحلية. ويزيد هذا التداخل من خطر انزلاق البلاد إلى دورة جديدة من العنف يصعب احتواؤها.

الحرب في السودان وتأثيراتها على جنوب السودان

لا يمكن فهم التصعيد في جنوب السودان بمعزل عن الحرب المستمرة في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فالعلاقة بين البلدين تتجاوز الحدود الجغرافية، إذ ترتبط اقتصادات الدولتين وبنيتهما الأمنية ارتباطًا وثيقًا.

أولًا، يعتمد اقتصاد جنوب السودان بشكل شبه كامل على عائدات النفط التي تُصدّر عبر خطوط أنابيب تمر عبر الأراضي السودانية إلى موانئ البحر الأحمر. وقد أدت الحرب في السودان إلى تعطيل جزئي لهذه البنية التحتية، ما تسبب في تراجع الإيرادات الحكومية في جوبا وأضعف قدرة الدولة على تمويل الجيش والمؤسسات العامة.

ثانيًا، خلقت الحرب في السودان بيئة إقليمية غير مستقرة أدت إلى تدفق اللاجئين والسلاح عبر الحدود. وقد أسهم ذلك في زيادة تعقيد المشهد الأمني في المناطق الحدودية، حيث تتداخل شبكات الميليشيات المحلية مع التنافسات السياسية داخل جنوب السودان.

ثالثًا، يخشى بعض المحللين من احتمال أن تتداخل الصراعات في البلدين بشكل أعمق، خصوصًا إذا بدأت الفصائل المسلحة في الاستفادة من الفراغ الأمني على جانبي الحدود.

التدخلات الإقليمية والتوازنات الجديدة

تلعب القوى الإقليمية دورًا مهمًا في تطورات الصراع. فالحكومة في جوبا تعتمد على دعم عسكري من أوغندا، التي ترى في استقرار جنوب السودان مصلحة استراتيجية لأمنها القومي. في المقابل، يراقب الفاعلون الإقليميون الآخرون – مثل إثيوبيا وكينيا – التطورات بقلق متزايد، نظرًا لاحتمال أن يؤدي تدهور الوضع الأمني إلى موجات نزوح جديدة وعدم استقرار إقليمي.

كما أن استمرار الحرب في السودان يحدّ من قدرة المنظمات الإقليمية، مثل الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، على لعب دور فعال في الوساطة، في ظل انشغالها بالأزمة السودانية.

الانتخابات المؤجلة ومستقبل العملية السياسية

كان من المفترض أن تُجرى انتخابات عامة في نهاية الفترة الانتقالية عام 2023، لكنها تأجلت عدة مرات، ومن المقرر حاليًا تنظيمها في عام 2026. غير أن التصعيد الأمني الحالي يثير شكوكًا متزايدة حول إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها.

ويرى بعض المحللين أن التوترات الأمنية قد تُستخدم ذريعة لتأجيل الانتخابات مرة أخرى، ما قد يؤدي إلى تعميق أزمة الشرعية السياسية في البلاد. وفي الوقت نفسه، يظل اتفاق السلام – رغم عيوبه – الإطار السياسي الوحيد المتاح حاليًا لمنع انزلاق البلاد إلى حرب شاملة.

إجمالا، تعكس التطورات الأخيرة في جنوب السودان أزمة بنيوية في عملية بناء الدولة بعد الحرب. فالاتفاق السياسي الذي أنهى الحرب الأهلية لم يعالج جذور الصراع، بل أعاد توزيع السلطة بين النخب دون إصلاح المؤسسات الأمنية أو معالجة الانقسامات المجتمعية.

ومع تزايد تأثير العوامل الإقليمية، خاصة الحرب في السودان، أصبح استقرار جنوب السودان مرتبطًا بشكل متزايد بالتوازنات الجيوسياسية في المنطقة. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تدخل سياسي فعال، فقد تجد البلاد نفسها مرة أخرى على أعتاب مرحلة جديدة من عدم الاستقرار العميق، مع تداعيات قد تتجاوز حدودها لتطال مجمل منطقة القرن الأفريقي.